متابعة وتعليق لا بد منهما: طرح البرنامج السياسي للتحرير والاستقلال
مقالة لكاتبها
عندما تبث (الجزيرة الفضائية) مقابلة مع ممثل مخول باسم قيادة البعث ليطرح بإيجاز برنامج البعث ومقاومته الوطنية للتحرير والاستقلال، فان ذلك إنما يشكل أولا تحولا في منهج الجزيرة ذاتها، والتي كانت من أدق الفضائيات في التمسك بالتوجيه الأمريكي الداعي إلى إسقاط وتجاهل البعث وبياناته السياسية، خلال الفترة الممتدة و التي أعقبت احتلال العراق. وعندما يقول الكاتب بذلك، فانه يعني ما يقوله حيث أن الجزيرة تجاهلت وبقرارات من إداراتها كل ما صدر عن البعث اعتبارا من تاريخ البيان السياسي الأول في العاشر من حزيران 2003 وحتى الآن، مرورا بتجاهل الإشارة والتعليق في برامجها السياسية المختلفة لصدور "المنهاج السياسي والإستراتيجي للمقاومة العراقية المسلحة " بتاريخ التاسع من أيلول 2003، فـ(الجزيرة) كانت متمسكة ولقترة طويلة بعدم الإشارة إلى دور البعث في المقاومة العراقية المسلحة، ولا التعرض لما يصدر عن البعث من بيانات سياسية وغيرها، رغم العدد الكبير لتلك البيانات بمحتوياتها وتحليلاتها وتشخيصاتها وتحسباتها وتحذيراتها.
إن ما يرومه الكاتب في هذه المتابعة ليس التعرض للتحول الذي يمكن أن تكون قد شرعت به (الجزيرة)، وإنما الكاتب سينطلق من تقييم موضوعي لما وصلت إليه المقاومة المسلحة في العراق، وما دبره وأداره وطوره البعث في التصدي الفكري والسياسي من جهة، والمقاومة العسكرية من جهة ثانية للمشروع الاحتلالي الأمريكي للعراق، على طريق دحره وإلحاق الهزيمة التاريخية به، فالتقابل القتالي الذي قال به البعث ونفذه، أصبح باعتراف الجميع صاغرين أو موافقين، هو الحالة المعاشة في العراق المقاوم، وأما العملية السياسية فإلى زوال واستنفاذ. عشرات البيانات السياسية والتعبوية وذات المنظور الستراتيجي... صدرت عن البعث المقاوم خلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، وكانت تؤشر وتشخص وتحلل ما آل أليه المشروع ألاحتلالي الأمريكي في العراق المقاوم، وإنشاء وإصدار تلك البيانات لم ينطلق من فراغ وإنما استند إلى نهج البعث المقاوم، ومنظوره الستراتيجي في الصراع التاريخي مع الإمبريالية الأمريكية، حيث بشرت بياناته الصادقة بالتفوق ألبعثي المقاوم في استيعاب وإدارة معطيات ومتطلبات التقابل القتالي الجاري والمستمر حتى التحرير الشامل لكامل تراب العراق.
البعث ومقاومته الوطنية، استندا لمنهاج سياسي و ستراتيجي واضح، و انطلقا من أسس صلبة كانت قد استوعبت حتمية تحول صيغ المواجهة في فترة معينة، عندما تتمكن القوات الأمريكية المنطلقة من قواعد على أراض عربية مجاورة للعراق وبسبب من أرجحية التفوق التقني والنيراني لتلك القوات، من الاحتلال الجزئي أو الكلي للعراق.
الاحتلال الأمريكي وقع، وقيادة البعث أطلقت المقاومة المدبرة، هذه هي الحقيقة التي أرست لنتائج محسوبة... كانت تستهدف استمرار المواجهة، وجعلها مفتوحة على مدى زمني يتطلبه التحرير تأسيسا على المقاومة، وهنا جرد البعث الولايات المتحدة من التحكم بعوامل الزمن في سياق المواجهة، وكان ذلك تشخيصا ثوريا سليما، وتبنيا عماليتيا حكيما، وتمسكا جهاديا صارما، ومنظورا ستراتيجيا متفوقا. إنه وانطلاقا من التملك المدبر للبعث المقاوم لعامل الزمن الممتد، وقبول المواجهة المفتوحة والمستمرة والمطاولة بها، فقد حول البعث كل فوز أو أنجاز للاحتلال، إلى إنجاز تكتيكي مؤقت، غير قابل للاستثمار في سياق المواجهة المفتوحة، بداء من واقعة أسر الرفيق القائد صدام حسين المجيد، ومرورا بمحطات العملية السياسية الخائبة وحتى الآن.
إلى كل من كان له موقفا معاديا أو مقابلا، أو لم تكن لديه بوصلة الرؤيا دقيقة في كشف وتتبع مسار البعث ألجهادي ومقاومته الوطنية، ولمن تعامى أو قفز عن حقيقة أن للبعث منهاجه الستراتيجي والسياسي المقاوم، وهو اليوم يصطدم بحقيقة أن للبعث ومقاومته الوطنية برنامجا سياسيا للتحرير والاستقلال، لكل أولئك في الصف المقابل... وقبلهم في الصف المقاوم أو الداعم... لشعب العراقي الأبي وجماهير الأمة المجيدة وأحرار الإنسانية الشرفاء يتوجه الكاتب بتأكيد الحقائق التالية:
1 - البعث كان ولازال حزبا ثوريا نضاليا متمسكا بثوابت الوطن والأمة، وتجربته ومشروعه النهضوي في القطر العراقي، شكلت حالة من المواجهة التاريخية المفتوحة والمستمرة مع الإمبريالية الأمريكية، وكان البعث يعي أنها مواجهة غير محسومة بعد، وان لها صفحاتها التي قد تقربها أو تبعدها عن الحسم.
2 - والبعث في سياق فعل قيادته وقيادة الثورة في القطر العراقي، مارس السياسية وفقا لثوابت الوطن والأمة وحقوقهما، وكان عليه الخيار الصعب، طالما تمثل الوطن والأمة وثوابتهما وتمسك بحقوقهما، وكان لذلك الخيار ما ترتب عليه من تشكل المواجهة واستمرارها على المدى الزمني الذي يتطلبه الحسم، بما يقتضي ذلك من تشكل وتبدل أطراف الصراع المقابل في تلك المواجهة، وبما حكم بعوامل التاريخ والجغرافيا للعراق، حيث البعث يقود المسيرة.
3 - والبعث وقيادة الثورة في القطر العراقي، صمم وأنجز واستمر في برنامجه الوطني في سياقاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية والدفاعية، وشكل ذلك أساس مشروعه النهضوي المستهدف، واقتضت المواجهة المستمرة بفعل الحقد المقابل من أطراف الصراع المعادين، من استهداف النموذج بكل مكوناته حصارا وتدميرا... بما أدى بعد الاحتلال إلى ضرب وتدمير نسق الدولة العراقية بالكامل.
4 - والبعث في السلطة وإدارة الدولة، هيأ لمقاومة مسلحة مستمرة للاحتلال المتوقع، تشكل صفحة ناصعة من صفحات المواجهة التاريخية المفتوحة والمستمرة، وتقرب وتقود للحسم.
5 - والبعث ومقاومته الوطنية فرزا... بحس ثوري، ومرجعية وطنية عراقية، وباستيعاب ناضج لمكونات الإقليم، وبتوجه جهادي أصيل، وباستحقاق قتالي مشروع... فرزا الصفين المتقابلين في المواجهة، وحددا خارطة الاستهداف والمستهدفين في التقابل القتالي المستمر حتى التحرير.
لا يستهجن أحدا طرح البعث ومقاومته الوطنية للبرنامج السياسي للتحرير والاستقلال، لا من حيث المضمون، ولا من حيث التخاطب، ولا من حيث التوقيت:
فمن حيث المضمون، لقد شخص البعث وحدد اعتبارا من بداية العام الثالث للاحتلال, أن الاحتلال الأمريكي قد بدأ الدخول في مرحلة الانهيار التام بعد آن عاش مكابدا مرحلتي المأزق وتعمق وتسارع المأزق. وعندما تدخل المقاومة الوطنية العراقية الاحتلال الأمريكي لمرحلة الانهيار التام، فإنها وبحسها الستراتيجي المتفوق، وفعلها الجهادي المقاوم، إنما تعي ضرورة تطوير منهاجها الستراتيجي والسياسي المقاوم باتجاه البرنامج السياسي للتحرير والاستقلال. لقد انطلق البعث ومقاومته الوطنية من قاعدة المقاومة والتحرير، ولم يكن قتاله جهادا مفتوحا في سبيل الله، بل كان للمقاومة هدفها الستراتيجي المتمثل بدحر الاحتلال وتحرير العراق والحفاظ عليه موحدا ووطنا لكل العراقيين.
إن طرح البعث ومقاومته الوطنية للبرنامج السياسي للتحرير والاستقلال إنما يشكل تطويرا محسوبا لمنهاج المقاومة، ولا يمكن أن يكون (كما يحلو للبعض) تخليا عن منهاج المقاومة، فمضمون البرنامج يستجيب لتطور ومنجزات الفعل المقاوم من حيث:
* أن الاحتلال الأمريكي قد دخل مرحلة الانهيار التام، وان مشروعه ألاحتلالي قد هزم في العراق.
* أن العملية السياسية كما صممها وأرادها الاحتلال قد اندحرت واستنفذت وأصبحت عبئا مضافا على الاحتلال المنهار، وان السلطة العميلة بإشكالها المختلفة منذ مجلس الحكم ولحد الآن، لم ولن تشكل بديلا سياسيا ودستوريا وإداريا ومعاشيا وسياديا لحكومة جمهورية العراق الشرعية.
* أن الفعل المقاوم قد تعمم وشمل العراق وله جبهته الوطنية العريضة.
* أن الهزيمة الإيديولوجية لنظرية التجديد في الإمبريالية الأمريكية قد وقعت وترسخت، وان الإدارة الامريكية الجمهورية الحالية, أضحت بدون غطاء أيديولوجي في مواجهتها التاريخية مع البعث ومقاومته الوطنية.
لقد انحسرت وهزلت الخيارات الاحتلالية الأمريكية في العراق المقاوم، وصمد وتفعل وتعاظم خيار المقاومة المسلحة، وكان هذا خيار البعث ومقاومته الوطنية منذ انطلاق المقاومة.
أما من حيث التخاطب، فالبرنامج يخاطب المحتل الأمريكي، مثلما خاطبته ولا زالت وستبقى حتى التحرير البندقية العراقية المقاومة. لقد أسقطت البندقية المقاومة المشروع السياسي للاحتلال، عندما فرضت حالة التقابل القتالي مع الاحتلال كواقع معاش في العراق المقاوم، واستنفذت مراحل "العملية السياسية" الخائبة، ولقد بنى البعث ومقاومته الوطنية استهدافه الستراتيجي بدحر الاحتلال وتحرير العراق، من خلال تحقيق الاستهداف الوسيط بتدمير السلطة العميلة. وهنا يحقق البعث ومقاومته الوطنية منهجية سياسية محسوبة، مستندة لمنظور ستراتيجي متفوق، مؤسس على قاعدة المقاومة والتحرير... حيث لا اعتراف بما نشاء أو افرز من الاحتلال في الصيغ الدستورية والسياسية والإدارية وغيرها.
وأكثر من ذلك، فالتخاطب مؤسس على الاشتراطات المستوجبة والمشروعة، للتفاوض والاتفاق والالتزام، وخاصة من قبل المحتل، فيما يخص انسحابه التام وغير المشروط من كل ارض ومياه وسماء العراق، وما يستتبع ذلك من اعتراف بعدم شرعية الحرب وارتداد ذرائعها الساقطة والمفبركة والاعتذار عنها لشعب العراق أولا وللعالم من بعد، والتعويض المادي والمعنوي للحرب والاحتلال وما نشاء عنهما من خسائر بشرية واقتصادية، وإعادة مقومات السيادة التي تم التجاوز عليها بما في ذلك إعادة ترسيم حدود العراق الجنوبية.
ومن حيث التوقيت، فطرح البرنامج السياسي للتحرير الاستقلال من قبل البعث ومقاومته الوطنية، يأتي في توقيت راعى الاعتراف الأمريكي الشعبي، وكذلك الرأي العام العالمي، بدخول الاحتلال مرحلة الانهيار التام، وانهزام مشروعه ألاحتلالي في العراق. وقبل ذلك... فالبعث ومقاومته الوطنية مثلما راهنا على أرجحية امتلاكهما للمدى الزمني المفتوح للتحرير، في مقابلة العنصر الزمني الضاغط على الاحتلال لتنفيذ مشروعاته في العراق، قد حددا المفاصل الزمنية التي تشكل وستشكل للإدارة الأمريكية مهلا تكتيكية سياسية، لكنها في الوقت نفسه لن تشكل مهلا تكتيكية قتالية للمقاومة المسلحة المستمرة، مهما طال المدى الزمني المطلوب لدحر الاحتلال وتحرير العراق.
الثالث من تشرين الثاني 2006