هل ينقذ مؤتمر (باريس 3) لبنان؟
بقلم: الدكتور لويس حبيقة - لبنان
يعول الكثير على مؤتمر (باريس 3) لإنقاذ الاقتصاد اللبناني من أوضاعه الحالية. يحتاج لبنان ليس فقط إلى تعزيز النمو وتخفيف الفقر بل إلى تعميم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حسنا فعلت مؤسسة نوبل هذه السنة بإعطاء جائزة السلام للاقتصادي محمد يونس ومصرفه. تشير هذه الرسالة إلى أهمية التنمية في تعزيز استتباب السلام واستمراره ضمن تحديات العولمة والانفتاح، شعر يونس منذ عقود انه من غير الممكن نقل بلده بنغلادش من واقعها الصعب إلى مستويات اقتصادية أفضل مع وجود طبقة فقراء واسعة الانتشار، لذا قام عبر مصرفه "غرامين" بإقراض الفقراء من نساء ورجال كي يدخلوا إلى قطاع الإنتاج والاقتصاد الحر، لا يمكن للسلم الأهلي أن يتعزز في لبنان بوجود عدد كبير من الفقراء والمشردين والمهجرين والعاطلين عن العمل، يحتاج لبنان إلى الأموال السريعة والكافية لإعادة بناء بنيته التحتية التي دمرت في الحرب. يحتاج إلى الأموال للتعويض عن الوحدات السكنية المدمرة في بيروت والمناطق، لا يمكن للاقتصاد أن يتعافى إلا إذا توافرت أموال البناء بسرعة.
تحتاج مؤسسات الدولة اللبنانية العامة وليس الحكومة فقط إلى توسيع نظرتها للتنمية بحيث تتعزز الديموقراطية وتتنوع السياسات المطلوبة لتشمل الشؤون الاجتماعية والأخلاقية والبيئية والإدارية بالإضافة إلى الاقتصادية. فمفهوم التنمية في القرن الواحد والعشرين لا يقتصر على تحسين أوضاع المواطنين وتطوير المؤسسات والقوانين، وإنما يشمل تحديد المقومات التي تسمح بتحقيق تغيرات سليمة في المجتمع، هنالك نظريات عديدة بشأن التنمية أولها تقول بأن الدول النامية لا تحتوي على مؤسسات عامة فاعلة تعمل بشفافية لمصلحة الشعب. هذا صحيح في لبنان إذ لم يستطع مجتمعنا منذ زمن افراز قيادات واعدة ومؤسسات عامة قوية وسليمة. لا يمكن لأية دولة استيراد المؤسسات أو هيكلياتها، اذ لكل مجتمع خصائصه الموروثة. حاولنا في لبنان استيراد مؤسسات عامة من الغرب وخاصة فرنسا، لكننا لم نستطع جعلها فاعلة ومفيدة كما هو الحال في دول المنشأ.
هنالك نظريات أخرى تقول بأن من مسببات التأخر هو ضعف مستويات التعليم في كل درجاته. أصبح هذا العامل واقعا في لبنان منذ التسعينات مع زيادة عدد المدارس والمؤسسات المهنية والتقنية والجامعات والكليات إلى حدود غير مقبولة في غياب أية رقابة جدية ومتخصصة. تحسين مستويات التعليم مهم جدا لكنه لا يكفي للخروج من مأزق التخلف أو التراجع الاقتصادي، فالكامرون مثلا ضاعفت عدد المتعلمين لديها خلال 3 عقود دون أن تتحسن أوضاعها الاقتصادية، هنالك نظريات أخرى تقول أن من أسباب التأخر هو النسيج الاجتماعي المعقد الذي لا يسمح بالتقدم بسهولة. يعاني لبنان كثيرا من الانقسام المذهبي والطائفي والمناطقي والسياسي والطبقي الذي عرقل فعلا التقدم الاقتصادي المستمر والصحي. يضاف إلى ما سبق وجود جاليات غير لبنانية متنوعة تؤثر بشكل أو آخر على الاقتصاد وتجعل تقدمه متعثرا، هنالك دول عديدة تخطت نسيجها الاجتماعي والثقافي والديني المتنوع والمعقد كالهند وأنتجت مؤسسات عامة فاعلة. ينمو الاقتصاد الهندي سنويا بنسبة 8% منذ 3 سنوات (ناتج محلي قدره 800 مليار دولار في سنة 2005) مع صناعات تكنولوجية تعطي إيرادات سنوية مقدرة ب 36 مليار دولار، يكفي أن نقول أن الهند تنتج سنويا ألف فيلم سينمائي، أي 5 مرات ما تنتجه هوليود.
يحتاج المجتمع اللبناني أولا إلى قراءة ودراسة موازنتي 2006 و2007، إذ من غير المقبول أن نصل إلى هذا الوقت من السنة دون موازنات مقرة. أي برنامج إصلاحي يقدم إلى (باريس 3) يجب أن يحصل على موافقة الحكومة ومجلس النواب ويناقش داخلهما، أي برنامج إصلاحي يقدم إلى الخارج يجب أن يعلن رسميا في الداخل، أي يقدم إلى اللبنانيين حتى يدعموا المواقف التي ستعلن. يجب أن نتجنب أخطاء (باريس 2) ونتعلم من هذه التجربة حتى يكون (باريس 3) ناجحا ليس فقط في انعقاده وإنما أيضا في نتائجه الكبيرة والخيرة على الاقتصاد واللبنانيين، يحتاج لبنان عبر مؤتمر (باريس 3) إلى هبات لأن إمكانية الاقتراض ضعيفة جدا مع عجز مالي متزايد ودين عام يوازي أكثر من ضعفي الناتج المحلي الإجمالي. هل يستطيع لبنان الحصول على هذه الهبات وهل تكفي هذه الأموال، إذا ما أتت، لإنقاذ الاقتصاد؟
في نظرنا هنالك عطف كبير على لبنان وعلى ما آلت إليه أوضاع اللبنانيين، وبالتالي من المرجح أن يمنح لبنان أموالا كافية للإعمار والبدء بمسيرة النهوض. يجب أن ترتكز السياسات الحكومية التي ستقدم إلى المؤتمر على المواضيع التالية:
أولا: محاربة الفقر الذي زاد نتيجة الحرب الأخيرة وضياع فرص عمل عديدة، هنالك فارق كبير بين نمو متوقع لسنة 2006 قدر ب 6% وركود محتمل لهذا العام يقدر أيضا ب 6%. خسارة 12 نقطة من النمو أو ما يعادل 2,5 مليار دولار أو 250 ألف فرصة هي كبيرة جدا لدولة صغيرة كلبنان. لذا يجب أن تكون للحكومة استراتيجية واضحة بشأن محاربة البطالة والفقر. ترتكز الاستراتيجية على قواعد ثلاثة أولها توفير الفرص الإنتاجية للفقراء كي يساهموا في النمو الاقتصادي، تعتبر تجربة "محمد يونس" في بنغلادش مهمة جدا ويمكن نقلها، ولا عيب في ذلك إذ أن الولايات المتحدة نفسها وأوروبا نسختها. ثانيا يجب تشجيع الفقراء على المشاركة في القرارات الاقتصادية التي تؤثر على حياتهم وبالتالي إلغاء الحواجز الاجتماعية التي تحول دون ذلك، أما الركيزة الثالثة فتكمن في حماية الفقراء من المخاطر الاجتماعية التي تواجههم، وذلك عبر توفير شبكات آمان مناسبة.
ثانيا: الاستمرار في الانفتاح الاقتصادي على العالم الخارجي أي مقاومة النفس الانغلاقي الذي يظهر بقوة بعد حروب من هذا النوع، فيتنام، بعد حروبها الكبيرة والمدمرة، انفتحت منذ التسعينات اقتصاديا على العالم. نما دخل الفقير الفيتنامي سنويا بنسبة 5%، في دولتي غانا وأوغندا، نما دخل المواطن الفقير سنويا ما بين 3 و4% نتيجة الإصلاحات المحررة للاقتصاد، يجب على الدول الصناعية أن تفتح حدودها أمام السلع المستوردة من الدول النامية. تشير دراسات البنك الدولي إلى أن صادرات دول أفريقيا يمكن أن تزداد سنويا بمعدل 14% أو ما يعادل 2,5 مليار دولار إذا ما استطاعت التصدير إلى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، يجب أن تدفع الحكومة من جديد ملف انضمام لبنان إلى منظمة التجارة العالمية إلى الواجهة، وهذا طال انتظاره، للعولمة منافع كبيرة إذا استطعنا الاستفادة من قواعدها وحمينا الاقتصاد اللبناني من التقلبات الكبيرة المستوردة.
ثالثا: يجب أن تتعهد الحكومة بالقيام بالإصلاحات الكبيرة في القوانين والمؤسسات لتقدم خدمات أفضل للبنانيين وليصبح الاقتصاد جاذبا أكثر للاستثمارات الخارجية. اجتذاب الاستثمارات الخارجية هو أحد أهم العوامل الفاعلة لمحاربة الفقر والبطالة. المطلوب البدء بالإصلاح الإداري إذ لا يمكن أن تتكون سياسات فاعلة في غياب الإدارة المنتجة. الإدارة العامة اللبنانية هي في وضع خطر وتحتاج إلى إصلاحات في العمق. هنا تكمن أهمية دعم المجتمع اللبناني للبرنامج الحكومي، إذ من دونه لا يمكن أن تنفذ الإصلاحات. يجب تنفيذ الخصخصة والتفكير مجددا باللامركزية الإدارية التي تسهل حياة الناس وتفعل عمل الإدارة.
كي ينقذ مؤتمر (باريس 3) لبنان، على الحكومة أن تكون جاهزة له أي تعلن بأسرع وقت برنامج شفاف متكامل تسوقه في المؤسسات العامة وشعبيا، هذه فرصة كبرى للبنان لا يمكن التفكير بإضاعتها بسبب سؤ التحضير أو الإهمال، الكفاءات موجودة داخل الحكومة، لذا لا بد من الإسراع في تحديد السياسات التي يمكن للبنان تنفيذها تعزيزا لثقة الخارج والداخل بمستقبله.