أميركا ومحاولات تكرار "السيناريو العراقي" مع ايران
رشيد قويدر
صعدت الولايات المتحدة الضغوط والدعاية السياسية والإعلامية المبرمجة؛ في المحافل الدولية ضد ايران، للحيلولة دون تحقيق مآربها وأغراضها المشروعة في صناعة التكنولوجيا النووية للاستخدام المدني والسلمي؛ أي تجاوزها لتلك الدرجة العلمية التي يصطلح عليها بـ "العتبة النووية". الأمر الذي يمكن قراءته في تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (22/10) والذي اعتبر فيه: "إن الأمم المتحدة يجب ألا تستخدم بهدف معاقبة إيران، أو تشجيع فكرة تغيير النظام في طهران، ولا يمكننا أن نساند، ونحن سنعارض أية محاولة لاستخدام مجلس الأمن لمعاقبة ايران، أو استخدام البرنامج النووي الايراني للترويج لفكرة تغيير النظام".
ويلاحظ المتابع أنه ليس ثمة أي تناقض بين قوانين ومقررات الوكالة الدولية للطاقة الذرية والنشاطات النووية الايرانية، حيث أبدت ايران تعاوناً كبيراً وشفافية متميزة، سبق وأن عبَّر عن ذلك، مجمل تقارير الوكالة الدولية. والتي نفت أي توجه أو جانب عسكري في البرنامج النووي الايراني، وأكدت رقابتها على النشاط الايراني على هذا الصعيد. بل ردت على تقرير "لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي" على ما احتوى من تضليل، والذي صدر يوم 23 آب (أغسطس) الماضي، ونشرته صحيفة "واشنطن تايمز" في عددها الصادر يوم 24/8، وتناولته قناة "فوكس نيوز" وغيرها من الفضائيات. تحت عنوان: "تشخيص النظام الايراني كتهديد استراتيجي". من جانبها أكدت ايران وعلى لسان وزير خارجيتها منوشهر متقي، الذي دان الضغوط الأميركية المبذولة في مجلس الأمن، قائلاً: "ننصحهم بالعودة إلى المفاوضات وبعدم تكرار ما سبق أن جربوه". وسبق لطهران أن أكدت بأن الأسئلة المتعلقة بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم ممكن أن تناقش بين ايران وخافير سولانا وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، لأن الضغوط الأميركية تهدف إلى وقف التعاون بين ايران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تعيدنا سلسلة الأكاذيب الأميركية إلى سيناريوهات احتلال العراق وتضليلها وأكاذيبها السابقة للغزو، ويدرج الآن في سياقها المبرمج تقرير "لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي". لقد سبق لدول عدم الانحياز أن وقفت بقوة إلى جوار ايران كـ"حق لا يمكن انتزاعه" في تخصيب اليورانيوم. ودعت استناداً إلى مبادرة عربية مكررة قديمة جديدة؛ نحو "شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي"، وباعتباره مطلباً أيضاً للمجتمع الدولي، ودوماً قطعت واشنطن وتل أبيب الطريق أمامه. وينبغي الاعتراف أولاً بأن خطر الأسلحة النووية "الاسرائيلية"، هو أمرٌ يقف عند مدلولاته المجتمع الدولي بمنتهى الجديّة، الأمر الذي تناوله قائد أركان القيادة الاستراتيجية الأميركية السابق، الجنرال لي باتلر بالقول: "من الخطير في الحد الأقصى، أنه تحت وطأة العداوات التي نسميها الشرق الأوسط، أن تسلّح أمة نفسها بشكل ظاهر، بمخزون هائل من السلاح النووي، ربما يصل عدده إلى المئات، وأن ويلهم ذلك أُمم أخرى أن تفعل ذلك".
إن المحاذير التي أبرزها تصريح وزير الخارجية الروسي لافروف يكمن في خلفيتها تلميحات صحفية "اسرائيلية" بشأن مخططات الإدارة الأميركية للتعامل مع ايران، حيث سابقة السيناريو الذي اتبعته في التعامل مع العراق، فالشطط هو سمة بارزة في الجناح اليميني الأكثر محافظةً في الحزب الجمهوري، فضلاً عن الكيل بمكيالين، وهو الذي يستخدم الآن المحافل الدولية ومجلس الأمن بالذات لتمرير العقوبات على ايران. والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون هو ذاته أحد المنتقدين المتطرفين للأمم المتحدة، والذي لم يتورع سابقاً بالتصريحات ضدها، ليس أقلها استهانة قوله: "ليس هناك شيء اسمه أمم متحدة.. ومجلس الأمن يجب تقليصه بحيث يضم دولة واحدة فقط هي الولايات المتحدة". وبالنظر إلى العراق أيضاً؛ لقد تمكن بوش بالزج بأميركا في حرب العراق وقام بتضليل الأمة الأميركية عامداً في مسألة تتعلق بالحرب والسلام، وكان وما يزال يدعي أن إدارته لم تلجأ إلى الحرب على العراق إلا كخيار أخير، حتى أكدت "نيويورك تايمز" صحة مذكرة الحكومة البريطانية التي تناولت مناقشة تمت قبل الحرب بين بوش وبلير، التي كشفت كم كان متعطشاً ومصمماً لخوض هذه الحرب وغزو العراق، بصرف النظر عن تقارير مفتشي أسلحة الدمار الشامل التابعة للأمم المتحدة، وكان هذا كله بعيداً عن الأسباب الخيالية التي قدمها في خطابه عن "حالة الاتحاد - عام 2003"، لقد كانت الحرب خياره الأول والأخير.
وبشأن ايران راهناً، فإن الإدارة المحافظة تربط سياستها على نحوٍ متزايد بالتورط في المستنقع العراقي، بالبحث عن عمل عدواني خارجي ما، ورغم استبعاد معظم المحللين الاستراتيجيين هذا الأمر، فهم يعتمدون على التحليل المنطقي العقلاني. فإن (سيمور هرش) صحفي التحقيقات المخضرم سبق وأن لمح بأن مسؤولين في الإدارة الأميركية يؤمنون بأن القيام بعمليات قصف جوي لايران يمكن أن تؤدي إلى نتائج (مرغوبة). وهنا يؤكد الخبراء الاستراتيجيون أن القيام بحملة كهذه ستمثل سقطة كارثية للإدارة الأميركية. ويذكرنا هذا؛ تجاهل بوش لتحذيرات مماثلة بما فيها تلك التحذيرات الصادرة من والده بشأن أخطار غزو العراق، فتصدير أزمات الإدارة ربما تكون الوسيلة الوحيدة لمحاولة رد الاعتبار والهروب من فضائح الإدارة التي سيدفع لكشفها الحزب الديمقراطي، في حال تمتعه بالأغلبية في الانتخابات المقبلة للتجديد النصفي في مجلسيّ الكونغرس، فإنه سيقوم بنزع الغطاء عن فضائح الإدارة المتعددة وإجراء تحقيقات بذلك. مما قد يدفع الإدارة المحافظة الموصوفة بنزقها إلى مغامرات خارجية تؤثر على ديناميات السياسة الداخلية. مقدمات تكرار "السيناريو العراقي" مع ايران.
أما النتيجة فهي التأثير على مصادر الطاقة الهائلة في "الشرق الأوسط"، المصدر الخرافي للقوة الاستراتيجية في التاريخ الراهن للعالم. مصادر الطاقة التي تعمل الولايات المتحدة للسيطرة عليها، السبب الوحيد لاحتلال العراق، ومحاولات النيل من سيادة ايران لذات الهدف، ولن يكون ذلك يسيراً بالمطلق، فالأمر الملحوظ في العراق هو صدمة واضعي الخطط لدى الإدارة الأميركية المحافظة، حيث يواجهون كوابيس أعمالهم، وقد باتت النتائج كارثية، بما فيها رؤيتهم للعالم من خلال منظار تسديد القذائف، وتجاهل دروس التاريخ السابقة والراهنة. فمن ينتهك القانون الدولي والحقوق الإنسانية لا يحق له أن يوجه أصابع الاتهام إلى الآخرين، ولا ينبغي أن يقف أمام الاستخدام السلمي للطاقة النووية، في الوقت الذي يمتلك به ترسانة ضخمة للاستخدام العسكري، ويروج أنه يريد تطور البلدان، لكن سياسته تتجه إلى عكس ذلك تماما.