شراع الإبحار.. في عالم الأسفار والأسرار...!!! (1 - 2)
محمد ح. الحاج - سورية
التآمر والتواطؤ مع العدو
التآمر والتواطؤ مع العدو، والغريب ضد المنافس المحلي، حتى ولو كان قريباً، ليس حالة طارئة، أو مستجدة، وإنما هي متأصلة وشبه ثابتة على مدى تاريخنا القديم والمعاصر، وإذا كنت لا أذهب بعيداً فعلى الأقل أبدأ بلمحات موجزة منذ صدر الإسلام وحتى زمن قريب لأؤكد هذه المقولة التي لا يختلف عليها اثنان، سواء في منطقتنا وعالمنا العربي، أو في عالم الأعاجم والأغراب، وإذا كان الحال قد استقر وتطور، فترَّفعَ الأغراب في معظمهم عن هكذا سلوك يعتبر انحطاطاً أخلاقياً، فإن في عالمنا المتخلف من لا يزال يمارس هذا الفعل ولكن، خلافاً لما كان عليه في الماضي، (كان الاتصال والتحالف يجري جهاراً نهارا مع عدو ضد قريب)، فإن سلوك الغالبية العظمى من عملاء اليوم يلجأون إلى سرية مطلقة واستخدام أساليب حديثة في التضليل والتظاهر بالحرص على المواقف الوطنية وخدمة قضايا الأمة، بينما هم يتواصلون مع العدو، ويسهلون تحركاته، ويخدمون استخباراته، ويطلقون الشائعات والأكاذيب التي تخدم عملياته، كما يحرصون على تغطية مثالبه ومجازره حينما يلجأون إلى التركيز على سلوك من يقف بوجه هذا العدو محرفين بعض مواقفه عن مسارها ومفسرينها شتى الاتجاهات كما سيتبين لاحقاً في هذه الشقشقة، قصيرة الأجل، وأقول ذلك لأننا ما زلنا شعباً لا يقرأ، وإذا قرأ لا يستوعب، وإذا استوعب لا يتعظ، وإذا اتعظ نسي بعد أول صدمة ذات مغزى - كأن يعزف أحدهم لحناً نشازاً يمس أوتار عاطفته وغريزته البدائية – القبلية – العرقية – الطائفية المذهبية.
مع انطلاقة الإسلام الأولى، لم يتورع قادة قريش عن طلب معونة قبائل اليهود ضد ابن قريش – النبي الجديد – محمد (ص)، وهذا أمر ثابت ومعلوم في كتب التاريخ المختلفة، كما لجأ زعماء قريش أنفسهم إلى تحريض ملك الأحباش على صاحب الدعوة وأصحابه - ومن يقرأ في تلك الكتب باحثاً ومنقباً عن أمثلة وأدلة سيجد منها المئات، حتى بعد أن قامت الدولة الإسلامية وامتدت إلى أعماق آسيا وأوروبا وأفريقية، ولنا في ملوك الطوائف آخر عهد الأندلس خير أمثلة على سلوك أقل ما قيل فيه أنهم أضاعوا بتناحرهم واقتتالهم على الكراسي والمغانم ملكاً ما عادوا يحلمون بمثله أبداً، واستمرت عجلة التاريخ بالدوران لتستمر معها المؤامرات والدسائس - وهذه أخطر أنواع التآمر كما سيظهر لنا لاحقا من أمثلة تاريخنا المعاصر – عبر كل المراحل دون استثناء، لكن اللافت في الأمر إدراك الغزاة من بني الغرب الاستعماري لهذه الحالة المتأصلة، ودراستها بطريقة علمية، ومن ثم العمل على تكريسها واستخدامها بطريقة أمثل على قاعدة : فرق تسـد، لتمكين الكثير من العملاء والحلفاء والأذناب، وتنصيبهم على البلاد والعباد طالما استمرت أنشطتهم في خدمة المحتل والغاصب، والطامع بغض النظر عن المصالح الحقيقية لشعوبهم وأممهم التي يتوارثونها كما يتوارثون المتاع والمال.
في العصر الحديث:
الحكم العثماني الذي دام أربعة قرون، لم يزرع شيئاً من بذور المحبة والتواصل في المحيط العربي، بل مارست قياداته سلوكاً شوفينياً أقرب إلى الاستعمار في النهب والسيطرة واقتسام المغانم وجباية الأموال لصالح السلاطين والعسكر، وتوج ذلك بعمليات التتريك ومحاربة اللغة العربية، وهذا ما دفع بقيادات عربية كثيرة إلى الاتصال بدول الغرب الاستعمارية طالبة المعونة والمساعدة للتحرر ونيل الاستقلال، وكان ذلك كمن يستجير من الرمضاء بالنار، فالغرب كانت له أطماعه الخفية عن مدارك أهل المشرق العربي، وكان لقادة بعض هذا المشرق حساباتهم وأطماعهم إذ أن العائلة المتنفذة صاحبة الرأي والقول في تلك الأيام (قصدت بذلك عائلة الشريف حسين)، طموحات أبنائها في اقتسام بلاد الشام، والتربع على عروش ممالك جديدة، وما كان لأبناء الشام أن يشعروا بغربة عن هؤلاء القادمين من بطاح مكة، وما كانوا لينظروا لهم على أنهم غرباء...، اتفقت المواقف في العلن، وكتم كل من طرفي الاتفاق العربي – والغربي، في سره ما لم يعلن عنه، وكان للغرب حسابات حقول أخرى لا تنطبق بحال على حسابات بيادر العرب بشكل عام.
نكس الغرب بتعهداته التي التزم بها في مراسلات سابقة اعتبرها قادة الثورة العربية أساسا لاتفاقيات غير مكتوبة (مراسلات حسين – مكماهون)، وبدلاً من استقلال المنطقة العربية، وإعلان مملكة سورية على أراضي بلاد الشام، صدر قرار عصبة الأمم بالانتداب عليها وتم تقسيمها إلى منطقتين، الأولى تحت الوصاية البريطانية، والثانية تحت الوصاية الفرنسية، وهنا بدأت عملية التقسيم بما يتناسب ومصالح دولتي الانتداب، فأعطى الانكليز أولوية لتحقيق وعد وزير خارجيتهم اللورد بلفور وفتحوا باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتسهيل الاستيطان، وفصلوا شرقي الأردن عن الوطن الأم وقدموه (أمارة شرق الأردن) ترضية لعبد الله بن الشريف حسين بعد توقيعه اتفاقيات سرية تتضمن الموافقة على هجرة اليهود إلى فلسطين، وتعهداً بالتعاون مع التاج البريطاني مقابل الدعم المعنوي والمادي الذي يستمر طالما استمر التعاون، كما أعطوا أجزاء من أرض العراق للأسرة الصفوية في إيران، وبالمقابل قام الفرنسيون بإعلان دولة أقليات في جبل لبنان ترتبط بالمصالح الفرنسية " إلى الأبد " فكان لبنان الصغير، وبعده لبنان الكبير، ولضمان سكوت تركيا العلمانية الناشئة، وبعد مساومات ومفاوضات استمرت حتى العام 1939 أعلن شكلياً قيام جمهورية هاتاي على أرض لواء الاسكندرون، لتجتاحه لاحقاً القوات التركية، ثم، وتحت راية عصبة الأمم المنتصرة، يقام استفتاء صوري يتقرر بموجب نتائجه إلحاق اللواء بالدولة التركية.
هجرة اليهود المكثفة إلى أرض فلسطين أشعلت في النفوس هياجاً انقلب إلى ثورات عديدة، ثورات شعبية، كان الانكليز يقابلونها بالقمع الشديد، يقابله على الجانب الآخر الكثير من التغاضي عن حركة اليهود واعتداءاتهم، ووضع اليد على الأرض الفلسطينية، شراءً أو احتيالاً، أو تسهيلاً من السلطات فيما يخص أراضي أملاك السلطنة (أملاك الدولة تحت الانتداب)، في حين كان على الجانب العربي قيادات كثيرة تدرك ما يجري، وتعلم بتفاصيل المخطط وتلجأ إلى الصمت وإطلاق الوعود الكاذبة بالتصدي والتحرير وفي الخفاء تبارك وتشجع العملية برمتها على قاعدة استيعاب هؤلاء المساكين – أبناء العمومة، فالأرض واسعة – كان الأمير عبد الله – أمير الأردن واحداً من هؤلاء، وكانت له صلات واسعة مع أقطاب اليهود في بريطانيا وعموم أوروبا.
بعد استقلال عدد من الدول العربية منتصف العقد الخامس من القرن الماضي، وخوفاً من احتمال حصول وحدة بين بعض هذه الدول، خصوصاً في بلاد الشام فقد ابتكر الانكليز فكرة الجامعة العربية، وربما ساهم كثير من مفكريهم، ورجال القانون عندهم بمشاريع قوانين إنشاء الجامعة، ونظامها الداخلي، وكله يصب في خدمة الحفاظ على الكيانات القائمة، وبما يكفل عدم قيام أية وحدة مستقبلية، ينتج عنها وجود قوة جديدة لم تدخل في حساب المخططات الموضوعة، وبعد سنوات ثلاث من قيامة هذه المنظمة، أعلن الصهاينة دولتهم على جزء كبير من الأرض الفلسطينية، في اللحظة التي خرج فيها آخر جندي بريطاني، وفي حين شكل ذلك صدمة للمواطنين في كل مشرقنا العربي، وشعوراً بالخيبة والمرارة مترافقاً بغضب عارم، كان هناك الكثير من القيادات وأصحاب النفوذ الذين فركوا أكفهم فرحاً بما تحقق وأدركوا أن المخطط يجري كما تشتهي سفنهم، وأن شياطينهم تهيء لهم، ولنا – ردحاً طويلاً من الزمن يتاجرون فيه بالقضية، ويستثمرون فيها ما طاب لهم الاستثمار.
الجامعة العربي، التي لم يكن كل أعضائها من المنضوين أو المرتبطين مع الجهات الخارجية، وتحت ضغط المواطنين واندفاعهم في الأقطار المجاورة اضطرت لإعلان الحرب على اليهود، وبدأت بتشكيل جيش الإنقاذ من كل الدول المجاورة، وقد كانت جيوشها تحبو، والقيمين على تلك الجيوش يزودونها بما يقدمه لهم الأسياد دون مناقشة أو تجري، أو اعتراض، ولعبت الدولة البريطانية لعبتها عن طريق أزلامها في المنطقة حيث أبرمت صفقات أسلحة (تبين أنها فاسدة)، واقترحت بالتعاون مع النفوذ الفرنسي وعن طريق العملاء تولية الأمير عبد الله قيادة الجيوش العربية..، فعقدوا له لواء القيادة، وكانت نعم القيادة البريطانية بقيادة غلوب باشا قائد الجيش الأردني، والقائد الفعلي للجيوش العربية، وقد أبدع في خططه بحيث لم يدع خطة لقيادة عسكرية عربية ناجحة إلا وأفسدها، وأبلغ بها حكومته، أو أصدر أوامر بوقف تقدم فرقة عسكرية أو أكثر كما حصل على الجبهة السورية، ويمكن لأي كان العودة إلى مذكرات كثير من قادة الوحدات الذين أصبحوا من كبار السياسيين في بلدانهم فيما بعد.
عندما يكتشف المرء أنه تعرض للخديعة، في شأن مصيري، كفقدان فلسطين وما ترتب عنه من تهجير ولجوء إلى الدول المجاورة، تصغر الدنيا في عيونه، ويجهد في التفكير للوصول إلى امتلاك وسيلة لأخذ الثأر أو الانتقام ممن خدعه، أو ساهم في حبك الخديعة، ولأن الجيوش العربية لدول عديدة (مصر وسوريا، والأردن، ولبنان، عدا أبناء فلسطين الذين لم يكن لهم جيش، فهم لم ينالوا يوماً واحداً من الاستقلال)، سقطت في حبائل غلوب باشا وقيادة الأمير عبد الله، وحصدت بالتالي هزيمة أمام عصابات الصهاينة، هذه الجيوش انبثق من صلبها قيادات أسقطت أنظمة الحكم فيها، في سوريا، حيث توالت الانقلابات، وتعددت، وفي مصر قامت ثورة الضباط الأحرار عام 1952: التي أسقطت نظام الملك فاروق الفاسد، ولكن لا لتتحسن الأمور وتسير نحو النصر والتحرير، بل لتتكاثر، وتتشعب المشاكل والدسائس، ويتمكن الاستعمار من شراء الذمم واختراق التنظيمات، والضمائر، وضرب الخطط الوطنية في مهدها، ومن داخلها، وكل ذلك من أجل الحفاظ على العروبة، ومن أجل التحرير.
- من أجل الحفاظ على الكيان، وعلى العروبة، ومن أجل التحرير تم إعدام أنطون سعادة..!!
- من أجل الحفاظ على العروبة نقية خالصة، وعلى جيش يحميها، توالت الانقلابات في الشام، وتدحرجت رؤوس، وهدرت أموال الشعب، واستقراره..!!
- من أجل الحفاظ على العروبة، ومن أجل التحرير، تآمروا على قتل الشهيد عدنان المالكي، وأعدم أبرياء، وتم تدمير تنظيم حزبي قومي وطني، جريمته معاداة الصهيونية، والعمل لاستعادة وحدة الأمة وإنهاضها، وقيادة عالم عربي بحاجة لقيادتها..!! (راجعوا مذكرات العماد أول مصطفى طلاس).
- من أجل الحفاظ على العروبة، عروبة فلسطين، وتحريرها من الغاصب المحتل، تاجرت كل القيادات والزعامات في المنطقة بالقضية، وقبضوا الأثمان مضاعفة، وتراكمت رؤوس أموالهم في بنوك الغرب، في حين تخلفت الشعوب عن ركب الحضارة وهي ترزح وتئن تحت جور الحكام، ولسع سياط الأجهزة في أقبيتها وزنازينها المشهورة.
- من أجل الحفاظ على العروبة، فصلوا السودان عن مصر، والحجاز عن حضرموت، وتناسلوا وتكاثروا حتى أصبح لهم اثنان وعشرون ظل صوت، بدلاً من صوت واحد...!!
- من أجل الحفاظ على العروبة، وعلى طريق التحرير، بايعوا ايدن وغي موليه، والملكة أليزابيت الأولى والثانية، وروزفلت، خلفاء راشدين لهم، وجعلوا كعبتهم الجديدة في لندن وباريس، وواشنطن، ليصبحوا ولاة جدد في عهدة بوش ورايس.
- من أجل الحفاظ على العروبة، وعلى طريق التحرير.. سمحوا بإقامة القواعد العسكرية وأوكار الجاسوسية على الأرض المقدسة، وغير المقدسة، بل وفي كل البحار التي تزنرهم.
حافظوا على الكيانات بكل إخلاص، بل سجلوها في السجل العقاري الدولي بأسماء عائلاتهم، يتوارثونها بمن عليها، وهكذا أتموا واجباتهم أيما إتمام في الحفاظ على عروبة نقية..!!! وحرروا الكثير من البقاع والأصقاع، ليس من المحتل، بل من أهلها وسكانها الأصليين ليتمدد الغول الصهيوني أكثر فأكثر، ولتنتعش وتستمر عروشهم وممالكهم، وتنتفخ صناديق ثرواتهم، وليرددوا دوماً:
عشتم، وعاشت الأمة..!! (العيش لا يليق بالبشر، بل الحياة العزيزة)، التي لم، ولن تحياها هذه الأمة طالما دام عزهم وسندهم القوي، وليكن لقاؤنا في الحلقة القادمة مع خفايا حرب النكسة (1967) والوثيقة رقم 342 من وثائق مجلس الوزراء السعودي السرية - تاريخ: 15 رمضان 1386.