عن وثيقة مكة
السيد زهره/البحرين
قيل الكثير عن (وثيقة مكة) التي وقعتها قيادات دينية سنية وشيعية عراقية وتعهدت فيها بتحريم الدم العراقي وبوقف الاقتتال الطائفي. أغلب الدول العربية أشادت بتوقيع الوثيقة واعتبرتها خطوة كبيرة إلى الأمام. وبالمقابل، الكثيرون شككوا في جدواها العملية وفي أن تقود فعلا إلى وقف العنف والاقتتال الطائفي.
ولا شك بداية أن توقيع الوثيقة خطوة مهمة. فلقد وصل العنف والاقتتال الطائفي في العراق حدا مرعبا، وبحيث أن أي جهد، حتى لو كان بسيطا، في اتجاه إدانة هذا العنف وهذه الدموية ومحاولة وقفه، هو جهد مطلوب. على الأقل، هذه الوثيقة تساهم في إيجاد تيار عام في العراق وفي خارجه، ضد الطائفية، وضد التناحر الطائفي، لكن في الوقت نفسه، ليس هناك ما يبرر تعليق الآمال الكبيرة المبالغ فيها على الوثيقة وعلى أن تقود فعلا إلى تحجيم العنف الطائفي الدموي، وليس هناك ما يبرر أن تعتبر الدول العربية أمنها برعاية توقيع الوثيقة، أو بإعلان تأييدها والإشادة بها، قد أبرأت ذمتها وفعلت كل ما بمقدورها أن تفعله.
جنون العنف الطائفي في العراق وصل إلى مرحلة لا تكفي وثيقة وأي تعهدات مكتوبة لوقفه، العنف والاقتتال الطائفي في العراق تقوده وتنفذه ميليشيات طائفية معروفة منظمة ومسلحة ولها هي والأحزاب التي تنتمي إليها أجندتها الطائفية، هذه الميليشيات استفحل أمرها وأصبحت كالسرطان الذي يهدد كل جسد العراق، وهذا العنف والاقتتال الطائفي وراءه مشاريع معروفة لتقسيم العراق وإقامة كيانات طائفية تمزق العراق كيانا وهوية، وهذا العنف والاقتتال الطائفي وراءه احتلال غاشم هو الذي أطلق جنون الطائفية، وهو الذي رعى هذا القتل الطائفي، وهو الذي خطط لمشاريع التقسيم.
إذن، مواجهة هذا الجنون والقتل الطائفي ليس أمرا مرهوناً فقط برؤية القيادات الدينية السنية والشيعية وإدانتها له، لا يمكن الحديث عن مواجهة أو إنهاء الجنون والقتل الطائفي إلا في إطار مواجهة كل مشروع الاحتلال وما أفرزه من نوازع طائفية هوجاء ومن قوى طائفية منظمة دموية ومن مشاريع للتقسيم.
بعبارة أخرى، الدول العربية إن هي أرادت حقاً أن تنقذ العراق والعراقيين من المذابح الطائفية التي تجري، وأن تلعب دوراً فاعلاً في هذا الاتجاه، فإن الطريق إلى هذا هو موقف سياسي حازم ومؤثر من الاحتلال وبكل ما ترتب عليه وأفرزه من أوضاع طائفية وتقسيمية في العراق، من دون هذا، ستبقى أي وثيقة أو أي اتفاق نظري بين قوى عراقية مجرد إعلان عن نوايا طيبة، والنوايا الطيبة لها أهميتها نعم، لكنها في عالم السياسة عموما، لا تحقق الكثير.