عن حكومات الوحدة الوطنية
عوني صادق
الحديث الطويل المستمر عن "حكومات الوحدة الوطنية" دون التوصل إلى هذه الحكومات يكشف أول ما يكشف عن غياب الوحدة الوطنية في الواقع المحدد، كما يكشف أن القوى والأطراف السياسية التي تتحدث عن الوحدة الوطنية وحكوماتها لا تمثل في واقع الأمر مصالح كل طبقات وفئات وطوائف الشعب المعني، لأنها لو كانت فعلا تمثلها لما عجزت عن تجسيد الوحدة الوطنية على مستوى المؤسسات الدستورية التي يفترض أنها تمثل الشعب. من هنا وبقدر ما أن المحاولات لتحقيق الوحدة الوطنية لأي شعب هي مشروعة، بل وضرورية لأي طرف يتمسك ويدافع عن مصالح الشعب، بقدر ما تبدو المحاولات في فلسطين ولبنان ملتبسة في أفضل الأحوال، من هنا أيضا يبدو مصطلح "الوحدة الوطنية" نفسه ملتبسا، ولأنه كذلك فإما أن بعض رافعيه مجرد متاجرين به، أو أن البعض الآخر ما زال عاجزا عن فرض مفهومه الصحيح، وفي الحالتين قد يتحقق “التوافق” على المصطلح وعلى تشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" دون أن تكون الحكومة متطابقة مع المصطلح، وبالتالي دون أن تتحقق الأهداف التي يراد من أجلها تشكيل هذه الحكومة.
ففي لبنان، مثلا، تطالب المعارضة الوطنية بقيادة (حزب الله)، بتشكيل حكومة وحدة وطنية يكون لها فيها ما تسميه "الثلث الضامن"، ويسميه فريق "14 مارس/ آذار" "الثلث المعطل"، والذي يفهم أن حكومة الوحدة الوطنية سوف تتحقق من خلال "توسيع" الحكومة الحالية، بإضافة عدد من الوزراء عن "التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشيل عون على أن يظل الثلث المعطل في قبضتهم، ماذا يعني ذلك؟ لو فرضنا أن معجزة وقعت وتم تشكيل مثل هذه الحكومة في لبنان فإنه ببساطة تعني أن مفهوم (المصالح الوطنية) غير متفق عليه، وأن ما تشكل ليس حكومة وحدة وطنية. ومعروف أن رؤيتي المعارضة اللبنانية وفريق "14 مارس/ آذار" اللبناني للمصالح الوطنية اللبنانية نقيضتان وليستا متعارضتين فقط، والسؤال هنا: إذا تم تشكيل "حكومة وحدة وطنية" بجمع الطرفين، فهل يصح أن نطلق عليها "حكومة الوحدة الوطنية"؟ في تقديري المتواضع، لا تصح هذه التسمية على مثل هذه الحكومة، لأنها عملية جمع طرفين نقيضين فرضت موازين القوى، وليس المفهوم المشترك للمصالح الوطنية، أن يتواجدا معا، وسيكون برنامج كل طرف منهما هو مراقبة وتعطيل ما يخطط له ويطالب به الطرف الآخر، وقد تنتهي هذه الحكومة لتصح عليها تسمية أخرى وهي "حكومة الشلل الوطني"!
في فلسطين لا يختلف الأمر إلا بأن الصراع على مفهوم الوحدة الوطنية يجري في وجود الاحتلال، هذا الوجود الذي كان يتوجب أن يلغي الصراع من أصله لمصلحة المصلحة الوطنية الأولى، وهي مواجهة ومقاومة وطرد الاحتلال. مع ذلك، لنفترض أن اللمسات الأخيرة لإعلان "حكومة الوحدة الوطنية" قد أنجزت، فما الذي سيلي ذلك؟ الموقفان الأمريكي و"الإسرائيلي"، ضد مشاركة (حماس) في الحكومة وليس فقط ضد أن تشكلها، فهل سيتغيران ويسقطان المطالبة بعدم مشاركة (حماس) في الحكومة؟ وإذا افترضنا أن الشروط الثلاثة الشهيرة الموضوعة للاعتراف بأي حكومة فلسطينية (الاعتراف ب"إسرائيل" ونبذ العنف والموافقة على كل الاتفاقيات الموقعة سابقا مع "إسرائيل") قد تم تجاهلها أو تجاوزها، فماذا بعد ذلك؟ هل ستسير الأمور وفقا لرؤية بوش وأولمرت، ورؤية عباس التي تتماثل وتتطابق معهما؟ وفي هذه الحالة بأي معنى تكون الحكومة الجديدة "حكومة وحدة وطنية"؟
حكومة الوحدة الوطنية في أي زمان ومكان لا بد أن تعني حكومة تمثل أطرافا وقوى وطنية، تتفق على الأهداف الوطنية، على مفهوم المصالح الوطنية في مرحلة ما، وتناقش وتتفق على الوسائل والأساليب التي تسمح لها بتحقيق تلك الأهداف أو تسمح لها بالدفاع عن تلك المصالح وحمايتها، بمعنى آخر، حكومة الوحدة الوطنية لها برنامج وطني متفق عليه، وتتفق على وسائل تحقيقه. أما عمليات الجمع للأطراف والقوى دونما اتفاق على المفاهيم والبرنامج فستنتهي إلى عمليات طرح تؤدي عاجلا إلى فرط الحكومة والوحدة الوطنية معا! وإذا كانت في حالة لبنان قد تؤدي إلى "الشلل الوطني" فإنها في حالة فلسطين ستؤدي إلى وضع برنامج محمود عباس قيد التطبيق.
ومثلما لا يخدم "الشلل الوطني" المصالح الوطنية اللبنانية وسيقود في نهاية الأمر إلى ما يراد تجنبه وتلافيه من مخاطر من خلال حكومة الوحدة، فإن وضع برنامج عباس قيد التطبيق سيفرط بالمصالح الوطنية الفلسطينية وهو أيضاً ما سيقود إلى ما يراد تجنبه وتلافيه من مخاطر من خلال حكومة الوحدة.