المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان قلبت الموازين، وأصبحت قوى إقليمية لها شأنها في حساب المعادلات الإقليمية!
صبري حجير - كاتب فلسطيني مقيم في السويد
يكاد يُجمع معظم السياسيين على أنّ مرحلةً جديدةً أخذت بالنشوء، في "الشرق الأوسط"، بعد سلسلة الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية، والدولة العبرية في السنين الأخيرة، ضدّ شعوب ودول المنطقة العربية.
ليس ما يدعو إلى خلافٍ، على أنّ الحرب التي احتدمت، في الثاني عشر من تموز،على الجبهة اللبنانية، وتواصلت على مدى ثلاث وثلاثين يوماً، كان لها الأثر البالغ على المؤسستين العسكرية والأمنية "الإسرائيليتين"! فالهزيمة التي أصابت "الدولة العبرية"، وهي الدولة التي تمتلك أضخم وأحدث ترسانة عسكرية، ولديها أقوى منظومة أمنية في المنطقة، وقفت مرتبكةً! بل عاجزةً أمام ضربات (حزب الله). وتعيش الآن في وضع داخليّ شديد الصعوبة، ذلك لأنّ المقاومة الشعبية المنظمة والمؤمنة بأهدافها التحررية، التي مثلها (حزب الله اللبناني)، على أرض الواقع، أسقطت من قائمة التقييم جملة النظريات والمعتقدات الحربية لذلك الجيش الذي كان يوصف بأنّه لا يُقهر، وهي النظريات والعقائد المستندة على مبدأي التفوق الدائم والمباغتة، والقائمة على ممارسة أصناف الإجرام والبلطجة والعنجهية . تلك النظريات والعقائد هي ذاتها التي نشأ عليها الكيان الصهيوني منذ قيامه، وكرّستها الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة كحقيقة راسخة فوق أرض الواقع، على مدى الحروب التي تواصلت منذ عام 1948 وحتى الآن، حيث تعود "الإسرائيليون" على نمطٍ واحدٍ في الحروب مع العرب!
وليس من خلاف أيضاً، على أنّ المقاومة البطولية التي أظهرها (حزب الله)، في جنوب لبنان، غيّرت الثوابت العسكرية، وقلبت المعادلات الحربية، وأحدثت القوة الصاروخية الضاربة لـ(حزب الله) تغييراً في معادلة ميزان القوى، حيث برهنت لشعوب المنطقة وللعالم ؛ أنّ الإرادة والإيمان يحققان الانتصار على أقوى الجيوش وأعتاها، ويدحران أحدث الأسلحة وأذكاها . في محصلة تلك الحرب استطاع (حزب الله) أن يحقق، من جديد، توازن الرعب مع الدولة العبرية، بعد أن استطاع أن يحقق توازناً ملحوظاً في استخدام المستجدات العسكرية، والمبتكرات القتالية الشعبية.
ويُجمع كثيرٌ من السياسيين، على أنّ الإنجازات التي حققها (حزب الله)، في الميدان، أفضت إلى إرساء حقائق إستراتيجية سوف تؤثر بشكل أو بآخر بالمجريات السياسية، في "الشرق الأوسط"، وقد تؤثر على بنية الكيان الصهيوني برمته، وهو ما عبر عنه "السياسي" الصهيوني المخضرم "شيمون بريس"، في الأيام الأولى للحرب حين قال "أنّ هذه الحرب مسألة حياة أو موت بالنسبة لإسرائيل".
أعتقد أنّ الأمر الجدير في الاهتمام، والذي ينبغي أن نضعه في أعلى درجات التقييم كنتيجة لتلك الحرب، هو أنّ (حزب الله) برز في معادلة الصراع، العربي الصهيوني، كقوة إقليمية، ذو حضور مؤثر، وبات يحسب له الحساب، في المعادلات الإقليمية، وهو ما ذكره سماحة السيد حسن نصر الله، في سياق خطابه الذي ألقاه، بالضاحية الجنوبية في بيروت، بمناسبة احتفالات الشعب اللبناني بالنصر، حيث قال سماحته "إن لبنان أصبح بعد هذا الانتصار دولة عظمى" رغم أنّ الإعلام العربي لم يتوقف عند هذه الجملة، ومرّ عليها دون اهتمام مناسب!
على جبهة عربية أخرى، يبدو أن القناعة قد ترسخت لدى "المحافظين الجدد"، في الإدارة الأمريكية، بأنّ مشروعهم، "الشرق أوسطي"، قد فشل فشلاً ذريعاً في العراق، رغم ما حظي به مشروعهم الاستعماري الجديد من تعاضد دوليّ ودعم عربيّ.
منذ اليوم الأول لاحتلال بغداد، في التاسع من شهر نيسان 2003، أظهر الشعب العراقي مقاومة باسلةً وأعلنت المقاومة الوطنية العراقية عن نفسها، وبدأت عملياتها القتالية في التصاعد والتطور والشمول منذ ذاك التاريخ، إلى أن تمكنت من إسقاط المشروع الأمريكي الصهيوني الذي كان يستهدف إعادة صياغة المحيط الإستراتيجي "للدولة العبرية". وهي الفكرة الأساسية في إستراتيجية "المحافظين الجدد"، في الإدارة الأمريكية، التي تؤكد أن الطريق إلى "الشرق الأوسط يمرّ ببغداد"، وفقاً للتقرير الذي قدمه الباحث الأمريكي "بيرل فيث" للمحافظين الجدد، في أمريكا عام 1996، وهو ذاته التقرير الذي تحول إلى برنامج عمل للإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش.
إن تضافر جهود الأحزاب القومية والقوى والفعاليات والتكوينات الإسلامية والفئات الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال، وحجم التضحيات السخية التي بذلها الشعب العراقي، حققت في مجملها مقاومة وطنية عراقية راسخة، تمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً فوق أرض الرافدين، وباتت هي صاحبة القرار الوطني، وهي الحقيقة الثابتة التي لا يمكن تجاوزها.
المقاومة العراقية، في الواقع، باتت تشغل مكانة فاعلة في معادلة الصراع داخل العراق، وتشغل حيز مهماً في معادلة القوى الإقليمية وفي تأثيرها على المحيط الإستراتيجي للعراق، وهو المحيط الذي تسكنه المصالح الحيوية الأمريكية (دول الخليج العربي)!
أما على صعيد القضية الفلسطينية، فقد شكل فوز شارون على أيهود باراك، في الانتخابات التي جرت في السادس من شهر فبراير/شباط عام 2001 بداية التنفيذ العملي والمعلن لبرنامج "المحافظين الجدد"، في الإدارة الأمريكية، على الجبهة الفلسطينية، منذ ذلك التاريخ، تمّ تمزيق اتفاقية أوسلو، وإعادة احتلال الضفة الفلسطينية، وقطاع غزّة، ولم ينته الأمر بتدمير السلطة الفلسطينية، ثمّ حصار رئيسها ياسر عرفات، بل قتله أمام مرأى العالم، جهاراً نهاراً!
وحتى الآن، مازالت "الدولة العبرية" بدعمٍ من "المحافظين الجدد"، في الإدارة الأمريكية، تحاول تصفية القضية الفلسطينية، من خلال تنفيذ إجراءات تعسفية وعقابية معلنة على الأرض، وفرض شروطٍ مجحفة على الشعب الفلسطيني، وتحاول إنضاج الظروف وتهيئة المناخات التي تساهم في تقسم الساحة الفلسطينية، وإشعال نيران الحرب الأهلية الفلسطينية، لتصل في نهاية المطاف إلى إيجاد الأدوات السياسية الفلسطينية التي تقبل بإقامة دولة فلسطينية على أجزاءٍ متقطعة من الضفة الفلسطينية وقطاع غزّة، تحت شعار الدولة الفلسطينية المؤقتة، بهدف إنهاء الصراع على أساس الهيمنة والتحكم بمصير الشعب الفلسطيني!
لكن رغم كلّ ذلك تبقى القضية الفلسطينية جوهر القضايا الرئيسية في "الشرق الأوسط"، ومازالت تمثل النقطة المركزية في اهتمامات الأمتين العربية والإسلامية، كما أنّ المقاومة الفلسطينية بفصائلها الوطنية والإسلامية تشكل جبهة الصراع الأمامية ضدّ العدوّ الصهيوني، ولا يستطيع أحد تجاوزها أو تخطيها لأنها صاحبة القرار الفصل في المعادلة السياسية في المنطقة، وهي بحقّ الرقم الصعب في المعادلة الإقليمية.
خلاصة القول: إن المقاومة الشعبية في فلسطين والعراق ولبنان، باتت تشكل في واقع "الشرق الأوسط" قوى إقليمية، وباتت قدراتها المادية والسياسية تشكل في ميزان معادلة الصراع ضدّ الجبهة الإمبريالية الصهيونية ثقلاً يتفوق على تلك الدول الإقليمية البائدة.