"لجنة بيكر" و"قانون تشكيل الأقاليم" وخيبة بوش

عوني القلمجي

"أعتقد وأظن أن من النزاهة أن نقول إن لجنتنا تعتقد أن هناك بدائل بين الخيارين المعلنين.. الاستمرار على النهج أو الهرب... وبدل ذلك قيام نظام فدرالي في العراق بعد تقسيمه بين مجموعاته الرئيسية الثلاث وأن الحكومة المركزية الضعيفة التي ستنشأ في بغداد سوف تكلف بمهمة توزيع عائدات النفط وحماية الحدود وملف العلاقات الخارجية". هذا ما "جادت" به علينا "لجنة بيكر" وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، بعد دراسة ميدانية مكثفة للوضع في العراق، والتي أعلن عنها  يوم 8 من الشهر الحالي. فالأمريكان لم يكتفوا بتدمير العراق وإنما يريدون توزيعه بين زعماء المليشيات المسلحة، ولأجله سارع  هؤلاء، عبر ما يسمى بالبرلمان، ليقروا  قانون تشكيل الأقاليم، بعد ثلاث أيام فقط على إعلان بيكر لتوصية لجنته الخائبة.

والجديد في هذا القانون ليس ما تضمنه من بنود، فهو يبقى صورة طبق الأصل عن "قانون إدارة الدولة"، في عهد بول بريمر، وإنما الجديد فيه، أن الإدارة الأمريكية اعتبرته الحل، لإنقاذ مشروع الاحتلال من السقوط. كونه يعطي الضوء الأخضر لزعماء المليشيات، للشروع بتمزيق العراق إلى أكثر من ثلاث دول، من خلال استغلال المادة (118) من دستورهم "الدائم"، والتي منحت الحق لكل محافظة أو أكثر بتشكيل إقليم مستقل. ولكن ليس هذا هو القصد النهائي لإدارة بوش، فهي تراهن على نشوب صراعات مسلحة على النفوذ والسلطة والثروة لتنتهي إلى حروب طائفية وعرقية، كون هذه المحافظات، متداخلة ومتزاوجة ومتمازجة على المستوى البشري، وللتنصل من هذه المسؤولية، حرص بوش، في تصريحاته، اشد الحرص على التأكيد على وحدة العراق وعدم المساس بها!!!.

ترى هل سينجح بوش في مسعاه؟

البداية تؤشر إلى أن هذا القانون، سيواجه نفس المصير الذي آلت إليه المحاولات السابقة من فشل ذريع. فالعراقيون ازداد حقدهم على الاحتلال وأعوانه، لأن القانون مس بأقدس ثوابتهم الوطنية، ونعني بذلك وحدة العراق أرض وشعب. وإذا كان هناك بقايا من مخدوعين ويأملوا خيرا من بوش، فأنهم سيطلقوه بالثلاثة، فهم لن يتساهلوا في هذا الشأن لا مع المحتل ولا مع الانفصاليين، والقوى التي وظفها الاحتلال لخدمة مشروعه والتي كان لها تأثير محدود في الشارع العراقي، كونها  اتخذت زورا صفة تمثيل "السنة" في العملية السياسية، ونفخت في صورتها، سقطت نهائيا جراء مساهمتها في تمرير مشروع التقسيم، لهروبها عن حضور جلسة التصويت ضد القانون. وبذلك ستشكل عبئا على الاحتلال بعد أن كانت معينا له. ومحاولات كوندوليزا رايس لإصلاح حال الحكومة ومعالجة خلافاتها، لكي تكون مؤهلة لحماية مشروع الاحتلال، حفر هذا القانون قبرها وأهال التراب عليها. فهو لم يخلق فجوة بين الحكومة والقوى الوطنية خارج إطار العملية السياسية، وإنما خلق فجوة أخرى بين زعماء الطوائف والمليشيات داخل الحكومة نفسها، بحيث أصبحت بحاجة للمصالحة فيما بينها قبل أن تصالح خصومها.

فـ"حزب الفضيلة" مثلا طالب بمدينة البصرة إقليم مستقل، والبعض من قادته جاهر بأن تكون البصرة دولة مستقلة تنضم إلى دول الخليج، في حين أصر "الحكيم" على أن تكون البصرة جزء من دولته المنتظرة. وحزب تركماني طالب بالفدرالية لكركوك، واكتفى الصدر بالمزاودات السياسية على الأحزاب الطائفية الأخرى، أما "جبهة اياد علاوي" فقد انقسمت على نفسها بين مؤيد ومعارض. ومع كل ذلك،  فثمة كارثة أخرى وقعت على رأس بوش جراء قانونه الأخرق هذا، فالقوى الوطنية خارج إطار العملية السياسية، والتي سعى بوش، لإقناعها بمشروع المصالحة الوطنية، قد حسمت أمرها بالتخلي عن مثل هذه المشاريع، وقد نجد نموذجا عنها في الرسالة التي قدمتها (هيئة علماء المسلمين) إلى "الحزب الإسلامي وجبهة التوافق"، والتي أدانت فيها أي مشاركة سياسية في ظل الاحتلال من الآن فصاعدا، بل وأكدت الرسالة، وهذا تطور مهم، على  أن لا طريق لتحرير العراق بغير المقاومة، وأن أي عمل سياسي يجب أن يكون في خدمتها. حيث جاء في الرسالة "إن شرع الإسلام الحنيف رسم لنا قانونا أن نحتكم إليه في حالة العراق الذي يخوض جهاد الدفع ضد الغزاة وواجب الوقت يقضي أن المقاومة لها الأولوية وما سواها يجب أن يسير لصالحها". أما الشخصيات الوطنية وبعض التجمعات التي قدمت خدمة للاحتلال، بالتشويش على خط المقاومة، ومحاولة إحداث شرخ بين العمل السياسي والمسلح، من خلال مبادرتها، والترويج لها، على أنها طريق آخر لتحرير العراق، عبر مطالبة المحتل بتحديد جدول زمني للانسحاب، فقد أكرمتنا سكوتها جراء الإحباط الذي أصابها بسبب تأكيدات بوش المتكررة على أن "لا تفكير بالانسحاب على الأقل قبل عام 2010".

دخول بوش في هذه المحاولة الفاشلة، سينقل الصراع إلى مرحلة متقدمة، قد تبلغ فيها حدة المعارك أعلى درجاتها، وقد تتخذ أبعاد خطيرة من حيث الخسائر وردود الأفعال، ناهيك عن المفاجئات التي قد تبرز سواء من حيث نوعية المعارك أو الهجمات أو نوع الأسلحة التي ستستخدم. لسبب بسيط هو أن أمريكا ستسقط الخيار السياسي، وتعتمد على الخيار العسكري فقط، جراء فشل مشاريع المصالحة الوطنية، والتعويل على جر القوى الوطنية العراقية للعملية السياسية، وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية ستزج بكل إمكاناتها في المعركة التي من المحتمل أن تكون ساحتها الرئيسة بغداد. ومنها إرسال  قوات إضافية للعراق، قد تصل إلى عشرات الألوف، وربما تساوي القوات الموجودة حاليا. وقد تجبر حلفائها على إرسال قوات عربية وإسلامية تقف إلى جانب قوات الاحتلال، كما لا يستبعد أن تستخدم أسلحة دمار شامل محدودة. فأمريكا، وهذا يجب أن لا ننساه، تعتبر معركتها على أرض العراق، معركة مصيرية والهزيمة فيها هي هزيمة لمشروعها الإمبراطوري الكوني.

ولكن هل يكفي إذا تصرفت أمريكا تصرف الأسد الجريح أن تتجنب الهزيمة؟ وهل كل مشروع من هذا النوع يكون بالضرورة قابل للتحقيق؟

لن ندخل في الحتمية التاريخية لانتصار الشعوب، ونبتعد عن تدعيم هذه الحقيقة، بتجارب تلك الشعوب التي تعرضت للاحتلال، وانتصرت بالذات على أمريكا، إلى أن نضرب مثلا في فيتنام أو لبنان أو الصومال. والأكثر من هذا لن نخوض في تفاصيل المأزق الذي تتعرض له قوات الاحتلال، إلى درجة أصبحت عندها غير قادرة على حماية نفسها حتى داخل قواعدها العسكرية الأكثر أمانا، (قاعدة الصقر نموذجا). ولكن سنشير إلى مقدمات سقوط المشروع الأمريكي، وقوات الاحتلال لازالت على أرض العراق. فهو دليل على أن المشروع الأمريكي برمته سينتهي إلى الهزيمة، فالمشروع سقط لأنه لم يحقق السيطرة على العراق بسبب عجز قوات الاحتلال على إنهاء المقاومة والتأييد الكبير الذي تحظى به من قبل عموم الشعب العراقي، وسقط لأنه لم يتمكن من جعل العراق ولاية أمريكية وقاعدة عسكرية متقدمة، وسقط لأن "مشروع الشرق الأوسط" تحول من "كبير" إلى "جديد" إلى "دول الخليج + 2" ثم إلى لا شيء. يضاف إلى ذلك فأن حامية المشروع، أمريكا، فقدت مصداقيتها أمام العالم، وأمام شعبها حين تبين أن العراق لا يملك أسلحة دمار شامل منذ 1991، وقتل مليوني عراقي تحت هذه الذريعة، ولأن "الديمقراطية" التي وعدت بها العراقيين قد حولت بلدهم إلى دمار وخراب، وأخيرا وليس آخرا فقد أصبح بإمكان أي دولة أن تتحدى أمريكا بعد درس المقاومة العراقية، كوريا الشمالية مثالا، وهذا يعني أن مشروعها الإمبراطوري أصبح حلما، شبيه بحلم إبليس في دخول الجنة.

أن يكون كل ذلك كافيا لإصدار مثل هذه الأحكام المسبقة، فهذا قد يدخلنا مع البعض من أتباع ومريدي أمريكا والاحتلال، في نقاشات لا طائل تحتها عن إمكانات أمريكا الخارقة وقدرتها على تجاوز العقبات والمحن. وحتى هزائمها في الماضي يمكن إيجاد تبرير لها، وكان يمكن لهذا النقاش أن يصب لصالح أصحابه، لو أن المقاومة العراقية لم تحسب لهذا الظرف حسابه، وتعد العدة لمواجهته، وكل الدلائل تشير إلى تأكيد هذه الحقيقة، فالمقاومة لم تكن بعيدة عن حركة انتقال القوى من هذا المعسكر أو ذاك، والتي كان من أبرز نتائجها خلو ساحة المعركة من القوى المترددة والحائرة ليصبح الاستقطاب بين معسكرين لا ثالث لهما، معسكر مقاوم، ومعسكر الاحتلال، وعلى هذا الأساس فقد تحركت المقاومة باتجاه مواصلة الطريق بحماسة أكثر، للتوصل إلى توحيد فصائل المقاومة وإقامة الجبهة الوطنية وفق برنامج سياسي وقيادة مشتركة، خاصة وان قاعدتها متواجدة فعلا على أرض المعركة، وهي (الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية). الأمر الذي سيؤدي حتما إلى مضاعفة قوة المقاومة بمعدلات عالية تصل إلى حد إحداث تغير نوعي في أدائها سياسيا وعسكريا وجغرافيا، بما يعادل كل ما تقوم به أمريكا من استعدادات للمعركة الفاصلة.

ووحدة فصائل المقاومة لا تحسب على أنها مجرد اتفاق القوى المسلحة على تنسيق عملياتها العسكرية لتكون أكثر فاعلية، فهذا إنجاز مهم قطعا، لكن وحدتها ستعزل نهائيا ما هو طارئ على جسم المقاومة المسلحة، لقطع الطريق على وصفها بالإرهاب، في مقابل إيجاد صيغ تفاهمية مع المجموعات المسلحة الأخرى وهي قليلة العدد، والتي لها أجندة خاصة لا ترتبط بقاسم مشترك مع مجموع القوى الوطنية وتريد فرض أجندتها على عراق المستقبل، في ظل مجتمع متنوع وتعددي، في حين ستنسق عملها مع القوى المسلحة الأخرى التي تعوزها الخبرة السياسية والفهم العميق لطبيعة الصراع وأهدافه وآليته والنتائج التي تترتب عليه، وتجعل من عملياتها الاستشهادية المشرفة، أن تساوي التضحية الكبيرة والعظيمة، وليس الاكتفاء بطلب الشهادة ودخول الجنة على الرغم من عظمة هذه الأمنية، التي يسعى إلى نيلها كل مقاتل في صفوف المقاومة، يضاف إلى ذلك أن توحيد فصائل المقاومة المسلحة يرسم آلية عملها الموحد في حال قتال المحتل أو التفاوض معه وفق شروط المقاومة، وعندها ستقبر كل إشاعة تربك المقاومة عن وجود فصائل تقاتل وأخرى تفاوض، وعندها لن يخرج بين الحين والآخر على الفضائيات أمثال الشمري أو ملثم  أو غيره يتحدث باسم المقاومة.

أما قيام الجبهة الوطنية العريضة فأنها لا تعني هذه المرة، الاتفاق على قاسم مشترك يحقق لكل طرف حد معين من أهدافه، وإنما ستبنى على أساس اتفاق شامل يحقق أهدافها والتي هي أهداف الشعب العراقي، كونها مرتكزة على تحرير العراق وإقامة النظام الديمقراطي التعددي الذي يحقق لكل فئات الشعب وطبقاته وقومياته وأديانه حقوقهم المشروعة كاملة غير منقوصة. وهذا سيزيد من حماس العراقيين لتأييد المقاومة، وتعزز الصلة بينها وبين المواطن، لتصل حد أن تكون مقرات الجبهة بمثابة سلطة وطنية تقدم كل الخدمات للناس وليس العمل السياسي وحده، وتشجع بالمقابل قوى حركة التحرر الوطني العربية والعالمية لأن تقيم أوثق الصلات معها، وأن تصبح الجبهة المرجعية للتعامل مع المقاومة من قبل الأحزاب والدول. يضاف إلى ذلك أن قيام الجبهة يفترض وجود قيادة مشتركة ستشرع بتطوير الفصائل المسلحة وصولا إلى  قيام جيش التحرير، باعتباره أحد الشروط اللازمة، للانتقال إلى حرب تحرير المدن وإقامة السلطة الوطنية على كل مدينة تتحرر والدفاع عنها وكأنها تدافع عن العراق كله. وإذا أنجزت المقاومة هذه المهمات على وجه السرعة وستنجزها حتما، فيكون بوش قد قدم خدمة للمقاومة في تشجيع الانفصاليين والصفويين على إقرار قانون تشكيل الأقاليم.

أفضل خيار لأمريكا بين "الاستمرار على النهج أو الهرب"، هو ليس خيار "لجنة بيكر"، تقسيم العراق، لأن العراق غير قابل للقسمة، وإنما خيار الهزيمة في ليلة ظلماء.