مثلث المقاومة ومثلث مقاومة المقاومة

د. محمد أحمد الزعبي/وزير وعضو قيادة قطرية سابق

1 - في شرعية المقاومة العربية للاحتلال:

إن حبل السرة الذي يربط بين مثلث المقاومة الوطنية في كل من فلسطين والعراق ولبنان، والذي يمكن أن ننعته بـ المثلث الأبيض هو بدون شك "القضية الفلسطينية" التي تمثل قاعدة هذا المثلث، بينما تمثل المقاومة الوطنية في كل من العراق ولبنان ضلعيه الآخرين، الأمر الذي يعني أن المقاومة في هذه الأقطار الثلاثة هي مقاومة قطرية (بضم القاف) من حيث الشكل، قومية عربية من حيث المضمون، وهي تأخذ بالتالي بعدها الشرعي ومبرراتها السياسية والأيديولوجية، من شرعية ومن مبررات القضية الفلسطينية ذاتها باعتبارها القضية المركزية للأمتين العربية والإسلامية، بسبب وضعها التاريخي والديني والسياسي والجغرافي الخاص.

إن هذا المثلث القومي (مثلث المقاومة الفلسطينية - العراقية - اللبنانية)، إنما جاء عمليا للتصدي لمثلث مناقض له، هو المثلث الأسود، (مثلث الاحتلال ومقاومة المقاومة)، المتمثل بـ: الإمبريالية الأورو - أمريكية التي قامت بفرض الكيان الصهيوني الهجين على المنطقة العربية، عبر سلسلة متتابعة ومتكاملة من حلقات التآمر، التي ابتدأت بـ"وعد بلفور" عام 1917، وانتهت بوعد بوش الابن عام 2002 /2004، مرورا بأنظمة "سايكس – بيكو" (العربية!) التي نصبتها الإمبريالية العالمية حارسة وحامية لهذا الكيان، وبـ"اتفاقية أوسلو" التي هي الثمرة الحرام لهذه العلاقة غير الشرعية بين الطرفين المذكورين (النظام الرأسمالي العالمي والنظام العربي الرسمي). إن الإمبريالية الأورو – أمريكية تمثل هنا قاعدة هذا المثلث الأسود، بينما تمثل كل من (إسرائيل) وأنظمة "سايكس بيكو" الموصوفة بالعربية ضلعيه الآخرين!!.

إن المضمون الوطني والقومي والإنساني، إضافة إلى البعد الديني للمقاومة الوطنية في الأقطار العربية المحتلة، سواء من قبل (إسرائيل) (فلسطين ولبنان) أو من الولايات المتحدة الأمريكية (العراق)، إنما يعطي لهذه المقاومة العربية الحق والشرعية، في أن لا تهتم ولا تتوقف كثيرا عند آراء ومواقف السلطات العربية الحاكمة من هذه المقاومة، ذلك أن الغالبية الساحقة من هذه الأنظمة، - إن لم نقل كلها -، عربية الشكل، أجنبية المضمون!!.

إن قرار الحرب والسلم، يجب أن يكون بيد من يدفع دمه ودم أبنائه دفاعا عن الوطن، وليس بيد متسولي الاستسلام، من الإنهزاميين والعملاء سواء من الذين مّلت كراسي الحكم وهي تشم روائحهم و / أو روائح أبنائهم الكريهة طيلة عقود من الجلوس فوقها، عقود يعرف الناس أولها ولكنهم لا يعرفون آخرها، أو من الذين يطلقون على المحتل دون خجل أو وجل لقب المحرر!!، وعلى انتخاباتهم واستفتاءاتهم المزورة اسم الديمقرطية!!. أو من المدعين الذين يسترون عورة استسلامهم والسكوت الذليل والمهين على احتلال أرضهم بالتلطي وراء كلمة السلام التي هي منهم ومن استسلامهم الذليل والمهين براء.

2 - حزب الله والعلاقة مع النظام السوري:

لا بد من الإشارة هنا، أولاً، إلى أن الأقطار العربية التي تقع تحت الاحتلال الإسرا- أمريكي، كليا أو جزئيا، هي فلسطين ولبنان وسورية والعراق، وثانياً، إلى أن هذا الاحتلال قد ولّد نقيضه الموضوعي (المقاومة) في كل من فلسطين ولبنان والعراق فقط بينما بقيت سورية خارج هذا الإطار، وذلك بسبب الطبيعة الديكتاتورية الخاصة للنظام الحاكم في دمشق والتي طبعت سياسته منذ وصوله إلى السلطة عام 1963 (ثورة الثامن من آذار) واحتكاره لها بصورة تامة عام 1970 (حركة حافظ الأسد التصحيحية!). إن وصول حافظ الأسد إلى السلطة كان إيذانا ببدء تحالف شبه مرئي بين النظام السوري والولايات المتحدة الأمريكية، والذي كانت أخطر ثمراته المرّة، من جهة، دخول الجيش السوري إلى القطر اللبناني الشقيق عام 1976 لوضع حد للحركة التصحيحية اللبنانية التي كان يقودها المرحومان كمال جنبلاط وياسر عرفات، ومن جهة أخرى، ترسيخ جذور الطائفية السياسية في سورية بتحويل النظام السياسي فيها من نظام جمهوري ديمقراطي إلى نظام وراثي أوتوقراطي!، خلافا لمبدأي المواطنة وحق الشعب في اختيار حكامه.

إن السماح لحافظ الأسد بوضع يده على لبنان، قد ترتب عليه في مرحلة لاحقة، أن يجيّر نضال المقاومة اللبنانية للاحتلال (الإسرائيلي) لمصلحته الخاصة، وذلك للتغطية على منعه قيام أية مقاومة شعبية في سورية لتحرير الجولان المحتل من جهة، وللانتقال إلى مرحلة متقدمة جديدة في علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية - ولاسيما بعد اشتراكه معها عام 1991 فيما سمي زوراً "حرب تحرير الكويت" والتي انتهت بالإعلان الصريح عن انتهاء حالة الحرب بين سورية و(إسرائيل)، وأن السلام بات هو الخيار الإستراتيجي لسورية!.

إن هذه المسيرة الواضحة التواطؤ بين النظام السوري والولايات المتحدة الأمريكية، والتي انتقلت بحرفيتها تقريبا من الأب إلى الابن، قد سمحت للكثير من الشرفاء في الوطن العربي عامة وسورية خاصة، والذين يكنون كل الاحترام والتقدير للمقاومة الإسلامية في لبنان ولقائدها الشيخ حسن نصر الله، أن ينظروا بعين التساؤل، إلى تلك العلاقة التي تربط حزبا مقاوما مثل "حزب الله" ومقاومة وطنية مثل المقاومة الإسلامية مع نظام متواطئ مع أعداء هذه المقاومة وإعطائه شرفا لا يستحقه، بنعت شيخ المقاومين العرب لسورية العربية، التي يحكمها هذا النظام بـ "سورية الأسد"!!.

إن توخي الحذر والموضوعية في الحكم على هذه العلاقة غير المفهومة للكثيرين، ولاسيما للمعارضة السورية، يقتضي من الكاتب أن يضع في اعتباره في هذا المقام أن هناك أموراً معيّنة لا يمكن كشفها أو البوح بها في هذه الظروف الإقليمية والدولية المعقدة، هي التي تقف وراء هذه العلاقة بين "حزب الله" والنظام السوري والتي تبدو للآخرين على هذه الصورة الملتبسة وغير المفهومة. بيد أن وجود مثل هذه الأمور والخلفيات الخاصة - على فرض وجودها – لا تلزم المعارضة السورية أن تتخلّى عن معارضتها السلمية المشروعة لهذا النظام، أو أن يكون مطلوبا منها أن تقبل الطرفين (المقاومة اللبنانية والنظام السوري) معاً أو أن ترفضهما معاً.

إن المعارض الجاد للنظام السوري، لا بد وأن يكون مؤيدا للمقاومة اللبنانية التي تتصدى لهذا العدوان الهمجي الوحشي على القطر الشقيق والذي بدأته (إسرائيل) في 12/07/06، والذي بلغ ذروة همجيته ووحشيته في المذبحة الرهيبة اللاأخلاقية لأطفال ونساء وشيوخ قانا بتاريخ 30/07/06، بغض النظر عن تلك العلاقة الملتبسة التي تراها المعارضة السورية بين الطرفين.

3 – "حزب الله" والعلاقة مع النظام اللبناني الراهن:

تمثل العلاقة بين "حزب الله" والسلطة اللبنانية، إشكالية ثانية أمام الرأي العام العربي والعالمي، بما في ذلك الرأي العام المؤيد للمقاومة العربية في فلسطين ولبنان والعراق والمعارض للولايات المتحدة الأمريكية و(إسرائيل)، ولاسيما أن في لبنان حكومة منتخبة ديموقراطيا تمثل غالبية فئات الشعب اللبناني، ويشترك فيها (حزب الله) نفسه بعدد من الوزراء والوزارات.

إن الإشكالية التي تطرحها هذه العلاقة هنا، هي أن النظام السوري في دمشق بعد خروجه / إخراجه من لبنان وقف من النظام اللبناني الجديد موقفا متناقضا، حال من جهة دون وحدة موقف الحكومة اللبنانية من الاعتداءات (الإسرائيلية) المستمرة والمتواصلة على لبنان كله، ذلك الموقف الذي كان مرشحا لأن يتماهى مع موقف المقاومة الإسلامية، وأخذ من جهة أخرى دور المتفرج من الاعتداء (الإسرائيلي) الوحشي على لبنان الشقيق - أرضا وشعبا ومقاومة وبنية تحتية -، والذي بدأ في 12/07/06، ولمّا يتوقف بعد!!، مكتفيا كغيره من الأنظمة العربية بموقف التنديد والشجب والاستنكار الذي لا يسمن ولا يغني.

إن موقف المقاومة الإسلامية من النظام اللبناني، وموقف هذا الأخير من المقاومة الإسلامية، يتميز عن ذات الموقف في كل من فلسطين والعراق، ذلك إن العدو الأساسي للمقاومة في العراق هو الاحتلال من جهة والحكومة العراقية العميلة التي نصبها ذلك الاحتلال من جهة أخرى، وإذن فإن هدف المقاومة العراقية يتمثل في التخلص من الطرفين معا. أما في فلسطين فإن الاختلاف بين موقف السلطة الوطنية الفلسطينية ممثلة بحكومة اسماعيل هنية، وموقف المعارضة لهذه السلطة ممثلة بحركة (فتح) (كتائب الأقصى خاصة)، إنما هو خلاف في وعلى الأسلوب النضالي ضد العدو الصهيوني المحتل وليس على الهدف، الأمر الذي يمثل تشابها، بل وتداخلا بين الوضعين اللبناني والفلسطيني، من هذه الزاوية.

إن التحفظ الأساسي الذي تطرحه السلطة الشرعية المنتخبة ديمقراطيا في لبنان والتي يشترك فيها "حزب الله" نفسه، هو أن قرار الحرب والسلم ينبغي أن يكون بيد هذه السلطة التي تمثل غالبية اللبنانيين، وليس بيد حزب أو فئة أو مجموعة بعينها، ذلك أن مغارم الحرب، إنما تطال الجميع دونما استثناء، كما هو حاصل الآن، وإذن فلا بد أن يكون لهؤلاء الجميع، عبر سلطتهم المنتخبة رأي في كل من قرار الحرب و/ أو السلم.

إن الكاتب إذ يجد بعض الحق في تحفظ البعض على انفراد "حزب الله" بقرار الحرب في لبنان، إلا أنه يجد الحق كل الحق، في أن يقف الجميع، في الوطن العربي عامة، وفي لبنان خاصة إلى جانب المقاومة اللبنانية البطلة، التي مرغت سابقا (عام 2000) وتمرغ الآن (عام 2006) أنف العدو الصهيوني المتغطرس، ومن ورائه أنف الولايات المتحدة الأمريكية الداعمة له بالرغام، ولاسيما أن "حزب الله" لم يشن حربا على (إسرائيل)، وإنما قام بأسر جنديين (إسرائيليين) بهدف استبدالهما بأسرى لدى (إسرائيل).

هذا وعندما يتوقف العدوان (الإسرائيلي) على لبنان الشقيق، فلن يكون صعبا على الطرفين (المقاومة والسلطة المنتخبة) أن يجدا بصورة مشتركة الحل المشرف والمناسب لكافة اللبنانيين، وأن يتعاونا معا على إعادة إعمار بلدهم الذي دمرته الآلة الصهيو - أمريكية البغيضة من أقصاه إلى أقصاه.

إن التلاحم الوطني مع المقاومة، والذي بدأت ملامحه الإيجابية تطبع الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان الشقيق، مع دخول العدوان (الإسرائيلي) أسبوعه الرابع، وبعد مذبحة قانا المؤلمة، إنما يعطي الدليل الواضح على صحة ما نقول.

4 - الجماهير العربية قلوبها مع المعارضة وسيوفها تنتظر!:

لقد بات مألوفا التكلم عن فجوة سياسية في الوطن العربي، بين الأنظمة الحاكمة من جهة، والجماهير العربية (الشارع العربي) من جهة أخرى، من حيث أن هذه الجماهير لا تتفق مع الأنظمة العربية، في هذا الموقف الخانع والمتفرج على كل صنوف المهانة وإراقة الدماء التي يمارسها التحالف الأنغلو - أمريكي - الصهيوني على الأرض العربية عامة، وفي لبنان وفلسطين والعراق هذه الأيام خاصة. إن الفارق بين موقف الأنظمة العربية وموقف الجماهير العربية بنظر الكاتب هو فارق كمي وليس نوعيا، وإلاّ، فأين هو هذا الشارع من العدوان الوحشي المستمر على الشعب الفلسطيني منذ مفتتح القرن الماضي وحتى هذه اللحظة؟! وأين هو هذا الشارع من التدمير الأمريكي المنسق للعراق، أرضا وشعبا وتاريخا وحضارة ودولة منذ عام 1989؟! وأين هو هذا الشارع من الاحتلال (الإسرائيلي) لهضبة الجولان الإستراتيجية منذ عام 1967، وطمطرة النظام الوراثي (اليساري!) على هذا الاحتلال حتى هذه الساعة؟!، وأين هذا الشارع من صيحات عبير وهدى وأطفال قانا الـ 36؟!! وأين... وأين...؟!.

إن العلاقة بين الجماهير والحاكم في معظم الأقطار العربية، تحكمها - على ما نرى – ما يسمى بعلم الاجتماع بغريزة القطيع، من حيث أن هذه الجماهير غالبا ما تربط مواقفها بموقف حكامها، ولاسيما ذوي الكارزمية القيادية منهم، وينتهي بها المطاف إلى تسليم مقاليد أمورها لهذا القائد الملهم (!) الذي يمكن أن يبقى على كرسي الحكم مادام على قيد الحياة، كما هي حال فلان وفلان من الحكام العرب المعروفين!!. إن غريزة القطيع هذه، تتماهى واقع الحال مع مفهوم العصبية عند ابن خلدون، ذلك المفهوم الذي يعود إلى ما قبل الإسلام، وإلى ما قبل المرحلة الصناعية، أي المرتبط، من جهة بالعصر الجاهلي، ومن جهة ثانية بالمجتمع الإقطاعي، والذي يتناقض - عمليا - مع مثلث الديمقراطية، والعلمانية، والمواطنة، الذي يعتبر بموجبه كل من يعيش على أرض الوطن، ويحمل جنسيته سواسية كأسنان المشط. إن المواطنة هنا تمثل قاعدة هذا المثلث الذهبي، بينما تمثل الديموقراطية والعلمانية ضلعيه الآخرين، وعندما نصل إلى هذه الصورة المشرقة عندها سوف ينتصر الشارع العربي لشعب العراق، ولشعب فلسطين، ولشعب لبنان، ويصبح صندوق الاقتراع هو الذي يأتي بالحاكم والذي يذهب به، وليست غريزة القطيع ولا عصبية ابن خلدون. الحاكم الذي سيكون عندها أبيض وخبير، وليس أحمر وخبير، حيث نشير باللون الأبيض هنا، إلى أنه ينطوي على ألوان الطّيف / قوس قزح السبعة المعروفة، كإشارة إلى خاصّية التعددية السياسية والحزبية والأيديولوجية وبالتالي قبول الرأي الآخر، التي من المفروض أن يتحلّى بها الحاكم المجسّد لإرادة الأمة والشعب.