لمصلحة من إنجازات فريق أوسلو؟
عوني فرسخ
في مؤتمره الصحافي يوم الثلاثاء 17/10/2006 تباهى الرئيس محمود عباس بأنه وقع "اتفاق أوسلو"، وعلى مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية لم يتوقف فريق أوسلو عن الإشادة بما حققه من انجازات. وحين تجعل الإدارة الأمريكية و"الرباعية" الملتزمة نهجها احد شروطهما الثلاثة لقبول حكومة حماس، أو مشاركتها في أي حكومة مستقبلية، إعلان قبولها بما سبق أن التزم به المتحكمون بقرار منظمة التحرير الفلسطينية، يغدو مبررا التساؤل عمن هو المستفيد الحقيقي من التزامات فريق أوسلو: هل هو شعب فلسطين، أم هو العدو الصهيوني؟
تساؤل الإجابة الموضوعية عنه تتطلب العودة لنصوص وثائق أوسلو، بدءا برسالتي الاعتراف المتبادلتين بين عرفات ورابين. ففي رسالة عرفات المؤرخة 9/9/1993 اعترف بدولة "اسرائيل"، والتزم بتغيير بعض مواد الميثاق الوطني الفلسطيني التي تنكر وجودها وتدعو للكفاح المسلح للتحرير والعودة، كما أعلن نبذ "الإرهاب" وتعهد بمحاربته. وبالمقابل اقتصرت رسالة رابين الجوابية في 10/9/1993 على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد لشعب فلسطين، والتمايز كيفي بين مضمون ودلالة الرسالتين وآثارهما القانونية.
فالاعتراف بـ"دولة اسرائيل" وحقها في الوجود يعني الإقرار بمشروعية عناصرها الثلاثة: الأرض، والشعب، والسيادة. أي الإقرار بأن فلسطين إنما هي أرض "اسرائيل"، وبأن اليهود أصحابها التاريخيون، والسيادة الشرعية فيها للتجمع الاستيطاني الاستعماري العنصري الصهيوني، وبأن الوجود العربي فيها غير طبيعي ولا تاريخي. وبالتبعية الإقرار بمشروعية احتلال 78 % من أرض فلسطين، والتخلي عن عرب الأرض المحتلة سنة 1948، ثم إن إدانة "الإرهاب" والتعهد بمحاربته، تعني القبول بالتوصيف الأمريكي الصهيوني لمقاومة العدوان الصهيوني، وبمصادرة حق الشعب العربي بالمقاومة المشروعة في القانون الدولي.
وبالمقابل خلت رسالة رابين من الالتزام بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو التعهد بإعادة النظر في الاستراتيجية الصهيونية المؤسسة على إنكار حقوق الشعب العربي الفلسطيني المشروعة، أو التخلي عن أي من المقولات العنصرية الصهيونية المعادية للعرب. وحين لا يرقى اعتراف رابين لمستوى اعتراف عرفات يغدو صحيحا القول بأن ما صدر عن عرفات، ولما يزل ملتزما به فريق أوسلو، مناقض لأبسط مفاهيم الالتزام الوطني.
ولقد نص اتفاق القاهرة الموقع في 9/2/1994 على أن (تتولى "اسرائيل" المسؤولية الرئيسية والشؤون الأمنية، بما في ذلك الأمن على طول الحدود مع مصر والأردن). فيما تضمنت مذكرة "واي ريفر" أحد عشر تعهدا أمنيا التزمت بها السلطة الفلسطينية: في مقدمتها تحريم منظمات "الإرهاب" ومحاربتها، ومحاربة التحريض على "الإرهاب" بحيث تقوم بمراقبة ذلك لجنة ثلاثية: أمريكية و"اسرائيلية" وفلسطينية. وجرى تأسيس 17 جهازا أمنيا سلطويا. كما جرى تدريب عناصر استخباراتية في "اسرائيل" وعلى يد المخابرات الأمريكية. واتفق أن تزود أجهزة أمن السلطة "اسرائيل" بكل المعلومات عن أنشطة المقاومة والتحريض عليها. وندر أن تصدت أجهزة أمن السلطة للمعتدين الصهاينة أو أنها وفرت الأمن لمواطنيها برغم بلوغ مخصصاتها 25 % من الميزانية. فضلا عن اشتراط عدم المساس بالعملاء "المتعاونين" مما تسبب باستفحال أمرهم بعد أن غدوا في حماية السلطة و"اسرائيل" معاً.
وبموجب "اتفاق أوسلو 2" الموقع في واشنطن في 28/9/1995 قسمت الأرض المحتلة إلى ثلاث مناطق: (أ) وتضم أجزاء من قطاع غزة ومدن الضفة الرئيسية، عدا الخليل، الإدارة والأمن فيها مسؤولية السلطة الفلسطينية. و(ب) وتشمل معظم قرى الضفة، والإدارة فيها للسلطة بينما الأمن تحت سيطرة "اسرائيل"، ومساحة المنطقتين في الضفة لا تتعدى 30% فيما تضمان 90% من مواطنيها، أما المنطقة (ج) فتبلغ نحو 70% من مساحة الضفة، وتضم المستوطنات، ومواقع المياه، والمناطق الحدودية، والطرق الالتفافية، وتحيط بالمنطقتين (أ) و(ب) بحيث تحول أجزاءهما إلى جزر معزولة. وتعتبر المستوطنات تابعة إدارياً وأمنياً وتشريعيا لـ"اسرائيل". وقد شكلت بموجب الاتفاق لجان مشتركة للتنسيق.
كما قضى اتفاق القاهرة الثاني الموقع في 4/5/1994 بإنشاء سلطة فلسطينية، تمارس المهام التنفيذية والتشريعية في المنطقتين (أ) و(ب) والمصالح الإدارية التي تنقل إليها. واشترط أن تبلغ منظمة التحرير الفلسطينية "اسرائيل" بأسماء أعضاء هذه الهيئة، وأي تغيير في أعضائها. وعليه فتشكيل السلطة لن يتم بقرار وطني مستقل وإنما يخضع للموافقة "الاسرائيلية"، فضلا عن الاتفاق على أن تستبعد من صلاحيات السلطة الفلسطينية العلاقات الخارجية، والأمن الداخلي العام، والأمن الخارجي، فيما اشترطت المادة السابعة من الاتفاق مطابقة القوانين والأوامر الإدارية التي تصدرها السلطة مع نصوص "اتفاق أوسلو" والاتفاقيات المكملة له. مما يعني افتقاد السلطة الفلسطينية استقلالية حقها في التشريع. ولا ترقى هكذا سلطة لمستوى إدارة حكم ذاتي، وإنما هي سلطة لإدارة شؤون المواطنين تحت الاحتلال تعفي "اسرائيل" من المسؤولية بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، وتوظف في خدمة الأمن "الاسرائيلي".
وبرغم الاتفاق على إطلاق سراح الأسرى شددت "اسرائيل" شروط إطلاقهم، واحتفظت بأعداد كبيرة منهم، نقلتهم إلى سجون ومعتقلات داخل ما يسمى "الخط الأخضر"، وخالفت شرط إطلاق سراح النساء والأطفال. كما واصلت عمليات الاعتقال والاغتيال وكل إجراءاتها القمعية، وبالتالي تضاعفت أعداد الأسرى عما كانت عليه قبل الاتفاق المشؤوم.
وعملا بأحكام اتفاق باريس الاقتصادي الموقع في 29/4/1994 ربط اقتصاد الضفة والقطاع ربط تبعية بالاقتصاد "الاسرائيلي" سواء بتحديد إطار للاتحاد الجمركي وللتعرفة بين الكيان الفلسطيني الناشئ و"اسرائيل"، أو بحجز مستحقات السلطة الجمركية لدى "اسرائيل"، والتي بلغت 550 مليون دولار، ما يزيد بنحو 200 مليون دولار عن الرواتب المستحقة الدفع. وبتوالي الاعتماد على المعونات الخارجية الأوروبية والأمريكية المصدر بصورة رئيسية. والركون للعمل في المستوطنات والمشروعات "الاسرائيلية" ارتهن القرار السياسي للسلطة، لإرادة التحالف الامبريالي الصهيوني.
ويظل البعد الثقافي لـ"اتفاق أوسلو" أهم وأخطر أبعاده، إذ بالنص على دمغ المقاومة بـ"الإرهاب" وإضفاء المشروعية على دولة الاغتصاب واحتلالها ومستوطناتها، توفرت أقوى حجج دعاة "التطبيع" الذي استشرى في مشرق الوطن العربي ومغربه. كما توفرت حوافز تدفق الاستثمارات الخارجية على "اسرائيل". وبهذا يتضح بجلاء أن "اتفاق أوسلو" أنجز لـ"اسرائيل" ما لم تستطعه آلة حربها فائقة القدرة. وطبيعي والحال كذلك أن يعتبره القادة الصهاينة الميلاد الثاني لدولتهم وحركتهم، وأن ينظر إليه عربيا بخطورة "وعد بلفور" و"قرار التقسيم". وهل هكذا انجازات جديرة بالإشادة والمطالبة بالالتزام بها؟