رحلة حمار في مراعي الديمقراطية

بقلم: جاسم الرصيف *

ضلّ حمار في مراعي الديمقراطية الخضراء، ولم يعد إلى ذويه الذين وجدوه في إسطبل قوم آخرين ادّعوا عائديته على طريقة (رابطة حرامية بغداد)، فحصلت معركة بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة بين المدّعين حتى تدخل طرف محايد ثالث أفتى: بأن يطلق الحمار مرة أخرى في المراعي لعله يعود إلى أهله الحقيقيين. ولكن (عبقرية) الحمار شاءت أن يذهب إلى إسطبل ثالث لقوم ما كانوا يريدونه أصلاً، فضاعت أدلة العائدية مع الحقيقة الحائرة بين الغباء المطلق والعبقرية.

(جلال الطالباني) في تصريحاته العجيبة لجريدة (الخليج) يرسم لنا الكثير من المضحكات عن الوضع (الديمقراطي) في آخر مطافات دولة المراعي الخضراء المحاصرة على طرف نهر (دجلة)، وعلى رأسها وصف العراق (مستقلاً) والحكومة (وطنية) ممنوعة من التجوال بين شعبها، متباهياً (بلقاءاته شبه اليومية) بقائد الديمقراطية الأوسخ في العراق (خليل زاد) - الذي زاد على أهله كما يبدو - ويبدو (جلال الطالباني) في هذه المقابلة حمّالاً للهموم الأمريكية والقلق الأمريكي (من شيئين أساسيين هما الإرهاب والميليشيات المسلحة).

ومن المعروف أن حمّال الهموم الأمريكية (جلال) يقصد بمفردة (الإرهاب): المقاومة العراقية بوصفها حقاً مشروعا للعراقيين من أجل تحرير بلدهم من قوات الاحتلال وحميرها التي وظفت كبدائل لحصان طروادة عام 2003م.

والمفارقة أن صاحب السيد جلال: قد أقر بهذا الحق مرغماً ولا يستطيع إنكاره، ولكن حمّال الهموم الأمريكية (البيش مركة جلال الطالباني) لا يقرّ بهذا الحق ويسمّيه: (إرهابا)، ولم يبق غير أن يدّعي أنه: حمامة سلام تحوّم على جثث أكثر من 2% من العراقيين الأبرياء ممّن حصدتهم (أغصان الزيتون الديمقراطية) سهواً مذ دخل الاحتلال العراق مستعيناً بحمير ادعت أنها (عراقية) لتمرّ من بين العراقيين.

ويقصد حمّال الهموم الأمريكية بمفردة (الميليشيات): حثالة العراقيين التي موّلها (رامسفيلد) العجوز لحماية قواته التي ألهبتها المقاومة العراقية بنيران لم تكن متوقعة قط. لأن (فرق الموت) هذه التي سمّيت (ميليشيات) تجاوزت حدود المهام التي أرادتها قوى الظلام الديمقراطية للعراق وتقاطعت مصالح الطرفين، كما مجاميع من القراصنة عثرت على كنز فاختلفت على تقاسم الحصص وراحت تذبح بعضها سرّاً وعلانية كما تشير كل الفضائح المالية المخزية التي ينشر قليل منها ويعتم على الجزء الأكبر، فصار الكلّ من أعضاء (رابطة حرامية بغداد) عبئا على الكل في الزريبة ذاتها التي ضاقت بساكنيها في حفرة الديمقراطية (الجديدة).

يشخص (جلال الطالباني) مشكلة الميليشيات بأنها: (جيش المهدي والميليشيات الأخرى). وطريف (جيش المهدي( أنه بدأ (ثائراً) ضد الاحتلال ومن (المظلومين الفقراء) وانتهى بين جناح: يقود (فرق الموت) الطائفية السوداء علناً على جثث معصوبة الأعين موثقة الأيادي وطلقات في رؤوسها، وجناح: في مقاعد برلمان مشكوك في وطنيته في المراعي الخضراء، وصار مظلومو وفقراء الأمس من الأثرياء وأصحاب الأملاك والسيارات المصفحة على حين صحوة ديمقراطية في نادي (خليل زاد)، وباتت الكثير من عناصره تزاحم ميليشيات (رامسفيلد) العجوز على النفط المهرب وعوائد المزارات الدينية في (النجف) و(كربلاء)، حتى المتاجرة في الأعضاء البشرية (الطازجة)، تحت عباءة القيادة نفسها التي يتلقى منها (جلال الطالباني) الأوامر (شبه اليومية).

ولأن (مقتدى الصدر)، صاحب (جيش المهدي)، أعلن أنه يرفض ضم (كركوك) إلى مستعمرة كردستان، وأنه يرفض فيدرالية (الحكيم) فقد احترقت أوراقه على مناضد بحث المخاطر الطارئة (شبه اليومية)، لذا أعلن (الطالباني) أن المشكلة تبدأ بـ(جيش المهدي) الذي مازال يؤازر شرطة الحكومة الديمقراطية في غزواتها ضد (الإرهابيين) الرافضين ديمقراطية فضيلة الشيخ (بريمر) باني نهضة حمّامات الدم في العراق في انقلاب لا تفسّره غير حقيقة: اختلاف اللصوص على الغنيمة ذاتها: ثروات العراق.

حمّال الهموم الأمريكية صار وديعاً لطيفاً مع (فيلق بدر)، الذي صنفته منظمات دولية إرهابياً طائفياً عنصرياً ومعه (البيش مركة) على (وضع خاص) في قوله: (باعتراف الجميع فالبشمركة قوة ساهمت في تحرير العراق). وهو هنا يضع (البشمركة) صراحة وعلنا، ومن دون أيّ لبس، في خندق: قوى الاحتلال. وهذه حقيقة لن يتجنبها التأريخ الإنساني من حصان (طروادة) حتى حمير (رامسفيلد) العجوز في العراق. وحق (للبشمركة) إذاً أن ينالوا ما تناله قوات الاحتلال الغازية التي جاءت (لتحرّر) العراق من العراقيين في نمط رث من الاستعمار باسم الديمقراطية.

تجاهل حمّال الهموم الأمريكية الحديث عن أصل المشاكل: الغزو الهمجي الذي حصد 2% من الشعب العراقي خلال أقل من أربع سنوات، وتجاهل الحركات العنصرية، ودعوات الانفصال باسم الفيدراليات العائلية، والتشبث بأذيال المنقذة (كوندي) من أجل يوم آخر يبقى فيه العراق نهبا لمن أصابهم مرض جنون البقر من رعاة البقر، وراح يتقافز على حبال باتت أعتق من قصة غراب سيدنا (نوح) الذي لم يعد للبشرية بعلامة أمان وسلام. ولنا عودة إلى قصة الحمار الضال في قراءة أخرى.

* كاتب عراقي مقيم في أمريكا (عن أخبار الخليج) البحرانية