صدام حسين، القائد المفترى عليه!!
بقلم: اسماعيل ابو البندورة *
تشكل عملية الافتراء على القائد العربي الأسير صدام حسين ومشروعه القومي النهضوي وتشويه صورته أمام الرأي العام العربي والعالمي، جزءاً هاماً من الحملة التي نهضت ضد العراق العربي منذ أن أفصح عن عناوينه القومية عام 1968 في التحرير والاستقلال والنهضة، ومنذ أن باشر بتأميم النفط وملاحقة شبكات الجواسيس في العراق، ومحو الأمية ومجانية التعليم، والتصنيع والإصلاح الزراعي وتحسين المستوى الصحي وبناء مجتمع التقنية والمعلوماتية والمعرفة.
كانت هناك جهات كثيرة عربية وأجنبية تستشعر الخطر الآتي من هذا المشروع ودعاته في العراق والوطن العربي، وهي القوى الاستعمارية والصهيونية ودول الجوار ذات السياسات المرتبطة بالاستعمار والمعبرة عنه، ولذلك جندت كل ما في وسعها من طاقات إعلامية لكي تزيف وتشوه وتشيطن المشروع وصاحبه ودعاته.
وقد اتخذت الافتراءات أشكالاً وتعبيرات مختلفة بعضها يهاجم البعث الكافر (العلماني)، وبعضها يهاجم دكتاتورية الحكم، وبعضها الآخر يهاجم الحزب وقائده المؤسس ميشيل عفلق ويتهمه بشتى التهم السوقية والرخيصة، وتمخض عن ذلك كمية هائلة من "الأدبيات" المتنوعة داخل وخارج الوطن العربي التي أسهمت في تشويه وتزييف المعاني الحقيقية الكبرى فيه ولامست كل التفاصيل والخصوصيات التي شكلت اغتيالاً معنوياً للحزب ولقيادته المناضلة التي تقود عملية النهضة في العراق، وتتطلع إلى حسم الصراع مع العدو الصهيوني من خلال بناء القوة الضرورية لذلك.
وقد أزعم أنني من بين الأشخاص الذين قرأوا معظم ما كتب ولا يزالون يقرأون مثل هذه الأدبيات المتهافتة من موقع نقدي موضوعي، وبغية تمييز ما هو صحيح ومبدأي ونقدي ومعرفي فيها مما هو غث ودعائي وسوقي حتى وكاذب يسعى إلى اغتيال الشخصية والعقل أو التلاعب بالعقول لأهداف رخيصة تخدم القوى الاستعمارية ولا تخدم عملية النهضة، وكنت أصل دائماً إلى جواب واحد مفاده أن هذه الحملات هي القصف المبكر (المعنوي) للقصف والاحتلال العسكري الذي جرى عام 2003 وجلب للعراق كل هذه "الخيرات" الاستعمارية التي نشاهدها يومياً على شاشات التلفاز.
ولا يمكن بأي حال تصنيف هذه الأدبيات وفق منطلقاتها وأهدافها في خانة واحدة، ولكن من الممكن رؤية توحدها واجتماعها على هدف واحد وهو تحطيم العقل الذي يمكن أن يستجيب ويتوافق مع معطيات المشروع القومي وغاياته، ويمكن أن يجعله ينفتح على آفاق تغييرية تأخذ بعملية النهضة العربية إلى مداها المرتجى، وتمتد لتصبح انعطافاً في التاريخ السياسي للوطن العربي وحسماً لهذا الصراع الطويل بين الأمة وأعدائها، وترتيباً للعقل العربي لكي يشرع في بناء نهضته وتأدية رسالته الحضارية.
لقد تناسى أصحاب هذه الأدبيات المشبوهة كل ما يمور في الوطن العربي من مشاهد انحطاطية وعمليات تراجع وصهينة وارتباط بالأجنبي ومروق قومي، وسلطوا حملاتهم الإعلامية على العراق ومشروعه وقائده وكأن الشرّ لم ينبثق او يتولد الا في هذه البقعة من الارض وخلال هذه الفترة الزمنية التي قاد فيها أحرار العرب دفة النهضة وسفينة التطور، وكان لذلك أسباب في عقل من كتب وتناسى "الما يحدث" ولكتابته أهداف واضحة في أن يعرقل هذا المسار الناهض الواعد ويعتم على الضوء الذي انبثق من هذا المشروع وخلق حالة شواش واضطراب وبلبال في عقل القائمين عليه ومن يريدون أن يكونوا أدواته وفرسانه، إنها إذن أدبيات تحولت إلى أداة للتضليل والتمهيد للعمليات الاستعمارية الكبرى وهي في الوقت نفسه أداة إقصاء وتهميش وإحباط وهدر للعقل والإنسان العربي وإعاقة للمسار.
وإلى من يريد المقارنة عليه أن يقرأ الحقبة التاريخية التي ظهر فيها القائد العربي جمال عبد الناصر لكي يرى نفس الأساليب والأدوات والأفكار والقوى فقد اجتمعت عليه ذات القوى وجعلت تجربته دماراً وخراباً واستلاباً وتناست انجازات الحقبة الناصرية وتأثيراتها المحلية والدولية والأصداء المعنوية والرمزية التي كانت لها أكبر الأثر في نفوس العرب الطامحين إلى الحرية عندما كان ناصر يخاطب العربي قائلاً: "ارفع رأسك يا أخي العربي!!" وما كانت تفعله في النفوس والوقائع وما تلقاه من استجابات في العقول.
إنها القوى ذاتها التي تجتمع وتتضافر جهودها لتبخيس الايجابيات وتكبير السلبيات، وهي القوى ذاتها التي تدعو إلى الطائفية مقابل القومية والتعددية والقيم الكبرى، وتدعو إلى الاستسلام بدل الحشد والتعبئة، وتنادي بالتجزئة في مواجهة الوحدة، وتحارب العقل وتدعو إلى الجهل والتجهيل والعودة إلى العصبيات التحتية، وتقدم الخونة على أنهم الأحرار، وتقف في طريق أي مشروع عربي يدعو للحرية والنهضة، وتحطم معاني وصور قادة هذه المشاريع وتهمش دورهم لا بل تتهمهم بالتخريب والعمالة لأنهم يتحدون ولا يقبلون بالدنية، ويواجهون ولا يهربون.
لقد كنا ولا نزال ندعو إلى مراجعة التجارب القومية والمشاريع التي ظهرت في الوطن العربي واستطاعت أن تعبر عن فكرة النهضة والتغيير، وأجملت تطلعات أبناء الأمة ودافعت عنها، وحاولت أن تعيد ترتيب العقل العربي حول قضايا نهضوية حيوية تأخذ بعملية التطور إلى الأمام وتفتح المجال لاستكمال وحدة الوطن العربي واستقلاله.
وكنا نطالب هذه المراجعات والقراءات بالموضوعية، وتوخي الإخلاص للأمة، والدقة في التحليل حتى تندرج في عمليات التقويم والإصلاح والاندفاع إلى الأمام، أمّا أنْ تتحول القراءات إلى افتراءات وتخليط وحشد الأغاليط فتلك من تجليات الانحطاط وفساد النظر وبؤس العقل والطوية والانحدار.
إن أطياف القائد العربي صدام حسين تتحرك أمامنا الآن وهو في بيت العقرب وصوته يمتد أمام عقلنا، ويبكي عليه اللقيط الأمريكي الذي يحرسه احتراماً له!! فلماذا لا نقول نحن أبناء العم أن هذا القائد لم يكذب أهله وهو يعيد الهيبة للأفكار والمثل القومية ويحكم بالإعدام على الذل والخيانة، ويضع نقطة البداية لمن يريد الحرية؟
انه سؤال جديد نضعه برسم التحليل والمراجعة!!
* عن (المجد) الأردنية 4/12/2006