سيدي الرئيس

ليس بالإمكان أعظم مما سيكون

سميرة الخطيب

 

المطمح وطن يا صدام يشيد الصرح بلا إعياء

جئت، وما صح سوى هذا، إني وياك على الأعداء

ما دمت القائد والتاريخ، إنا سراؤك في الضراء

من قصيدة (حراس البوابة الشرقية)

 

سيدي أمير المؤمنين الرئيس صدام حسين أدامه الله ذخرا للبشرية:

صليت الفجر خلفك سيدي كما أفعل كل يوم، لم يفت حكم التافهين من عضدك، كنت شامخا مستقيما كالرمح كعادتك، لأنك وبشفافية مطلقة أسلمت لله رب العالمين قلبا وروحا، جسدا وفكرا، بقناعة وإيمان لا يطالهما إلا الأنبياء.

 

قبل أن ابدأ الحديث أرجو إحاطتكم علما أن معظم الحكام العرب قد حلقوا لحاهم وشواربهم (جديات) منذ زمن. لذا لا خوف عليهم أن تهتز شواربهم مهما حصل. أما الباقون فقد صبغوا لحاهم وشواربهم بأحدث مستحضرات أمريكا من الكيماويات بحيث أنها لن تهتز حتى لو قطعنا رؤوسهم.

على ضوء حكم الإعدام الذي صدر ضدكم أنتم وقادتنا من زملائك الباسلين أرغب أن أقدم تحليلي لما حصل.

أريد أن أضع أمامك سيناريو وأتمنى عليك الإجابة عما إذا كنت أصبت أم جانبت الصواب في تحليلي لمهزلة المحاكمة.

 

أولا: كل مرة نراك في المحكمة، يسبقها جلسة مفاوضات بينك وبين المحتلين وأوغادهم من صهاينة وعملاء، وأوغاد أوغادهم من صفويين ومارقين. الذين يأتون لمفاوضتك حاليا من قمة التركيبة الهرمية لحكومة العالم السرية، فكوندوليزا وبلير والمرحوم رامسفيلد – غار اليوم فدوى لعينك - يمثلون المستوى الثالث من بين تلك المراتب لذا لا نعرف تماما هويات المفاوضين.

بوش الأخرق الصغير لن يفاوضك لأن القوى السرية التي تمسك خيوطه تعلم أنن ستضحك بشدة لو جلس أمامك وجها لوجه، ثم أنه يخاف منك كثيراً. لذا سيكتفي برؤيتك من خلف الزجاج السحري بحيث يراك ولا تراه.

بعد أن يفشلوا في إقناعك أو زحزحتك عن موقفك قيد أنملة، يخرجون مهزومين ناقمين يجرون أذيال الخيبة ثم يقدمونك إلى جلسة محاكمة جديدة أملا في تليينك للمرة المقبلة. ووجودك في قاعة المحكمة يعني أنهم فاوضوك بالأمس – طمعا أن يكون حكمهم بالإعدام قد هز شواربك – وأنهم خرجوا بخفي حنين للمرة المائة.

ثانيا: في تصوري عرض عليك الكثير:

معاهدة دفاع مشترك، حلف عسكري مع أمريكا وإبقاء القوات الأمريكية/ الأطلسية على الحدود مع ايران.

كاظمة بأكملها وبدون مآبين آل الصباح.

استرداد كل آثار العراق المنهوبة.

تعويضات مالية بالمليارات تدفعها مشيخات النفط من الأموال التي جبوها لدى ارتفاع أسعار النفط الجنونية مؤخرا.

دور عراقي حاسم في تسوية أمور الوطن العربي.

أنت الوحيد غير المجبر على الاعتراف بـ"دولة" الكيان الصهيوني المسخ في فلسطين. وقريبا سيعرضون عليك إرجاع كل شبر استلمه الصهاينة من الحكومات العربية عام 1967.

إعادة إعمار العراق على الوجه الذي يرضيك.

ثمن مرتفع جدا للنفط العراقي المحرر.

اشد ما يزعجهم بمفاوضتك أنهم لم يدرسوا طريقتك بالتفاوض في أي من كلياتهم أو جامعاتهم. فقد تعلموا أن يبدأوا بسقف شديد الارتفاع ثم يبدأ التنازل. ولجهلهم بالمبدئية التي لا يمكن الزحزحة عنها لم يتصوروا انك -في عدم تنازلك - تنطلق من موقف لا تسمح لنفسك بالمساومة عليه ولو تعلق الأمر بحياتك. هذا يجعلهم يقلبون أكفهم حيرة وحنقا. فقد تعودوا من حكام الدول العربية أنهم يأمرون ويطاعون، وطالما التقط حكام العرب فتات موائد الصهيونية والصليبية العالمية. أما أنت فتقول:

عش عزيزا أو مت وأنت كريم / بين طعن القنا وخفق البنود.

آخر انتخابات حقيقية جرت في عالمنا العربي تمت حين انتخبنا عليا بن أبي طالب (رضي الله عنه) خليفة وممثلا شرعيا للأمة واليوم تنتخبك الأمة بإجماع ليس له مثيل أميرا للمؤمنين يحيي دولة الخلافة من اندونيسيا إلى الأمريكتين.

منذ عام 2004 وبعكس الكثيرين وأنا متفائلة جدا بالوضع العربي والعالمي، فقد استجاب العالم لتحدي جورج بوش "أنتم معنا أو ضدنا" باتخاذ موقع من بوش وطغمته العسكرية فتم الفرز وأصبح جليا أين تقف كل جهة وفي أي معسكر:

ففي الخندق الجهادي تجمع الشعب العربي (مسلمين ومسيحيين) والأمة الإسلامية، والشعوب المستضعفة والحركات والأحزاب المناوئة للعنصرية والعولمة والاستعمار الاقتصادي والتبعية، بينما تقود المعسكر الثاني الصهيونية العالمية ممثلة بـ"الحكومة الإسرائيلية" وتحالفاتها من حكام عرب وغير عرب، يستوي في ذلك حكام دول كبرى يسعون لمكاسب مادية بحتة حتى بعد ترك الوظيفة، أو حكام دول صغرى يسعون للمحافظة على عروشهم وكراسيهم، إضافة لآخرين يبحثون عن رشوة، حتى على حساب كرامة ودم أبناء جلدتهم، هذا الفرز لم يعد خافيا لأحد، فقد طفا على السطح ولم تعد شعارات الماضي المضللة تفيد في إخفائه. وحكام العرب الذين كانوا بالأمس يشهرون في وجوهنا كلمة حق يراد بها باطل تدعى "الوحدة الوطنية" سقطت أقنعتهم ومعها أوراق التوت يوم استماتوا في محاربة انتفاضة الأقصى المباركة، ويوم اجتمعوا في حفر الباطن وسلموا العراق لأعداء البشرية بعد أن أيقنوا - مخطئين - أنهم قد قلموا راداراته وصواريخه وأضعفوا جيشه وأنهكوا قوى شعبه بالمرض والجوع والحصار على مدى ثلاثة عشر عاما.

اليوم تأكد تفاؤلي وقد تحررت حديقة الولايات المتحدة الخلفية – كما يحلو لحكام أمريكا نعت أمريكا اللاتينية -، تشافيز وكاسترو ورفاقهما يحكمان معظم الدول المهمة وبالأمس انضم إليهما الرفيق أورتيغا في نيكاراغوا. كل ذلك أصبح ممكنا بسبب المقاومة العراقية العظيمة التي يقودها أحرار العراق "سنة وشيعة"، عربا وأكرادا وتركمانيين، مسلمين ومسيحيين وصابئة، تخرجوا من مدرسة الكرامة العراقية التي فتحت أبوابها يوم 17 تموز 1968.

 

الأمة العربية، عادت إلى نقطة البداية كأمة، ولدينا مخزوننا النضال السلبي والعلني ومن التاريخ والحضارة والتقنية المعلوماتية والخبرات ما يكفي لبناء الوطن الجديد. بات جليا ومنطقيا لنا على المستوى الشعبي أن مصلحتنا الآنية والمستقبلية دنيا وآخرة ترتبط بتفهم وتطبيق الوحدة الشعبية العربية ونحن ندرك طبيعة العروبة الواحدة للمسلمين والمسيحيين، كما نفهم دورنا القيادي والأخوي في العالم الإسلامي إضافة إلى مسؤوليتنا كعرب في حمل مبادئنا الخالدة لإنقاذ البشرية جمعاء من عصر الظلمة والانحطاط الذي يتهددها، مشكلة البعث في القريب العاجل ستكون كثرة المتقدمين بطلب عضوية، وعليك استيعابهم وتثقيفهم وتدريبهم. ولكنك لها وأهلها يا أمير المؤمنين.

 

الوحدة العربية الشعبية تتجلى في الحب الحقيقي والتواصل والتعاطف والمشاركة الوجدانية التي تعيشها الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج. شعب عربي واحد ضم صفوفه وأدار ظهره للحكومات وأتباعها مظهرا لهم كل احتقاره واشمئزازه، معلنا بيعته لك ولمنظمات وأحزاب وتنظيمات جهادية وأفراد وقفوا وقالوا "لا للعدوان على الأمة".

 

الذين راهنوا على هزيمة الأمة باءوا هم بالهزيمة. عملية الفرز بين الأمة والحكام باتت واضحة بشكل أقرب إلى السيريالية: الحكومات لا تمثلنا، ورغم أنها لم تمثلنا في يوم من الأيام، إلا أن هذه الحقيقة لم تتأكد علنا وبهذه الصراحة الصارمة من قبل، حين يسخط البعض من تصريحات عمرو موسى عضو "مجلس الحكم" المسمى بالجامعة العربية على حكم الإعدام اشعر بالدهشة. عمرو موسى ممثل حكومات جمهوريات الموز النفطية من المحيط إلى الخليج.

 

بعد خروج المحتل سيفتح باب الاستحقاقات والتعويضات على مصراعيه: أمريكا وبريطانيا وإيران وكل الدول التي ساهمت في الهجمة البربرية على أم حضارات البشرية، نبع التاريخ ومهد الحضارات، وأول دولة ذات سيادة وتشريع ودستور سيدفعون الثمن الغالي، سيكون هناك حسابات مادية وقانونية وأخلاقية يتم خلالها تعويض الضحايا بشكل فردي وكذلك تعويض الوطن والحكومة واسترداد الآثار والحفريات وكذلك ملاحقة ومحاكمة المجرمين في المحاكم الدولية التابعة للأمم المتحدة (المعدلة). المثال الذي يحتذى في هذا المضمار - ماديا - هو تعويضات "اليهود" من ألمانيا وتعويضات "آل الصباح" من دماء العراقيين خلال ثلاثة عشر عاما من الحصار اللاإنساني، أما التعويض الأخلاقي فله حساب آخر، وآمل أن يحاسب الشعب العربي حكامه مثلما يحاسب آل الصباح لاستباحتهم لأرض "الكويت" العربية وتحويلها إلى موطئ قدم يعبر منه الطامعون إلى الوطن الأم: العراق.

 

من هنا يا أمير المؤمنين ينبعث إيماني وتفاؤلي بأن الوضع العربي والإسلامي والعالمي لم يكن أحسن مما هو عليه في الوقت الحالي ومستقبلا. إذا كان القرن العشرين بوابة تقسيم الوطن العربي لعشرين دولة ونيف وإقامة الكيان السرطاني البغيض في قلب الأمة بفلسطين، فإن القرن الحادي والعشرين هو قرن توحيد الأمة، وإعادة دولة الخلافة بعدالتها، وإزالة الكيانات الغاصبة والمحتلة وبعث دولة الحق التي تحيا حتى قيام الساعة.