مأساة العنف والجريمة في العراق المحتل... محاولة لقراءة ظاهرة مجنونة (1 - 2)
سعد داود قرياقوس
إذا كانت ظواهر الجريمة والقانون والعدالة صيرورات اجتماعية قدمت لنا العلوم الاجتماعية تفسيرات لأسبابها وسبل معالجتها، فإن هذه العلوم تبقى عاجزة عن تقديم تفسيرات علمية وعقلانية شاملة لأبعاد ظاهرة العنف الجنونية والسادية المستشرية في العراق المحتل.
ومع قبولنا لمسلمة العلاقة الوثيقة بين انتشار العنف والجريمة والاحتلال، وأن حالة هدر الدماء هي من أكثر إفرازات الاحتلال خطورة على التركيبة الاجتماعية لشعب العراق ومستقبله، وأن الإدارة الأمريكية والعصابات السياسية المدعومة من قبلها يتحملون المسؤولية المباشرة لانتعاش تجارة القتل والدماء، إلا أن ذلك لا يلغي مسوؤلية بعض الأطراف المحسوبة على التجمع المضاد للاحتلال، أو هكذا قدمت نفسها، في استشراء ظاهرة العنف وتصعيده، ولا يعفي الشخصية الوطنية من بعض التبعات الأخلاقية والقانونية لهذه الظاهرة المفزعة. هذا لا يعني أننا نقترح وجود تعادل أخلاقي بين مسؤولية هذه الأطراف ومسؤولية ودور سلطة الاحتلال وحلفائها في زرع العنف وتصعيده، لكن الوصول إلى المسببات الحقيقية للكارثة ومصادرها ونتائجها يتطلب عرض ادوار جميع اللاعبين بدون انتقائية، فتقديم تفسير انتقائي أحادي الجانب يتناقض مع النهج العلمي والموضوعي ناهيك عن كونه لن يخدم مشروعنا الوطني في هذه المرحلة البالغة الصعوبة من تاريخ شعبنا وأمتنا.
سنحاول في هذه المساهمة تقديم تحليل موضوعي لأبعاد كارثة العنف الدموي المستشري في مدن العراق، والتي غدت ظاهرة مألوفة تمكن الفرد العراقي بشكل محزن وغريب التأقلم مع نتائجها بالرغم من بشاعتها وآلامها، وأمست صور التقاط جثث وأشلاء الضحايا من الأزقة ومراكز جمع النفايات باستخدام وسائل بدائية شبيهة بتلك التي تستخدم في جمع القمامة تتصدر الصحف والمجلات والمواقع الإعلامية يوميا.
لن يختلف معنا أي منصف بأن الخطوة الأولى في مسيرة محاصرة هذا النزف المدمر يتطلب تشخيص أسبابه ومسببيه ومخاطره بصرف النظر عن الهوية القومية والمذهبية لمسببيه ومواقفهم من القضية الوطنية أو من قضية المقاومة والتحرير. فاتخاذ مواقف رافضة للاحتلال وداعمة للمقاومة وبرنامجها لا تمنح أصحابها الحق في هدر دماء الأبرياء من العراقيين، وتشويه قضية شعب العراق الوطنية، فالمواطن العراقي في نهاية الأمر يمثل مادة المقاومة، وأمن هذا المواطن وكرامته يشكلان هدف مشروع المقاومة النهائي.
قبل الولوج في عرض أسباب هذه الظاهرة المَرَضية ونتائجها، نرى من الضروري أن نثبت بأن تعريف العنف الذي تتبناه هذه المساهمة يقتصر على العمليات الإجرامية التي تستهدف المواطن العراقي بشكل مباشر لغرض إرهابه ودفعه إلى الرضوخ "لواقع" الاحتلال، وإجباره على المساهمة في العملية السياسية وتخليه عن دعم مقاومته الوطنية. وكذلك يشمل الجرائم المرتكبة لأغراض تنفيذ مشاريع انفصالية، أو تأسيس دويلات طائفية.
من البديهي إن تعريفنا للعنف لا يسري على الجهد الوطني المسلح الموجه سواء ضد قوات الاحتلال أو ضد التشكيلات ألعسكرية والأمنية التي أسستها سلطة الاحتلال والتي تمثل جهدا عسكريا متمما للجهد العسكري لقوات الاحتلال.
ما هي الدوافع الأساسية لانفجار ظاهرة العنف؟ ومن يتحمل مسؤولية انفجارها وتصعيدها وانتشارها؟
هنالك دافع أساس واحد لضخ هذه الظاهرة المرضية ذي الآثار المدمرة للتركيبة الاجتماعية لشعب العراق، هذا الدافع ينحصر في تفتيت وحدة شعب العراق وتقسيم هيكل دولته إلى دويلات طائفية وعرقية. فالعنف كآلية مهمة من آليات مشروع الاحتلال تساهم في إطالة أمده وتثبيت مؤسساته من خلال خلط الأوراق وتعقيد المعادلات السياسية وإرباك العلاقة بين المواطن والمقاومة وبشكل يقود إلى محاصرة المقاومة الوطنية المسلحة، العائق الأكبر والأكثر فاعلية أمام انجاز أهداف مخطط الاحتلال.
نوايا الإدارة الأمريكية في تقسيم العراق لم تعد سرا، أو فصلا من فصول نظرية المؤامرة، بل مشروعا باشرت إدارة بوش في تنفيذه باحتلالها ارض العراق وتحطيم بناه الاجتماعية والسياسية. وهذا الهدف ليس حكرا أمريكيا فقط، بل قاسما مشتركا للقوى المعادية لشعب العراق والأمة العربية وأهمهما الكيان الصهيوني، النظام الايراني ونفر من القبائل الخليجية الحاكمة ولاسيما نظام آل الصباح.
لنتوقف أولا أمام دوافع الإدارة الأمريكية ومسؤوليتها إزاء الهدر اليومي لدماء العراقيين وانتشار الجريمة بكل صنوفها. سنضع جانبا دون أن ننساها دماء ضحايا العدوان الثلاثيني الهمجي عام 1991 وضحايا التجويع الأمريكي الجماعي لشعب العراق لمدة ثلاثة عشر عاما، فدماء ضحايانا تبقى نبراسا لنضالنا من أجل استرداد حرية شعبنا، وهي ليست في كل الأحوال من نوع الدماء التي يمكن محوها من الذاكرة الوطنية، وليست من نوع الدماء الصامتة، فدماء شهدائنا وجراحهم فم هادر بالحق والشجاعة كما وصفها شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري في قصيدته الرائعة " أخي جعفر" ومطلعها: أتعلم أم أنت لا تعلم / بأن جراح الضحايا فم
العلاقة بين انفجار العنف المجنون وخطط تثبيت مشروع احتلال العراق واضحة وموثقة في العشرات من التقارير والدراسات الصادرة عن مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية بما فيها مؤسسات أمريكية وبريطانية حكومية ومدنية. لذلك فإن أية محاولة لتحليل أبعاد تصاعد العنف في المجتمع العراقي وفهمه في معزل عن أهداف مشروع الهيمنة الأمريكي في العراق والمنطقة، وعن خطط الإدارة الأمريكية الخاصة في تغيير الهيكل السياسي والاجتماعي لشعب العراق تبقى محاولة ناقصة وجهد مهدور، فالعنف الدموي المستشري نتيجة مباشرة لمشروع استباحة شعب العراق، سبق لإدارة بوش أن خططت لنشره منذ وضعها المسودات الأولية لمشروع الاحتلال.
إن تغيير الهوية الوطنية والقومية لشعب العراق وتبديل موروثة الثقافي "كشعب محتل" ليس ابتكارا أمريكيا، بل هوسا مارسته جميع القوى التي هيمنت عليها رغبات إمبراطورية سادية، وحركتها دوافع الاستحواذ على عوامل الإنتاج بأثمان زهيدة، وغذتها أحلام تراكم الثروة وتوسيع خارطة الهيمنة السياسية.
ما يميز "مشروع المحافظين الجدد" في احتلال العراق، وإن تطابقت توجهاته وآلياته مع التجارب الاستعمارية التاريخية الأخرى، خاصية كونه لا يقدم لشعب العراق محمولا ثقافيا وحضاريا متفوقا على إرثه الحضاري والثقافي. فإذا ركنا جانبا التقدم التكنولوجي والمادي الذي يتميز به المجتمع الأمريكي، وهي في كل الأحوال ميزة لا تنحصر في ذلك المجتمع وحده، فإن المشروع الأمريكي لا يحمل ما يمكن أن يضيفه لشعب ساهم في أغناء الحضارة الإنسانية بشكل متميز كشعب العراق، باستثناء ثقافة العنف والكراهية التي تميز المجتمع الأمريكي وتطغي على سلوكية أفراده. لذلك لم يكن غريبا أن تهيمن عناصر العنف على كل مفردات مشروع احتلال العراق وآلياته، ولم يكن غريبا اختيار وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد مصطلح " الصدمة والترويع" شعارا مركزيا لحملة الغزو المسلح للعراق.
هنالك الكثير من الشواهد على مسؤولية الإدارة الأمريكية وحرصها على توفير المناخ الملائم لانتشار العنف وتصعيده وعلى قيامها باستخدامه كأداة لبسط هيمنتها على شعب العراق وصولا لتقسيمه وفقا للخارطة النفطية العراقية. فمنذ مراحل الاحتلال الأولى تبنت إدارة بوش صيغا سياسية مهددة لوحدة شعب العراق ومساعدة على تفاقم الصراع الوطني، كالاستقطاب العرقي والطائفي، والمحاصصة السياسية المستندة على معايير قومية ودينية، وعملت على تغذية النزعات الانفصالية، وتأسيس المليشيات المسلحة، وخلق حالة الانفلات الأمني وتشجيع تجارة الجريمة المنظمة على أوسع نطاق.
الملاحظ أن الكثير من الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة الخطرة اعتمدت العنف المتفاقم كمؤشر على فشل إدارة بوش في إدارة العراق المحتل، ودليل على إخفاقها في تحقيق الاستقرار الأمني المطلوب توفره لبدء مرحلة تحصيل استحقاقات الاحتلال عن طريق تنفيذ مشاريع الاستثمارات الأمريكية والأجنبية، وكذلك لضمان نجاح عملية واشنطن السياسية، وتأسيس ما أطلقت عليه إدارة بوش بـ "العراق النموذج". هذه الطروحات بدون شك، طروحات خاطئة تعكس إخفاقا كبيرا في استيعاب جوانب جوهرية من جوانب احتلال العراق وأبعاده. فمن الخطأ التعامل مع مظاهر العنف الدموي كناتج عرضي لعملية التغير السياسي التي فرضها الاحتلال على شعب العراق باستخدام القوة العسكرية المفرطة، أو إرجاعها إلى هفوات في عملية اتخاذ القرار، أو تقديمها كنتيجة لأخطاء في تقديرات الإدارة وعدم استيعابها متغيرات المعادلة العراقية ومفرداتها. فنشر العنف وتصعيده شَكّلا وما يزالا أهم مستلزمات نجاح مشروع الهيمنة الأمريكي على شعب العراق ومصادرة ثروته النفطية، وآلية مهمة من آليات تفتيته وتقسيم هيكل الدولة العراقية إلى دويلات قائمة على أسس عرقية وطائفية.
لا نأتي بجديد إذا ما طرحنا أن تغيير الأطر السياسية للشعوب والدول وتقسيمها إلى وحدات سياسية أصغر لا يتم عبر قرارات إقليمية أو دولية تصدر دون مقدمات أو مبررات وطنية / داخلية، بل تطرح، وكما تشير إليه التجربة الإنسانية، كحلول لإيقاف أو لتجنب صراعات عرقية أو دينية، أو كآلية لفصل أطراف متقاتلة. الحقيقة التاريخية تؤكد مسوؤلية القوى الدولية ولاسيما الإدارات الأمريكية المتعاقبة خلال العقود الستة الماضية في إذكاء معظم تلك النزاعات الطائفية والعرقية وتحويلها إلى صراعات دموية. وانطلاقا من فهم هذا الدور فإن ضخ ظاهرة العنف في العراق وتصعيده كان وما يزال آلية أساسية من آليات تفتيت وحدة شعب العراق تتحمل الإدارة الأمريكية قدرا كبيرا من مسئولية استفحالها. فنشر العنف ودفع الشعب العراقي إلى دوامة دموية ركيزة مهمة من ركائز استراتيجية الخراب الأمريكي المنظم استخدمت لتحقيق هدف استراتيجي مهم، هدف تقسيم العراق، بالإضافة إلى تحقيق هدف تعبوي يتمثل في محاصرة المقاومة الوطنية العراقية.
إن تحميل الإدارة الأمريكية تبعات العنف وتصاعده لا يعني كونها الجهة الوحيدة التي سعت لنشر ثقافة العنف وتشجيع الأطراف العراقية على استخدام الصراع الدموي كآلية لحسم نزاعاتها السياسية والاجتماعية، بل أن هنالك أطرافا إقليمية ومحلية أخرى لعبت أدوارا مختلفة الحجم والتأثير في تأسيس وتوسيع هذه الكارثة الوطنية. لا جدال في أن أكثر الأدوار خطورة وانتهاكا لأمن العراق ووحدة شعبه الوطنية، تلك التي نفذها النظام الايراني وأجهزته والقوى المرتبطة بها.
لقد استغل النظام الايراني الفراغ الأمني والسياسي الناجم عن الاحتلال، واستثمر الفرصة السياسية الذي وفرتها سلطة الاحتلال للحركات ذي المرجعية الايرانية، فنجح في دفع أجهزته الأمنية والمخابراتية، ونشر عملائه أفرادا وحركات في مدن وسط العراق وجنوبه، واستفاد من سيطرة ميليشيات (حزب الدعوة) و(المجلس الأعلى)، و(حزب العمل الإسلامي) وغيرها من التنظيمات الطائفية على مفاصل عراقية حكومية مهمة بما فيها أجهزة وزارتي الدفاع والداخلية، فشنت الأجهزة الايرانية حملة دموية إرهابية للثار لهزيمة ايران العسكرية أمام جيش العراق، ولتأسيس امتداد ايراني داخل العراق يساعد على تقسيمه وبشكل يخدم مصالح ايران القومية ويعزز موقعها كقوة إقليمية مميزة.
فدور الأجهزة الايرانية الأمنية في تصفية الطيارين العسكريين العراقيين وضباط الجيش العراقي الكبار، وكل المساهمين في دحر مشروع "تصدير الثورة" الخمينية إلى العراق مؤشر ومعروف لقوى شعب العراق ولحكومات الدول المحتلة للعراق. إن أكثر الأدوار الايرانية قذارة وتخريبا للبنية العراقية نفذت بواسطة ميليشيات القتل والجريمة التي رعتها ايران ودربتها على تنفيذ تلك العمليات البشعة التي سنأتي على عرض تفاصيلها لاحقا.
إلى جانب المسؤولية الأمريكية والايرانية المباشرة في نشر العنف في العراق وتصعيده، فإن مسؤولية الحكومات (السعودية) و(الكويتية) وإمارات الخليج العربي الأخرى في تشجيع العنف وتغذية الاستقطاب الطائفي لا يمكن التغافل عنها والتقليل من تأثيراتها. فالأطراف المذكورة ولاسيما نظام آل الصباح ساهموا بشكل كبير في إضعاف التركيبة الاجتماعية وإضعاف وحدة شعب العراق بنشر العنف والجريمة لسببين:
الأول ويرتبط في زيادة التهديدات الايرانية لمصالحهم إثر احتلال العراق، ولمواجهة التحديات الايرانية حولوا مدن العراق وشوارعها إلى ميدان صراع مع النظام الايراني، فجندوا أطرافا عراقية لمواجهة التهديدات الايرانية لمصالحهم وأنظمتهم الهزيلة دون أن يراعوا تأثير ذلك على وحدة شعب العراق الوطنية وعلى أمنه وسلامته.
والسبب الثاني لمساهمتهم في نشر الجريمة والدمار في العراق يكمن في أن تقسيم العراق خدم مصالح الأنظمة الخليجية المرتبطة ديمومتها في نجاح الاستراتيجية الأمريكية، وفي إخفاق المقاومة الوطنية العراقية في تحقيق أهدافها وأهمها طرد القوات الأمريكية خارج العراق وخارج حدود الوطن العربي.
الطرف الخارجي الآخر الذي ساهم في نشاط في تخريب العراق ودماره وتسويق لغة العنف والدم والإرهاب والقتل، هو الكيان الصهيوني، الحليف الاستراتيجي للإدارة الأمريكية، والمساهم الأكثر نشاطا في تدمير العراق وتقسميه. فمنذ الساعات الأولى لاستباحة القوات الأمريكية الغازية حرمة مدن العراق، تدفقت فرق التخريب الصهيونية إلى بغداد والمدن الأخرى، ومارست عمليات السرقة والحرق والتدمير والقتل بالتنسيق المباشر مع أجهزة المخابرات الكويتية وفرق الموت التي دربتها المخابرات الأمريكية في هنغاريا والتي سلمت قيادتها إلى احمد الجلبي وعصابته. لا شك في أن معظم عمليات اغتيال القدرات العراقية العلمية وتهجيرها تتحمل مسؤوليتها العصابات الصهيونية بشكل مباشر أو من خلال (فرق الموت) المحلية التي أسستها بالتنسيق الكامل مع سلطة الاحتلال الأمريكي.
البعد الآخر لدور الكيان الصهيوني التخريبي يكمن في تغذية النزعات العنصرية، ودعم التوجهات الانفصالية الكردية في شمال العراق وتأسيس فرق الموت، العناصر الإجرامية اللقيطة كأحمد الجلبي وغيره من أحفاد الخيانة والعمالة.
من النافل أن الهدف الأساس لنشر ثقافة الرعب والعنف والقتل يكمن في أن هذه الظواهر تساعد على تقسيم العراق وتفتيت وحدة شعبه، وأن تقسيم العراق يشكل قاسما مشتركا لأعداء شعب العراق وإن تناقضت مصالح بعضهم في محاور أخرى. قائمة الأطراف الخارجية المسؤولة عن تأسيس ظاهرة العنف وتصعيدها تضم: الإدارة الأمريكية وحلفائها الغربيين، النظام الايراني، الكيان الصهيوني، الأنظمة العربية الخليجية ولاسيما النظام الكويتي العميل.
وللموضوع تكملة..