من المستفيد من عالم متفجر؟
د. حسن طوالية/كاتب وباحث أكاديمي من الأردن
أكدت الأحداث الدولية المتلاحقة خلال القرنين الماضيين أن العالم يكون أكثر أمانا عندما يسود نظام دولي متعدد الأقطاب، حيث يتحقق التوازن بين القوى الكبرى المشكلة لهذا النظام والفاعلة فيه، وقديما كانت الدولة القومية هي نواة أي نظام عالمي، وحاليا وقفت الشركات المتعددة الجنسية والمنظمات المعنية بالإنسان والبيئة والثقافة إلى جانب الدول القومية من حيث التأثير وتشكيل النظام الدولي.
ونظرا لتطور الحياة في شتى مجالاتها، فأن النظام الدولي ليس نظاما ساكنا ثابتا، بل هو نظام متحرك، كما أنه نظام له سلطة قوية قاهرة من خلال منظومة القوانين الدولية والهيئات الدولية المعنية التي تصدر الأوامر وتلزم الأطراف الموقعة على القوانين والاتفاقيات والمعاهدات بالتقيد بأنظمتها وتنفيذ قراراتها كما هو الحال في قوانين الطيران والبحار والبيئة وجرائم الحروب والجرائم ضد الإنسانية وكذلك قرارات الشركات والمنظمات الاقتصادية مثل منظمة (أوبك) و(صندوق النقد الدولي)، و(البنك الدولي للإعمار)، و(منظمة التجارة العالمية).
ورغم تعدد الأطراف الفاعلة في النظام الدولي، فما زالت الدولة القومية هي عصب أي نظام يتشكل في العالم، سواء كان نظاما متعدد الأقطاب كالذي ساد في أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، أو نظاما ثنائي القطبية الذي ساد العالم بعد الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت ما سمي بـ(الحرب الباردة) بين الولايات المتحدة ومنظومة حلف الأطلسي من جانب، وبين الاتحاد السوفيتي السابق ومنظومة (حلف وارسو) من جانب آخر، أو نظام القطب الواحد المفروض بالقوة من قبل الولايات المتحدة، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهذا النظام كان سائدا في الإمبراطوريات القديمة التي أخضعت أمما وشعوبا واستغلت إمكاناتهم المادية وسخرتها لتحقيق أهدافها التوسعية والعدوانية، واليوم يشهد العالم ولادة مثل هذا النموذج الإمبراطوري الذي يتمتع بقوة كبيرة في شتى المجالات المادية والبشرية والعلمية، وقد أهلته الطبيعة لأن يكون أغنى وأقوى قوة في العالم، فمنذ بداية عقد تسعينات القرن الماضي وميزانية الدفاع الأمريكية في تصاعد مخيف حتى وصلت إلى حوالي 500 مليار دولار سنويا رغم زوال العدو التقليدي، أثناء الحرب الباردة، وبالتالي انخفاض حدة التوتر وانخفاض وتيرة سباق التسلح النووي، فالزعامة الأمريكية التي تعتقد بأن الله قد اختارها لتكون في مرتبة الزعامة العالمية لترعى مسار الأحداث في العالم وتحقق السلم الذي تراه مناسبا لمصالحها القومية.
وإذا كانت الإمبراطوريات القديمة قد سخرت البلاد والعباد ممن وقعوا تحت سيطرتها بالقوة، فأنها وصلت إلى مرحلة الشيخوخة بعد أن وصلت إلى مرحلة التخمة في جمع الثروات والهيمنة. فإن الإمبراطورية الأمريكية، تسخر أدوات وفعاليات سياسية واقتصادية تتلاءم مع تطور العصر، فسخرت الأمم المتحدة التي أنشأتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، لإدانة أي دولة تتقاطع سياساتها مع مصالح الإدارات الأمريكية، وكذلك إيقاع العقوبات المختلفة ضد هذه الدول، أو محاربتها عسكريا كما حصل في أفغانستان والعراق، وغيرهما الكثير، كما سخرت المؤسسات الاقتصادية العالمية، الآنف ذكرها، لدعم الأصدقاء والحلفاء ومعاقبة الأعداء أو الأشرار أو المناكفين أو المعارضين لسياستها ولكن ما الذي حدث في ظل سيادة الإمبراطورية الأمريكية أو سيادة قطب دولي واحد؟.
1 - الأمر الغريب أن الغرب الذي يتوحد اقتصاديا وعسكريا في أحلاف ومعاهدات كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي، وحلف الأطلسي (الناتو) وجملة المنظمات الاقتصادية الإقليمية، فأن هذا الغرب ساهم في تشتيت الدول التي كانت موحدة كالذي حصل في الاتحاد السوفيتي السابق، صحيح أن هذه الدولة عانت اقتصادياً وسياسياً، إلا أن الإرادة الغربية والعمل الدعائي ضدها ساهم في إحداث الانقسام.
وقد يبدو للبعض أن الدولة القومية المنشقة أو المستقلة عن جسم الاتحاد السوفييتي نالت استقلالها وحققت بعض آمالها في الانعتاق، إلا أن معظم هذه الدول فقدت سيادتها الكاملة على بلادها، حيث خضعت للابتزاز الاقتصادي من دول الغرب بالذات الولايات المتحدة، ونفس الأمر ينطبق على جمهوريات يوغسلافيا السابقة، حيث عاشت سنوات من الاحتراب الداخلي ووقعت أخيراً تحت هيمنة قوات حلف الأطلسي.
وخطة التجزئة والتفتيت شملت البلاد العربية منذ زمن بعيد، وقد سجل التاريخ عشرات الأحداث والاعتداءات التي استهدفت الوحدة والنهضة فيها. فقد وقف الغرب ضد (توجهات الوحدة والنهضة لدى محمد علي باشا في مصر 1830 - 1840) وضد (توجهات الشريف الحسين الوحدوية 1916) وضد توجهات عبد الناصر النهضوية والوحدوية معاً، وضد توجهات صدام حسين النهضوية وامتلاك القوة المادية لمواجهة (اسرائيل). واليوم تتحدث مخططات التفتيت والتجزئة والاحتراب القومي والديني والطائفي، في لبنان، والعراق ومصر والسودان والصومال والجزائر، لاستكمال ما بدأه الغرب في (اتفاقية سايكس بيكو – 1916)، و(منح اليهود وعد بلفور 1917)، لإقامة كيان استيطاني لهم في فلسطين.
2 - وفي فترة سيطرة القطب الواحد، تفاقمت الأزمات الاقتصادية في العالم وخاصة في عالم الجنوب، وتبعتها أزمات اجتماعية وثقافية بفعل سياسات العولمة الرامية إلى شيوع النظام الرأسمالي الذي يعتمد الخصخصة كسبيل لإنعاش الشركات العالمية.
وفي هذه الأجواء ارتفعت الأسعار وخاصة أسعار النفط وكل مشتقاته، وأسعار مواد البناء والنقل، وأسعار المواد الغذائية الأساسية، ورافق نظام الخصخصة ارتفاع نسبة البطالة والفقر في العالم وحتى في الدول الغربية. ورافق الأوضاع والأزمات الاقتصادية شيوع أمراض صحية واجتماعية خطيرة مثل (الايدز) و(أنفلونزا الطيور) والسرطان بفعل تسرب الإشعاعات النووية من التجارب النووية التي تقوم بها الدول النووية المعروفة حيث تجاوزت التفجيرات النووية ألفي تجربة خلال نصف القرن الماضي. كما انتشرت ظاهرة تجارة المخدرات وتجارة السلاح، وغسل الأموال، وتلوث البيئة وغيرها من الظواهر التي تقود بالنهاية إلى تفسخ المجتمعات.
3 - وفي أوضاع العالم التي تسودها نزعة القوة، واستبعاد لغة الحوار بين الأمم وبين الدول، سارعت معظم دول العالم إلى امتلاك الأسلحة المختلفة ومنها الأسلحة الفتاكة المحرمة دولياً، كما سعت العديد من الدول إلى امتلاك السلاح النووي كما حصل في الهند وباكستان وكوريا الشمالية مؤخرا، وما تسعى إليه ايران من برامج تخصيب اليورانيوم.
4 - وبفعل سياسة التسلط والهيمنة للقطب الدولي الواحد، انتعشت موجة العنف والإرهاب ضد المؤسسات التابعة للقوى المتسلطة وخاصة الولايات المتحدة و(اسرائيل). وخلال السنوات التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، وإعلان الولايات المتحدة (الحرب على الإرهاب)، وخاصة احتلالها أفغانستان والعراق مباشرة، وقعت في مآزق كبيرة أبرزها الخسائر البشرية والمادية في هذين البلدين، إضافة إلى تخصيص مئات المليارات لتحديث الأسلحة والصرف على العمليات العسكرية فيهما، إضافة إلى تدني سمعة الإدارات الأمريكية في العالم وخاصة في العالم الإسلامي.
وقد دار جدل واسع في الولايات المتحدة بين السياسيين والمفكرين، حول جدوى سياسة الإدارة الأمريكية في العالم، وخاصة إزاء العرب والمسلمين، الأمر الذي أذكى جذوة الصراع السياسي بين الحزبين المتنافسين (الجمهوري والديمقراطي).
إن تسلط نظام القطب الواحد، قاد إلى مزيد من الأزمات في العالم، بحيث صار مطلوباً من الأمم المتحدة تشكيل جيش مليوني لتطويق تلك الأزمات، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة، وهنا يكمن السؤال عن من المستفيد من هكذا عالم متفجر، والاعتقاد أن هذا الاضطراب لن يعود بالفائدة على احد، بل يسبب المزيد من الفوضى والإرهاب.