قراءة سريعة في استراتيجية الأمن الوطني الأمريكي ما بين "الديمقراطيين" و"الجمهوريين"
احمد عيد المصاروة/العميد الركن - مدير التوجيه المعنوي *
تمهيد
1 - على الرغم من عدم وجود أي تشابه ما بين (الحمار) رمز وشعار "الحزب الديمقراطي" و(الفيل) رمز وشعار "الحزب الجمهوري"، إلا أن التشابه بين توجّهات الحزبين فيما يخص المصلحة الوطنية الأمريكية العليا يكاد يتطابق تماماً، لأن المعيار الأساس هو تحقيق هذه المصلحة، وأستطيع القول أنهما وجهان لعملة أمريكية واحدة، وقد يتفاوت الاختلاف بينهما أحياناً في الوسائل والأساليب المستخدمة لتحقيق هذه المصلحة، في حين يتفق كلاهما على الأهداف الاستراتيجية الأمريكية المرسومة في استراتيجية الأمن الوطني الأمريكي انطلاقاً من طبيعة المصلحة الوطنية الأمريكية العليا والتي يكون مجالها الحيوي العالم كاملاً على الدوام.
2 - سأحاول في هذه الورقة وبقراءة سريعة، بيان توجهات استراتيجية الأمن الوطني
الأمريكي بعد فوز الديمقراطيين مؤخراً من خلال بيان مواقف الحزبين من القضايا
الرئيسية والهامة حول العالم.
المدرسة الحاكمة في العلاقات الدولية لكلا الحزبين
3 - في حين أن الحزب الجمهوري ينهج نهج المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية لتحقيق المصلحة الوطنية الأمريكية والتي تقوم على مبدأ المحافظة على المصلحة الوطنية بغض النظر عن الوسائل والأساليب المتبعة لتحقيق ذلك بما فيها القوة العسكرية، وعدم إعطاء وزن للمنظمات الدولية ولا حتى القانون الدولي ولا تثق بالآخرين وترتكز على القوة دائماً حيث كانت اغلب حروب أمريكا وفقاً لهذه المدرسة وفي عهد الجمهوريين، فيما نجد أن الحزب الديمقراطي ينهج نهج المدرسة المثالية في تحقيق المصلحة الوطنية الأمريكية التي تقوم على التركيز على القانون الدولي وتدعو إلى الحد من التسلح وإلى حل الصراعات الدولية بالطرق الدبلوماسية والسلمية كما أنها تؤمن بدور المنظمات الدولية ولا تمانع في استخدام القوة لتحقيق المصلحة الوطنية إذا لزم، أي أن الديمقراطيين يستخدمون سياسة النفس الطويل في تحقيق المصلحة الوطنية الأمريكية.
نظرة الحزبين للأوضاع في "الشرق الأوسط"
العلاقة مع "إسرائيل"
4 - تعتبر "إسرائيل" في نظر الحزبين حالة استثنائية ويجب تقديم كل ما يلزم من دعم لاستمرارها وحمايتها وحفظ أمنها، وإذا كان المحافظون الجدّد الذين يقودون الحزب الجمهوري الآن الأكثر ولاءً لـ"إسرائيل" وشنوا حربهم على الإرهاب لتأمين مصالحها بتدمير العراق وإخراجه من معادلة "الصراع العربي-الاسرائيلي"، ونراهم الآن يعدّون العدّة باتجاه إيران حيث وصلوا إلى قناعة يقومون بنشرها وهي ان المسيحية لن تكون صادقة ومخلصة إلى الرب إلاّ إذا خدمت "اسرائيل واليهودية"، ووفقاً لذلك سيدخلون أمريكا في مأزق جديد مع إيران، فيما نجد أن الديمقراطيين هم الأكثر تشدداً حيال المصلحة "الإسرائيلية" وتمكنت "إسرائيل" في عهودهم المختلفة من تحقيق أغلب أهدافها الاستراتيجية وأن العلاقة بين اليهود والديمقراطيين هي الأقوى على مدى التاريخ الأمريكي.
الملف الفلسطيني
5 - لن يكون هناك أي تغيير على هذا الملف في ظل أن كلا الحزبين ينظر إليه من الزاوية "الإسرائيلية" فقط، وعليه سيبقى يراوح مكانه ولن يكون هناك أي تقدم باتجاه حل القضية الفلسطينية في أجندات كلا الحزبين لأنهما وهذا الملف ليسوا طارئين بل أن الملف الفلسطيني يتم تداوله كلما يتناوب الحزبان على السلطة في أمريكا منذ نشأتها واستقلالها عام 1776، ودليل ذلك ما صدر أثناء لقـاء اولمرت - بوش مؤخراً (تشرين الثاني 2006) حول السلام والفيتو الأمريكي على (مذبحة بيت حانون) وأن كل ما نراه تجاه حل الصراع هو مجرد مناورات وتطمينات فقط وتهدئة لحسم الأمر مع إيران.
الملف العراقي
6 - لن يحصل أي تغيير على الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في العراق، حيث يؤمن كلا الحزبين بضرورة إحكام السيطرة على "منطقة الشرق الأوسط" (نظرية ماكندر وقلب العالم) والسيطرة على منابع النفط واستمرار الهيمنة ومحاصرة إيران، باكستان، روسيا، الصين وبجميع الاتجاهات والمجالات، ولكن يمكن أن يحصل بعض التغيير على الأساليب والوسائل وعلى مستوى تكتيكي في العراق، حيث قال الرئيس بوش نحن جاهزون لسماع أية اقتراحات بشأن العراق، وقال رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية إن قادة القوات في العراق والبنتاغون سيجرون بعض التغييرات التكتيكية على عمل القوات الأمريكية في العراق، كما قال الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة المركزية المسؤولة عن الأوضاع في العراق انه لا حاجة لزيادة عدد القوات هناك وأكد أن أية جدولة للانسحاب من العراق ستؤثر على المرونة التي يمكن أن تعمل بها القوات الأمريكية لتحقيق الأمن والاستقرار في العراق لأنها قادرة على ذلك على حدّ قوله، وأستطيع القول أن الديمقراطيين سيستمرون بالضغط على موضوع الانسحاب من العراق لرفع ثمن انتصارهم السياسي تمهيداً لمعركة الرئاسة المقبلة حيث ستكون ورقة الانسحاب من العراق هي المُرجح لفوزهم القادم في الرئاسة أي أنهم سيستغلون مدة السنتين المتبقيتين للإدارة الحالية للتمهيد للفوز بانتخابات الرئاسة باستمرارهم بالضغط للانسحاب من العراق لأنها ورقة كبيرة بيدهم وهي أساس فوزهم في الانتخابات النصفية مؤخراً.
الملف اللبناني
7 - ستستمر أمريكا بدعم مجموعة "14 آذار" لإحداث تحول استراتيجي في لبنان، وجعلها موالية تماماً لأمريكا والتوصل إلى "اتفاق سلام" مع "إسرائيل" وإزاحة النفوذ السوري الإيراني بإخراج "حزب الله" نهائياً من المعادلة اللبنانية، كما ستسعى لمعاقبة سوريا من خلال الضغط على ملف الحريري وإخراج موضوع "المحكمة الدولية" بالتعاون مع مجموعة "14 آذار" لتهدئة الجبهة الشمالية بالنسبة لـ"إسرائيل" وجعل سوريا توافق على تسوية سلمية بالشروط "الإسرائيلية" - الأمريكية والاندماج كغيرها في "مشروع الشرق الأوسط" الذي يخطط له.
الملف السوري
8 - الموقف الأمريكي واضح من سوريا وعلى الرغم من مطالبة الديمقراطيين في الكونغرس بضرورة الحوار معها حول العراق نجد أن الجمهوريين يطالبونها بتقديم تنازلات بشأن السلام مع "إسرائيل" وعدم التدخل في لبنان والتخلي عن دعم "حزب الله" و"حماس" والإرهاب والنأي عن الخط الإيراني والمساهمة في ترتيب الأوضاع في العراق، وعليه فإن كل ما نسمعه من حديث عن الحوار مع سوريا هو كلام في كلام لأن أمريكا تريد حوارا مشروطاً حيث تسعى لتغيير النظام بغية تحقيق الانسجام الكامل مع سياساتها في المنطقة، لاسيما وأنها تنظر دائماً من الزاوية "الإسرائيلية" كما أن أمريكا لن تجعل سوريا تخرج منتصرة وبشكل سيحرج العرب المعتدلين من حلفاء أمريكا في المنطقة.
الملف الإيراني
9 - لن يحصل أي تغيير تجاه الملف النووي الإيراني لأن العنصر الحاكم والأساس فيه هي المصلحة والأمن "الإسرائيلي" قبل المصلحة الأمريكية وأن المواجهة الأساسية هي حول سلوك النظام السياسي في ايران وليس فقط الملف النووي، ولا استبعد أن توجه أمريكا ضربة عسكرية ساحقة لإيران خلال الفترة المتبقية "للمحافظين الجدد" في السلطة (السنتين القادمتين) لتحجيمها، لأن الحراك الإيراني أصبح يهدد مصالح أمريكا في المنطقة خاصة أمن حليفتها "إسرائيل"، أما موضوع المشاغلة مع إيران والحوار حول تحقيق الاستقرار في العراق فاستبعد ذلك لأن إيران ستطلب ثمناً باهظاً لهذا الحوار واستطيع القول أن أمريكا قد تساهم بانقلاب عسكري في العراق لترتيب الأوضاع وتحجيم الشيعة وعدم اللجوء لإيران للمساعدة في ذلك ولا حتى سوريا، وعليه لن تفتح أمريكا أي حوار مع إيران لأن الإستراتيجية الأمريكية واضحة بهذا الخصوص حتى في عهود الديمقراطيين والتي كانت وما تزال تقوم على ضرورة اعتراف إيران بـ"إسرائيل" والمشاركة في دعم العملية السلمية، ونبذ الإرهاب ووقف الدعم عن حماس وحزب الله وأخيراً تعليق تخصيب اليورانيوم، وإن كل ما نسمعه من لجنة بيكر وحتى الطروحات التي يتبناها بعض أركان الإدارة الجُدد خاصة وزير الدفاع روبرت غيتس الذي يتبنى نظرية زبجنيو برجنسكي (مستشار الأمن القومي السابق) والتي يدعو فيها إلى التعامل مع إيران بدلاً من جميع الدول السنية في المنطقة لن ترى النور، لأن الحوار الأمريكي المقصود سيكون حواراً مشروطاً ولن توافق عليه إيران التي لها هدف استراتيجي لن تحيد عنه وهو تأمين عنصر البقاء الإيراني من خلال تأمين الردع النووي وضمان عدم تغيير النظام هناك.
الحرب على الإرهاب
10 - ستستمر أمريكا بحربها على الإرهاب وسيقدم الديمقراطيون الدعم الكامل لهذه السياسة في ظل أن أمريكا لديها رسالة واضحة تسعى لتحقيقها في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في دول العالم ودول الشرق الأوسط من بينها حتى لو بالقوة وبتغيير الأنظمة المناوئة، وستستمر الحرب على الإرهاب باتجاه العرب والمسلمين تحقيقاً للهدف غير المعلن لهذه الحرب والمتمثل بهزيمة الموروث الاستراتيجي للأمة العربية والإسلامية - (الإسلام) كونه قوة الممانعة الوحيدة في وجه الغطرسة والهيمنة الأمريكية، لذلك فهو يشكل الهدف الاستراتيجي الأهم والحقيقي لهذه الحرب، وهذا ما أكده الجنرال جون أبي زيد قائد القيادة المركزية الأمريكية الوسطى من أن العالم سيواجه حرباً عالمية ثالثة إذا لم يوقف التشدد الإسلامي كان ذلك في محاضرة ألقاها مؤخراً في جامعة هارفرد وهنا مكمن الخطر في كل ما يدور، حيث سيستمر الجمهوريون باستخدام ورقة الإرهاب في الانتخابات القادمة ولا استبعد أن يقوموا بحروب جديدة لتحقيق نصر يساعدهم في ذلك، سبق وأن أشرت إلى مضمون هذا الطرح في مقال سابق نشر في (مجلة الأقصى) العدد (1010) تاريخ 1 - 8 - 2006 حيث قلت فيه أن زيادة التعقيدات والصعوبات التي تواجهها الاستراتيجية الأمريكية قد تقود إلى حرب عالمية تؤدي إلى خلط الأوراق من جديد وإعادة تقسيم مناطق النفوذ في العالم وهذا الأمر الوحيد الذي تجبر فيه أمريكا حلفاءها على الاستمرار معها في ظل انكفاء الكثيرين عنها في أوروبا (اسبانيا، فرنسا، ايطاليا) وفي أمريكا اللاتينية وفي ظل خروج معظم حلفائها من العراق مما يقلل فرص نجاح الحرب على الإرهاب بالإضافة إلى مغازلة الصين وروسيا لأمريكا ظاهرياً والعمل في الخفاء لتقويض نفوذها في العالم.
الأردن والاستراتيجية الأمريكية
11 - ستستمر النظرة الأمريكية إلى أهمية الدور الأردني في الاستراتيجية الأمريكية في ظل الموقع الجيو-استراتيجي للأردن بوجود أطول حدود (480كم) ما بين الأردن وإسرائيل، حيث يأخذ الأردن وفقاً لذلك بعداً هاماً في جميع السياسات الخارجية الأمريكية بالإضافة إلى الدور الأردني في الحرب على الإرهاب (الموقف الأردني يفرق بين الإرهاب والإسلام)، ووسطية الأردن واعتداله ودوره في الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وبرامج الإصلاح والتنمية والتطوير التي يقودها جلالة القائد الأعلى الملك عبد الله الثاني حيث يعتبر الأردن من وجهة النظر الأمريكية أنموذجاً رائداً في المنطقة طالما استمر بالسير في هذا الاتجاه.
النظرة الأمريكية للعالم كمجال حيوي للاستراتيجية الأمريكية
12 - ستستمر النظرة الأمريكية لأوروبا وأمريكا اللاتينية وروسيا والصين وكوريا الشمالية وقضايا البيئة خاصة اتفاقية كيوتو والتجارة وغيرها بنفس النظرة الساعية إلى الهيمنة والاستمرار بقيادة العالم وستسعى أمريكا إلى نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وقضايا الإصلاح التي تثيرها من حين لآخر عند فتح أية ملفات تخص أية دولة في العالم.
خلاصة الاستراتيجية السياسية الأمريكية في العالم
13 - ستستمر النظرة الأمريكية بشقيها الديمقراطي والجمهوري لجميع الملفات في العالم انطلاقاً من مصلحتها الوطنية العليا ومراعاة مصلحة حليفها الاستراتيجي الأوحد في العالم (إسرائيل)، ومن منطلق ما يؤمن به كل أمريكي أن أمريكا تأسست وقامت لتبقى ولن تسقط مهما كانت التحديات أو الظروف (U.S Rise up & never fall again)، وأن صناع الاستراتيجية الأمريكية (الانجلو-ساكسون) يعكفون على صياغة ما يضمن التفوق الأمريكي خلال الخمسين سنة الثانية من القرن 21 أي أن يكون القرن 21 أمريكياً صرفاً كما كان القرن الماضي تماماً، وعليه فإن ما نسمعه من تصريحات لمسؤولين أمريكيين خاصة الديمقراطيين ما هو إلا سعي لتحويل هزيمة أمريكا في كل من أفغانستان والعراق الى خسارة وحفظ ماء وجه الرئيس الأمريكي، وأخيراً تحقيق المصلحة الأمريكية وحفظ أمن "اسرائيل" وبقائها كأولويات لا يمكن التراجع عنها، سواء كان القادة جمهوريين أم ديمقراطيين، فهل ندرك ويدرك من يسبحون في الفضاء الأمريكي، من أن الرهان على أمريكا لن يجدي نفعاً في هذا العالم متغير الاطوار؟،.
توجهات استراتيجية الأمن الوطني الأمريكي في "الشرق الأوسط" إلى أين؟
رأي الكاتب
14 - لكي يكون الطرح واضحاً فإن ما عُرض سابقاً هو قراءة سريعة لاستراتيجية الأمن الوطني الأمريكي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ولكن إلى أين تسير توجهات هذه الاستراتيجية في "الشرق الأوسط"؟ وهنا وعلى الرغم من السعي الأمريكي بشقيه الديمقراطي والجمهوري لخدمة المصلحة الوطنية الأمريكية، أستطيع القول أن الحقبة الأمريكية في "الشرق الأوسط" قد شارفت كغيرها على الانتهاء، والسبب الرئيسي هو هزيمة أمريكا خاصة في العراق، بالإضافة إلى هزائمها في أفغانستان والصومال ولبنان، وما تواجهه في الملفين النوويين الكوري الشمالي والإيراني، وأن الذي تسبب في هذه الهزيمة، هو قوة الممانعة الوحيدة (الإسلام) التي وقفت وتقف وستقف لهذه الغطرسة بالمرصاد، وحتماً سيملأ الإسلام الفراغ الحاصل بعد هذه النهاية المؤلمة باستمرار المقاومة فهل يدرك الجمهوريون خاصة (المحافظون الجدد) والديمقراطيون وربيبتهم "اسرائيل" والغرب كله، الساعون إلى جر العالم إلى حرب عالمية ثالثة، أن هناك فرقاً شاسعاً وعدم تطابق ما بين الفاشية والنازية والشيوعية التي هزموها، وحتى الرأسمالية والعولمة كونها جميعاً أيديولوجيات من صنع البشر، وبين الإسلام الذي هو دين الله الذي قال فيه ((إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) وعليه فلن يهزم الإسلام مهما كانت التحديات والظروف والله غالب على أمره.
* (عن مجلة الأقصى)