الإمبراطورية الأمريكية تحكم الرقابة على العالم
أحمد الخميسي/ مصر
البسطاء أمثالنا إذا أرادوا تهنئة أحد بالعيد، أخذوا معهم على أكثر تقدير كيلو كحك في يد، وفي اليد الأخرى ربطة موز.
أما الأمريكيون فإن لهم لمسة جميلة يضفونها على الأعياد والحياة، عادة ما يكون لها أثر إنساني شامل، ومن هدايا الأمريكيين على العيد القانون الذي صدق عليه جورج بوش في 17 أكتوبر الحالي والذي يحدد كيفية استجواب المتهمين في قضايا الإرهاب، فيسمح بتعذيبهم، ويحرمهم من كل ضمانات قانونية، ويسلبهم حق الطعن في شرعية اعتقالهم، وحق الاستعانة بمحام، ويمكن للحكم بالإعدام بناء على أدلة انتزعت بالتعذيب، هذا مع توفير الحصانة للمسئولين بحيث لا تتم محاكمتهم مهما ارتكبوا من فظائع كتلك التي شهدتها معتقلات أبو غريب وجوانتانامو وسجون سرية أخرى، لهذا أجمعت الأوساط الدستورية في أمريكا وغيرها على أن القانون لا يحمي حقوق المتهمين ولا يتضمن نصا صريحا يستبعد أساليب الاستجواب القاسية!
المشكلة أن ذلك القانون يمس البشر جميعا، لأن السجون الأمريكية تضم أناسا من مختلف أنحاء العالم، عرب، وهنود، وغيرهم ممن تلزم حكومات دولهم الصمت التام بشأنهم وبشأن حقوقهم، كأنهم مواطنون تابعون لجمهورية الضباب الأزرق، أو دولة السحابة البيضاء، والتشريع الجديد لتعذيب البشر لا يهدد فقط المواطنين الأجانب بل وأي مواطن أمريكي إذا تم تصنيفه ولو بالخطأ باعتباره "عدوا مقاتلا".
وهكذا أصبح ما تقوم به أمريكا – بحكم وضعها – يمس الجميع، لأن له صفة كونية مثل طبقة الأوزون، وحركة الأمواج، ودرجة حرارة الأرض، وفي هذا الإطار تأتي المبادرة الأمريكية الممولة من "مركز الأمن القومي" لتطوير برنامج معلوماتي يمكن الحكومة من مراقبة الصحف ووسائل الإعلام في كل أنحاء العالم لرصد الأخبار وأي رأي سلبي تجاه أمريكا وقادتها، البرنامج سمي "تحليل المشاعر".
هذا في الوقت الذي أسس فيه (البنتاجون) شعبة خاصة باسم مكتب المنظومات المعلوماتية يتمثل دوره في التجسس على الهواتف الجوالة و(الانترنت) وداخل وخارج أمريكا، ذلك أن شركة (مايكروسوفت) تسلم الكود الأمني لكل جهاز أو برنامج كمبيوتر تبيعه! وتشير تقارير إلى أن التنصت الأمريكي على الهواتف يتخطى أحيانا ملياري اتصال يوميا، ويتم عبر محطات تنصت محمولة على طائرات أو أقمار صناعية، وأن بوسع الاستخبارات الأمريكية مراقبة 12 مليون اتصال دفعة واحدة.
وهناك برنامج أمريكي خاص للتجسس على التحويلات المالية في كافة أنحاء العالم، يرصد يوميا أكثر من عشرة ملايين تحويل، كما يرصد كل البطاقات الممغنطة الخاصة بسحب المال من البنوك في أي منطقة من العالم.
وفي داخل أمريكا احتجت أوساط كثيرة على قانون "التصنت" على الهواتف الذي تطبقه وكالة الأمن القومي والذي تسربت أخباره إلي وسائل الإعلام حين نشرت صحيفة "أمريكا اليوم" أن شركات الهاتف الأمريكية سلمت أرشيفا ضخما يتكون من ملايين المكالمات والرسائل إلى "وكالة الأمن القومي"! واعترف الرئيس الأمريكي بأنه خول الوكالة "حق التنصت والتجسس على البريد الإلكتروني لمواطنين أمريكيين بشكل غير قانوني".
الكثيرون يتصورون أن أمريكا تحيا في الداخل حياة ديمقراطية، لكنها في الخارج تدافع عن مصالحها بشكل عنيف، ويتصورون أن الديمقراطية الأمريكية تشكل نموذجا يمكن تطبيقه مع تنحية الجانب الأمريكي العدواني في الخارج.
وباختصار فإنهم يتصورون أن أمريكا "ديمقراطية" في الداخل، وفاشية في الخارج، ويتخيلون أن الدولة التي تتسبب في مقتل خمسة عشر ألف عراقي كل شهر على مدى ثلاث سنوات، وقبلهم نحو مليوني عراقي في حصار اقتصادي، دولة قد تكون "ديمقراطية" تجاه مجتمعها وشعبها، لكن قانون تشريع التعذيب الجديد، وكل ترسانة التجسس العالمي التي يخدمها خمسون قمرا صناعيا، تؤكد أن بلدا يستعبد شعوبا أخرى، لا يمكن أن يكون بلدا حرا في الداخل.
في يناير العام الماضي أقام "مركز الحقوق الدستورية الأمريكي" دعوى ضد "قانون التصنت" لأنه ينتهك حرية التعبير وحرمة الحياة الشخصية للمواطن الأمريكي. القاضي الأمريكي الذي نظر القضية علق على الدعوى بقوله: "حتى يوليوس قيصر لم يستطع نشر جيشه داخل روما"، أي أنه لم يكن بوسع يوليوس قيصر مد عدوانه الخارجي إلي داخل بلده روما!. لكن الواضح أن جورج بوش الذي نشر جيوشه في أنحاء العالم ينشرها داخل أمريكا أيضا، بل أولا.