تجديد الثقافة الوطنية ومعركة التحرر من التبعية
د. ثائر دوري - سوريا
يخلق الاجتياح الغربي، والكولونيالية بكافة أشكالها السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، أوضاعاً جديدة تماماً، فتكتسب الظواهر القديمة سياقات جديدة غير معروفة من قبل، وربما تكون مفاجئة، وبالتالي يجب دراسة الظواهر داخل التجربة الكولونيالية بدقة قبل إبداء رأي قاطع حولها.
خذ مثلاً قصة الصحافيين في العراق، فقد اعتاد الرأي العام العالمي على اعتبار الصحفي صوت الحق والحقيقة، ويصوره على أنه الشخص الذي يركب المخاطر ويغامر بحياته من أجل أداء رسالة إنسانية، لذلك عندما يقتل صحفي تهتز الدنيا، ويدان مرتكب ذلك العمل أشد إدانة .كما تنشر منظمات حقوق الإنسان كل عام أعداد الصحافيين القتلى في العالم وتعتبر ذلك العدد مشعراً أساسيا لحال الحريات في العالم،لكن الاجتياح الكولونيالي للعراق حمل الصحافيين إلى وضعية جديدة لم يعرفها البشر من قبل، وهي وضعية الصحفي المرافق للقوات (Embeded)، وهو صحفي يرافق القوات الأمريكية، فيأكل ويشرب مع الجنود، وينام معهم في كيس نوم واحد، ويركب دباباتهم وهمراتهم، وبالتالي فهذا الصحفي يرى العالم كما يراه جندي المارينز، وقد حدث في مرات عديدة أن تعرضت دبابات المحتل وهمراته لكمائن المقاومة، فقتل وأصيب بعض الصحافيين المرافقين للمارينز . فهل يمكن اعتبار هذا الحدث فجيعة للحرية وتكميماً لأفواه الصحافة والصحافيين! هل يستحق مقتل صحفي كهذا الصحفي إدانة من المنظمات الدولية ! هل يمكن مساواة هذا الصحفي بالصحفي الذي قتلته القوات الأمريكية وهو يؤدي واجبه بشكل محايد بعيداً عن سيطرة المارينز؟
أولئك الذين يبسطون الكون ولا يحللون كل ظاهرة على حدا سيجيبون: نعم، وسيقولون أنه من حيث المبدأ، هذا صحفي وذاك صحفي، ويتعاملون مع الحالتين بالتساوي . أما الحقائق على الأرض فتشير إلى أن الصحفي "المدفون مع القوات" قد صار جزءا من الآلة العسكرية، وبالتالي صار من الإعلام الحربي للمحتل، ومن ثم فحكمه حكم الجندي الغازي.
لذلك يجب دراسة كل ظاهرة انطلاقا من وظيفتها داخل الحالة الاستعمارية، وتحليل الدور الذي تؤديه، لا أن ندرسها بشكل نظري مجرد ونسارع لإطلاق أحكام قيمة.
أثناء توصيف فرانز فانون لحال الثقافة الوطنية تحت الاستعمار توصل إلى نتائج بالغة الأهمية قد تكون مفاجئة للبعض، يقول:
(( نرى البلدان المستعمرة تحيط مجالها الثقافي بأسيجة وأوتاد، وهذا النوع البدائي من الدفاع عن النفس يشبه منعكسات غريزة البقاء في كثير من الوجوه )).
فرد فعل الجماهير تجاه الهجوم الضاري الذي تتعرض له ثقافتها القومية من قبل المحتل، يكون تمسكاً مبالغاً به بالعادات والتقاليد وهذا يثير حنق المستعمر، يقول فانون:
(( فالمستعمر يرى في الاستمرار على الأشكال الثقافية التي يستنكرها مظهراً قومياً عليه أن يحاربه )) .
ونتيجة هذا الهجوم الضاري من المستعمر لا يحصل تجديد للثقافة القومية أو للعلاقات داخلها، وإنما مجرد انكماش للحفاظ على النواة، لكن هذا الموات الظاهري، الذي يشبه ما تفعله في الطبيعة بعض الكائنات الحية، حيث تتكيس، أو تدخل في سبات في الظروف الطبيعية الصعبة، فتبدو وكأنها فاقدة الحياة . لكن هذا الموات الظاهري لا يلبث أن يضج بالحياة مع أول طلقة مقاومة، فمع اندلاع شرارة الثورة على الأوضاع التي جمد المحتل البلد فيها تنشأ آداب جديدة من رواية وشعر ومسرح، وحتى الثقافة الشفوية تصيبها رياح التجديد، لقد عادت الحياة تدب في الجسد، فإذا بالثورة وقد أحيت الأرض بعد مواتها.
ويربط فرانز فانون التجديد في المجال الثقافي والفكري حصراً باندلاع الثورة، بل هو يعتبر إن محاولة التجديد و الشعب قابع تحت السيطرة الاستعمارية خطأ فادح، يقول:
((إن أحد الأخطاء الفادحة، التي يصعب الدفاع عنها أن نحاول تحقيق تجديدات ثقافية، وأن نحاول رد الاعتبار والقيمة إلى الثقافة الوطنية ونحن ما نزال في ظل السيطرة الاستعمارية، وإني لأنتهي من هذا إلى تقدير نتيجة قد تبدو غريبة مفارقة هي: أن أقوى دفاع وأجدى دفاع عن الثقافة القومية إنما يكون بالأخذ بالعقيدة القومية ولو في أبسط أشكالها وفي أكثر أشكالها بدائية وفجاجة)).
ويخلص فانون أخيراً إلى قانونه، وهو: إن التحرير القومي و انبعاث الدولة شرط لوجود الثقافة، فيقول:
((ليست الأمة فقط الشرط اللازم لقيام الثقافة و ازدهارها و تجددها المتصل وعمقها، فهي أيضا حاجة وضرورة، إن الكفاح الذي تخوضه الأمة هو الذي يطلق الثقافة من عقالها و يفتح لها أبواب الإبداع، كما أن الأمة في مرحلة ثانية، هي التي توفر للثقافة ظروف نمائها و إطار تعبيرها)).
فالشعوب تولد ثقافيا وحضاريا أثناء صراعها مع عدوها، يقول:
((إننا نعتقد أن الكفاح المنظم الواعي الذي يخوضه شعب من الشعوب لاسترداد سيادة الأمة هو أكمل مظهر ثقافي ممكن، ليس نجاح الكفاح وحده هو الذي يهب للثقافة قيمة و صدقاً و قوة، بل إن معارك الكفاح نفسها تنمي، في أثناء انطلاقتها، مختلف الاتجاهات الثقافية و تخلق اتجاهات ثقافية جديدة، فالكفاح لا ينيم الثقافة أثناء اندفاعه، وكفاح التحرير لا يرد إلى الثقافة الوطنية قيمها القديمة وأطرها القديمة، ولا يملك ما دام يهدف إلى إعادة تنظيم العلاقات بين البشر إلا أن يبدل الأشكال والمضامين الثقافية للشعب، إن التحرير لا يزيل الاستعمار فحسب، بل يزيل المستعمر (بالفتح) أيضاً)).
إن التجديد الديني لا يتم في الغرف المغلقة، أو بوصفات مؤسسة راند، وإنما يتم أثناء الكفاح للخلاص من التبعية الثقافية والاقتصادية والعسكرية، أثناء الكفاح للتحرر من الكولونيالية، وإن امتلاك ناصية التكنلوجيا والعلم وتجديد علاقات المجتمع سواء الأسرية أم السلطوية، وعلاقات الحاكم بالمحكوم لا يتم عبر الاستسلام التام للعدو، كما يقترح ياسين الحاج صالح في مقال (( في مديح الخيانة ))، وإنما يتم من خلال نزع السيطرة الاستعمارية، سواء كانت مباشرة، كما هو حال العراق وفلسطين وأفغانستان، أم غير مباشرة كما هو حال بقية العالم الثالث.
وأما هذا الخوف المبالغ به من المقاومة ومن الأشكال الخشنة التي تأخذها، فهو ينم على عدم فهم لآليات الصراع ولا للواقع في ظل السيطرة الغربية، فالاجتياح الغربي الماحق جعل البشر في كافة أرجاء المعمورة تحتمي بنويات ثقافتها، فتقيم الأسيجة وتمنع الغرباء من الاقتراب، لأنها تريد أن تحافظ على الرشيم من الضياع بعد أن سلبها الغازي الغربي كل شيء وتركها عارية لا تملك سوى هذه النويات التي تحتوي أبسط أشكال للهوية.
وإن هذه الأشكال مهما بدت بدائية أو متخلفة أو خشنة أو عنيفة، فهي الوحيدة التي تفتح أفق المستقبل، لأنها تحافظ على هوية وثقافة الأمة، ومن هذه الرشيمات البسيطة البدائية ستنتش نبتة الثقافة القومية عندما يمتلك المجتمع لحظته التاريخية ويبدأ عملية تحرره وإزالة التبعية بأشكالها كافة: سياسية، اقتصادية، وعسكرية.