عصر الدكتاتورية العالمية يتمدد إلى علم التاريخ
د. ثائر دوري - سوريا
هل دخلنا في عصر محاكم التفتيش ثانية؟
هذا السؤال يجب طرحه بجدية تامة بعد القانون الذي يجرم من يشكك بإبادة الأرمن، والذي أقره البرلمان الفرنسي. لست قانونياً لأعرف بدقة ما هي أركان جريمة الإبادة، وهل تنطبق على ما جرى للأرمن في الحرب العالمية الأولى. مع ملاحظة أن ما جرى تم في سياق حرب عالمية (الصحيح حرب امبريالية، أوربية غربية) راح ضحيتها ملايين البشر من كافة الملل والأعراق، إما بالقتل المباشر في سياق الأعمال الحربية، أو من خلال النزوح القسري وهجرة السكان، وسوء التغذية والمجاعة والأمراض التي فتكت بالمدنيين، والأمر المؤكد أن كل شعوب البشرية قد عانت، وإن بنسب متفاوتة من تلك الحرب التي يطلق عليها الحرب العالمية الأولى في حين أنها صراع بين ضواري الغرب الإمبريالية، بين قوى استعمارية صاعدة كالألمان والطليان وقوى استعمارية مستقرة كالفرنسيين والإنكليز، وقد دفعت شعوب أوربا وآسيا وأفريقيا الثمن.
لقد تعرض الأرمن كباقي شعوب الأرض إلى مآسي مروعة في تلك الحرب، وأنا أتمنى على الأخوة الأرمن أن يناقشوا ما جرى معهم في تلك الحرب بهدوء ليستخلصوا منه العبر التاريخية كي تتحول تجربتهم المؤلمة إلى ذخيرة إيجابية لكل الإنسانية، وأول خطوة على هذا الطريق هي أن يسحبوا ورقة معاناتهم من يد القوى الإمبريالية التي تريد أن تستغل آلامهم وعذاباتهم في صراعاتها ومصالحها المادية الضيقة، كحال الفرنسيين اليوم.
في عام 1997أقر البرلمان الفرنسي قانوناً يعتبر أن ما تعرض له الأرمن في الحرب العالمية الأولى هو جريمة إبادة، وهذه الخطوة نصب بها البرلمان الفرنسي نفسه مشرعاً لكل البشرية، فمن المعلوم أن البرلمان الفرنسي يمتلك سلطة على الأمة الفرنسية، ويحق له إبداء الرأي في أمور تخص الأمة الفرنسية التي انتخبته ليمثله أما أن ينصب نفسه مشرعاً للبشرية كلها، وبمشكلة لم يكن الشعب الفرنسي طرفاً بها، فهذه سابقة تاريخية لم يسبقهم لها سوى الأمريكان، ففي التسعينات أقر الكونغرس الأمريكي ((قانون داماتو)) الذي يعاقب الشركات غير الأمريكية التي تستثمر في قطاع الطاقة الإيراني بأكثر من عشرين مليون دولار، وذاك اليوم احتج الأوربيون وعلى رأسهم فرنسا على هذا القانون، لأن الكونغرس الأمريكي لا يحق له أن يشرع لبقية البشرية بل يحق له فقط أن يفرض تشريعاته على ما هو أمريكي فقط، فإذ بهم بعد حين يرتكبون نفس الإثم الأمريكي، وفي مجال أخطر هو مجال التاريخ الذي هو علم بكل معنى الكلمة، ومن العبث مناقشته في البرلمانات وعبر إقرار قوانين، فدراسة التاريخ يجب أن تترك للمؤرخين والمختصين الذين يدلون برأيهم بحدث تاريخي ما، ويحصل نقاش حول هذا الأمر، ولا يحتاج الأمر لقانون، فإذا اقتنع الناس بالرواية التاريخية سلموا بها وصارت بديهية بالنسبة لهم وإلا بحثوا عن رواية أخرى.
في العام 2006 أكمل البرلمان الفرنسي ما فعله قبل عشرة أعوام، فأقر قانوناً يجرم التشكيك بإبادة الأرمن، التي أقرها هو بقانون سابق. وهذا القانون مقتبس من قانون سابق سيء الصيت يجرم كل من يشكك بالمحرقة، وقد حوكم بسبب هذا القانون وسجن مؤرخون لأنهم شككوا بما يسمى المحرقة، وأشهرهم غارودي..
إن هذا القانون الفرنسي يظهر العقلية الإمبريالية التي تعتبر نفسها وصية على التاريخ البشري، ويظهر كم أن الفروق بين الإمبريالية الفرنسية والإمبريالية الأمريكية زهيدة للغاية لدرجة لا تكاد تلحظ معها بالعين المجردة، فإذا كانت الإمبريالية الأمريكية تعطي نفسها حق الوصاية على العالم اقتصادياً وعسكرياً، فتقرر من هو الطيب ومن هو الشرير، فالإمبريالية الفرنسية تكمّل الدور الأمريكي، فتطرح نفسها وصية على تاريخ العالم، ومن البداهة أن يتم ذلك من زاوية مصالحها الخاص.
كان أجدر بالنواب الفرنسيين الذين يملكون هذا الفائض الإنساني أن يراجعوا تاريخهم قبل أن يراجعوا تاريخ الشعوب الأخرى، ويصدروا أحكاماً أخلاقية تخصهم لاسيما وأن التاريخ الفرنسي يحتاج إلى المراجعة في مفاصل كثيرة منه لاسيما في الهند الصينية التي أدخلوها في حرب طاحنة أكلت الحجر والبشر، وفي الجزائر التي أبادوا مليوناً ونصف المليون من سكانها، وفي هايتي التي أباد نظام ثورة الإخاء والمساواة، نظام الثورة الفرنسية، ثلث سكانها دفعة واحدة لأنهم طلبوا الإخاء والمساواة! هذا عدا عن مذابح رواندا المليونية التي لم تجف دماء ضحاياها بعد، والدور الفرنسي في حدوثها واضح وضوح الشمس في منتصف النهار.
إن دموع التماسيح التي يذرفها النواب الفرنسيون على عذابات الأرمن لم تعد قادرة على خداع أحد،فالجميع يدرك أن في خلفية المشهد تقبع المصالح والصراعات الضيقة والهواجس العنصرية، فتركيا التي تتكون من ستين مليوناً من المسلمين لا مكان لها في أوربا حسب الفكر اليميني العنصري الذي يتعاظم نموه في أوربا، ويتمدد كبقعة الزيت من الأحزاب ذات الاتجاهات العنصرية الصريحة، كحزب ماري لوبن، إلى أحزاب اليمين الديغولي (اقرأ تصريحات ساركوزي ضد أبناء الضواحي). ففي خلفية المشهد يقبع فكر عنصري يرغب بالحفاظ على أوربا مسيحية نقية، لكن أوربا تلعب بالنار فتركيا لن تبق واقفة ذليلة تطرق أبواب الإتحاد الأوربي المقفلة في وجهها، أو التي تطالبها بالخروج من جلدها كي تفتح لها الباب، كما هو حالها اليوم، ولن تتحمل طويلاً الاحتقار والإذلال المقصودين، كما يعاملونها اليوم، فبين الأتراك يتبلور سريعاً خيار العودة إلى شرقهم إن لم يكن لقيادته، فرافعة من روافع نهوضه، أو على الأقل كطرف أساسي في بنائه، وعندما يكتمل هذا الخيار فإن تركيا هي من سيغلق الباب في وجه أوربا، وعندها ستقف أوربا على باب تركيا المشرقية المسلمة طويلاً.