الدكتور عبد المجيد الرافعي: الحكم بالإعدام على الرئيس صدام حسين له تداعيات خطيرة على الوضع القومي العربي

في الساعة الواحدة ظهر يوم الجمعة، الواقع في 10/ 11/ 2006، عقد الدكتور عبد المجيد الرافعي، رئيس حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي، مؤتمراً صحفياً، لشرح تداعيات الموقف بعد إصدار حكم بإعدام الرئيس صدام حسين وعدد من رفاقه من قبل (محكمة العمالة) التي عينَّها الاحتلال.

حضر المؤتمر عدد من الشخصيات الوطنية والقومية، وممثلي بعض الأحزاب اللبنانية، وبعض أعضاء قيادة الحزب ومنتسبيه، وعدد غفير من اللبنانيين، وقام بعض وسائل الإعلام اللبنانية والعربية بتغطية وقائع المؤتمر.

افتتح الأستاذ فؤاد زكريا الحركة، ممثل نقيب الصحافة اللبنانية، المؤتمر الصحفي، مرحِّباً بالدكتور عبد المجيد الرافعي، رئيس حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي، واستهلَّ المؤتمر بالكلمة التالية:

هل تستقر الأوضاع في العراق بانسحاب القوات الأميركية منه؟ أم أن بذور الفتنة الطائفية، التي زرعتها القوى المحتلة، ستزيد من انهياره، ويصعب ساعتئذٍ إعادة العراق إلى ما كان عليه أيام الرئيس صدام حسين، دولة موحدة ذات سيادة كاملة؟!

طبعاً لا تمكن عودة العراق إلى ما كان عليه قبل الغزو الأنغلو-أميركي إلاَّ بعودة صدام حسين..

أيها السادة

إن الإخفاق الأميركي في العراق قد أصبح حقيقة واقعة لا سبيل إلى الهروب منها بعد أن فقدت وخسرت حكومة نوري المالكي كل الخطط للسيطرة على الأوضاع الأمنية، وفشلت في مواجهة الجماعات والتنظيمات والأحزاب التي تحارب وتقاوم وتجابه القوات الأميركية والمتعاملين معها.

والشواهد على أن المنطقة سوف تشهد بعض التغييرات في السياسة الأميركية تجاه العراق والمنطقة، بما يضاعف من الاشتباكات الدامية، وقد تتوسَّع وتصل إلى دول مجاورة، ما يؤدي إلى الفلتان الأمني والفوضى والاقتتال المذهبي، مما لا يمكن تقدير أبعادها. كل ذلك يمكن أن يحدث ويشتد بسبب الحكم الجائر وغير العادل الذي صدر بحق الرئيس صدام حسين، لأنه جاء عبر محكمة شكَّلها وحماها الاحتلال الأميركي.

إن فشل بوش وحزبه في الانتخابات الأميركية يعني نهاية النفوذ والحقبة الأميركية في الشرق العربي بسبب فشل السياسة الأميركية في العراق الذي يعيش عمليات التفجير والتفخيخ والقتل الجماعي ما يجعل المواطن العراقي يترحَّم على عهد الرئيس صدام حسين، ويلعن تلك الساعة التي خرج فيها يلوِّح بشارات النصر للقوات الغازية يوم دخلت أرض العراق ودنَّست مدينة بغداد، عاصمة الرشيد، ومدينة السلام.

ولأن الموقف سوف يزداد سوءاً على أرض الواقع في العراق بعد صدور حكم الإعدام شنقاً على الرئيس صدام حسين وبعض أعوانه، على العراق أن يواجه تحديات عديدة تتطلَّب أن يتحمَّل العراقيون على اختلاف انتماءاتهم السياسية والمذهبية والعرقية مسؤوليتهم للخروج ببلادهم من المأزق الحالي، وذلك بنبذ العنف ودعم مبادرة المصالحة الوطنية.

باسم نقيب الصحافة اللبنانية، الأستاذ محمد البعلبكي، أحييكم جميعاً، وأتمنى للعراق الشقيق الأمن والاستقرار ووقف نزيف الدم، لأنه القضية الأساس التي ينبغي أن نصبَّ فيها جهود كل الأطراف العراقية.

عشتم وعاش العراق، وعاش لبنان.

وبعدها أعلن الدكتور الرافعي نص البيان، وقدَّم الأستاذ الحركة المحامية بشرى الخليل التي شرحت بعض ما أحاط بالمحكمة والمحاكمة وإصدار الحكم من ملابسات سياسية وقانونية. وفي نهاية المؤتمر أجاب الدكتور الرافعي عن أسئلة بعض الحاضرين مؤكداً على خطورة تنفيذ حكم الإعدام بالرئيس صدام حسين ورفاقه، كما أكَّد مواقف الحزب من مجمل القضايا القومية، وأتى بشكل خاص على ما يجري في فلسطين من مذابح ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني من دون شفقة أو رحمة.

وهذا نص البيان الذي أعلنه الدكتور الرافعي:

أيتها الأخوات أيها الأخوة

أحييكم، ومن خلالكم أوجه التحية للقائد الرمز، للمقاوم البطل، للأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، للرئيس الدستوري والشرعي للعراق العظيم، وإليه نقول أنت الحر والطليق وهم السجناء، أنت طليق الموقف وحر الضمير، وهم سجناء الموقف الأميركي لأنهم يتآمرون على وحدة العراق وعروبته وحريته وديمقراطية الحياة السياسة فيه.

نحيي القائد صدام حسين، الذي نطق بالحق أمام قوس ما سُمي بقوس محكمة، وهم نطقوا بالباطل، لأنهم نتاج الباطل، وكل ما بُني على باطل فهو باطل.

أيتها الأخوات أيها الأخوة

نلتقي بكم اليوم لنعلن موقفاً من محاكمة صورية وأحكام عشوائية صدرت بحق رئيس العراق الشرعي ورفاقه، وعبرها فرَّغ الاحتلال الأميركي والمرتبطين به، والمنفذين لإرادته، كل حقدهم ضد العراق ورموزه الوطنية والقومية، وضد شعب العراق الذي حاولت أميركا أن تلوي ذراعه، فما كان منه إلا  أن كسَّر أضلعها بمقاومته البطلة، وحوَّل النزهة الأميركية في أرض العراق إلى جهنم تلتهب بنار المقاومة الذي يستعر أوارها، ويتسع مداها ولا تترك مجالاً للنجاة للمحتل إلا باستحضار مشهد اليوم الأخير في الحرب على فيتنام.

في الخامس من تشرين الثاني 2006، أصدرت المحكمة التي سميت محكمة جنائية خاصة أحكاماً على الرئيس صدام حسين ورفاقه. قضى بعضها بالإعدام، والبعض الآخر بالسجن مدى الحياة، وبعضها لفترات زمنية متفاوتة.

وقد خصت الفقرة الحكمية للرئيس صدام بعقوبة الإعدام كما بالنسبة لبرزان التكريتي وعواد البندر، وأن التطورات التي شهدها العراق، واتساع دائرة المقاومة وحضور فعلها المؤثر على طول ساحته، والمأزق الذي بات يواجه قوات الاحتلال والإدارة المرتبطة بها، بدأت تروج حتى في الأوساط الأميركية عن بدء استعداد أميركي لوضع إستراتيجية للانسحاب من العراق تحت وطأة ضربات المقاومة وفعالياتها، مع ما رافق ذلك من اتساع دائرة التأييد الشعبي لها، والتحرك الشعبي الواسع إن على المستوى الجماهيري أم على مستوى القوى السياسية الوطنية أم على مستوى العشائر التي تمثل ثقلاً في التركيب المجتمعي العراقي، وكلها طالبت بإطلاق سراح الرئيس صدام حسين، باعتباره الرئيس الشرعي للعراق، وباعتباره القادر على إعادة لمِّ الشمل العراقي، وإعادة توحيده وتأهيله.

هذا الحراك الشعبي والسياسي، لم يرح المحتل الأميركي وأدواته، ولا الحالمين والراغبين برؤية العراق ممزقاً وضعيفاً وفي الطليعة منهم النظام الإيراني، والذي تتقاطع أهدافه ومصالحه مع المصالح والأهداف الأميركية للحؤول دون أن يكون العراق بلداً موحداً قوياً، كما كان عهد الأمة به قبل العدوان الثلاثيني وبعدها الغزو الذي أدى إلى احتلاله.

إنه من خلال مراقبة ومتابعة سياقات المحاكمة تبين أنه جرى ضبط إيقاعها على ضوء الحاجة الأميركية لمواقف إعلامية تدعمها في الانتخابات النصفية، وعلى ضوء حاجة الإدارة المحلية التي نصَّبها الاحتلال لبعض المظاهر الاحتفالية. لكن مع كل ذلك، فإن ما رسمه الاحتلال للاستفادة من المحاكمة وإعلان الأحكام لم يأت بالنتائج المرجوة ولا بالمتوخاة، إذ أن وقفة الرئيس صدام حسين وصرخته المدوية، بتوجيه التحية لشعب العراق والأمة، كانت أقوى حضوراً في وسائل الإعلام من حركات القاضي المرتبك والرئيس الأميركي المتنقل بين ولاية وأخرى.

لقد ظهر، من خلال جلسة النطق بالحكم، أن العراق لن يتخلى عن المقاومة بشعبه ورموزه، وفي طليعة المقاومين منهم كان الرئيس صدام حسين الأكثر حضوراً إن على المستوى الشعبي وإن على المستوى السياسي،  وكما أنه مع النطق بالحكم انطلقت تظاهرات الاستنكار الشعبية الواسعة رغم إجراءات  منع التجول التي فرضتها قوى الاحتلال وتلك المرتبطة بها.

وقد أدَّى هذا التحرك الشعبي المؤيد للرئيس مع فعاليات المقاومة المسلحة، التي أثبتت أنها قادرة على التكيف مع الظروف المحيطة بعملها النضالي والمقاوم، إلى إحباط الغاية المرجوة منه. وعلى هذا الأساس، فإن الحكم الذي قضى بالإعدام والذي أراد منه الاحتلال أن يشكل عامل إحباط للشعب العراقي والمقاومة الوطنية العراقية، أعطى نتائج عكسية، إذ أنه أجَّج  مشاعر شعبية واسعة ضد الاحتلال، وحرَّك قطاعات كانت ساكنة، وظهر أن الرئيس صدام حسين هو الأكثر شعبية في عموم العراق خاصة، بعد أن ثبت بالحس والملموس، أن المحاكمة التي جرت كانت تسير وفق آليات سياسية وليس وفق آليات قضائية، وهذا ما جعلها تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية وافتقارها  إلى أصول المحاكمات الجزائية بشكل خاص.

إن المحكمة التي وصفها أول قاضٍ  عُيِّن رئيساً لها بأنها لم تكن حيادية لأن تصرفاتها كانت انفعالية واستقال بسبب الضغوطات التي مورست عليه، هو خير إثبات، بأن المحكمة لم تكن تعمل وفق المعايير القضائية وإنما وفق معايير الإملاءات السياسية. وهذه الشهادة للقاضي رزكار أمين، عززت بشهادة الأمم المتحدة التي اعتبرت أن المحاكمة لم تكن عادلة، وأنها لم تجر وفق المعايير القانونية الدولية وهذا ما يحتم إجراء المحاكمة تمييزاً أمام محكمة دولية وخارج العراق.

ونحن من جهتنا نقول إن المحاكمة هي باطلة، وسنداً للأسباب التالية:

أولاً: لعدم شرعية المحكمة، لأنها محكمة شُكِّلت بقرار من الحاكم الأميركي بول بريمر، وهو سلطة احتلال بتوصيف الأمم المتحدة. وبالتالي فإن ما بني على باطل فهو باطل.

وثانياً: لأن المحكمة، التي هي من نتاج الاحتلال ولا تتسم بأي مشروعية وشرعية دستورية، لم تراع الوضع القانوني للرئيس صدام حسين وهو الذي أُعطي صفة أسير الحرب، باعتباره أُسِر وهو يقاتل عدواً احتل بلده، وعليه بأن ما ينطبق عليه هو أحكام وقواعد القانون الدولي التي تطبق  في النزاع المسلح.

وثالثاً: لأن إجراءات المحاكمة لا علاقة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالأصول الجزائية سواء لجهة معالجة مسألة الدفوع الشكلية أم وجاهية المحاكمة واستماع الشهود وتمكين الدفاع من ممارسة حقوقه التي ترتقي إلى اعتبار حق الدفاع حقاً مقدساً لا يجوز المس به، والتطاول عليه (فهل رأيتم في محكمة شهوداً يدلون بأقوالهم من خلف الستارة؟).

رابعاً: ثبوت عدم استقلالية القضاء، حيث ثبت التدخل الواضح والعلني من سلطات الاحتلال وإدارته المحلية في عمل المحكمة وقد عبَّر القاضي رزكار أمين بصراحة عن الضغوطات التي مورست عليه. وهذا ما يؤكد بأن المحكمة التي أنيط بها محاكمة الرئيس صدام ورفاقه، بقرار سياسي ولهدف سياسي ولا مكان فيها لأية معايير قضائية.

وخامساً: لأن المحكمة، فضلاً عن عدم شرعية ودستورية تشكيلها، فإن تكوين هيئاتها، لم يكن مطابقاً للأصول القانونية، لوجود خصومة وعداوة شخصية وسياسية بين أعضائها والمحالين إليها للمحاكمة، وهذا ينطبق على بعض قضاة الإدعاء كما على رئيس المحكمة.

وسادساً: لأن المحكمة لم تأخذ بقواعد الانتظام العام، لجهة احترام أحكام الدستور النافذ لحظة وقوع الفعل، وحيث كان الرئيس صدام حسين يتمتع بحصانة دستورية لما وقع الاعتداء عليه في الدجيل، وأنه عندما وقَّع أحكام الإعدام التي صدرت بحق المجرمين إنما مارس صلاحية دستورية، وحصانته الدستورية تحول دون مساءلته عن أي فعل لا يشكل مساً أو خرقاً للدستور. وهذا ما لم تراعه المحكمة فضلاً عن كونها لم تأخذ بمبدأ التقادم على الدعوى العامة ولا بعدم رجعية قوانين العقوبات.

وسابعاً: لأن هذه المحكمة، لم تمسك محاضر ضبط للمحاكمة، وهذه بدعة قضائية لم يشهد العالم مثيلاً لها لا في قديم العصور ولا في حديثها، فهل يتصور أحد أن تجري محاكمة ولا يحصل ضبط لمحاضر المحاكمات.

إن هذا إن دلَّ على شيء إنما يدل على أن المحاكمة لم تكن سوى جلسات احتفالية. وقد زاد الطين بلة أن هذه المحكمة لم تمكِّن الدفاع من ممارسة حقوقه حتى في حدودها الدنيا، فضلاً عن الترهيب والترويع لمحامي الدفاع واغتيال خمسة محامين عراقيين، وعدم تمكين محامين عرب وأجانب تطوعوا للدفاع عن الرئيس ورفاقه من المشاركة في مهمة الدفاع عن الرئيس ورفاقه، والسير بالمحاكمة في كثير من الأحيان دون حضور محامي الدفاع، وعدم تمكينهم أخيراً من تقديم مذكرات خطية بمثابة مرافعات شفهية.

من هنا، ولأن المحكمة تفتقر إلى شروط الشرعية، فإن كل إجراءات المحاكمة التي اعتمدتها والتي أخذت بها، تُعتبر باطلة لأنها خالفت كل القواعد والأصول القانونية، وبالتالي لم تكن وفق المعايير القانونية، فهي إذاً غير شرعية في التشكيل، ولا هي قانونية في أصول محاكماتها، ولا هي وفرت الضمانات للمحالين أمامها.

لذلك، يكون كل ما صدر عنها باطل أو واقع تحت طائلة الإبطال.

إننا نعتبر أن الحكم الذي صدر على الرئيس صدام حسين ورفاقه هو حكم سياسي (أصدرته جهة سياسية هي سلطة الاحتلال). وبالتالي كان العراق بمقاومته وجماهيره، الذين يتصدون للاحتلال، ويتصدون لكل إفرازاته، ومنها إصدار الحكم على الرئيس صدام حسين.

ونحن بدورنا، نعتبر أنفسنا معنيين بالدفاع عن الرئيس صدام حسين ورفاقه، والتصدي لهذه المهزلة القضائية، وكشف زيفها وتأطير أوسع رأي عام ضدها وضد المحاكمات التي يديرها الاحتلال. كما أننا لا نضع ذلك في سياق حركة الإسناد لمهمة الدفاع عن الرئيس صدام حسين وحسب، بل أيضاً في سياق دعم المقاومة الوطنية العراقية التي يشكل الرئيس صدام رمزها. وهو الرئيس الثائر الذي حوَّل جلسات المحاكمة إلى محاكمة للاحتلال وأعوانه.

ففي هذه المناسبة نضم صوتنا إلى أصوات جميع الشرفاء ونطلب عقد محاكمة سياسية وجنائية للاحتلال، لتأتي الإدانة القانونية متوازية مع الإدانة السياسية الشاملة، التي تتسع رقعتها في كل يوم تسجل المقاومة فعالية جديدة ضد قوات الاحتلال ورموزها.

وإذا كان المحتل وأعوانه، يحسبون أن بإعدامهم صدام حسين يمكن أن يطفئوا جذوة المقاومة،  ويمكن أن يُسقطوا العراق، فإننا نقول لهم إنهم واهمين.

لقد أطلقوا هذا الموقف بعد أسر الرئيس، فماذا كانت النتيجة؟

لقد زادت المقاومة قوة وفعالية،

وقالوا الأمر نفسه بعد إحالته إلى المحكمة، فماذا كانت النتيجة؟

 لقد اتَّسعت مديات المقاومة،

واليوم يريدون توظيف ورقة الحكم للضغط على المقاومة، والنتيجة أن المقاومة ستشع وستلهب العراق في وجه المحتل، وإن غداً لناظره قريب.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

لبنان في 10/11/2006