خمس قوى تبحث في مركب واحد

د. ثائر دوري - سوريا

منذ بداية هذه السنة وكل مدقق في الشأن السياسي العام كان يدرك أن المنطقة مقبلة على انفجار كبير، وبعضهم حدد موعد له في الخريف، وهذا أمر أكده أمين عام "حزب الله" سماحة السيد حسن نصر الله فيما بعد.

كان من الواضح أن المنطقة شرق السويس، الممتدة من قناة السويس إلى طهران وتالياً كابول، إضافة إلى أنها تفور وتغلي، بات واضحاً أنها منذ معركة الفلوجة الثانية قد دخلت في حالة توازن بين أطراف المقاومة أو الممانعة للمشروع الأمريكي، وهي بشكل أساسي خمس أطراف: المقاومة العراقية، المقاومة الفلسطينية، "حزب الله"، دمشق، طهران، ومنذ شهور يمكن إضافة قوة سادسة لها هي طالبان العائدة إلى الساحة الأفغانية بقوة (وبالطبع فإن ما يجمع هذه القوى هو عدائها للمشروع الأمريكي وكل لأسبابه الخاصة، لكنها جميعاً باتت في مركب واحد يبدو أن القفز منه، أو المساومة عليه صارت صعبة على أي طرف من هذه الأطراف، كما أن أية هزيمة تلحق بواحدة من هذه القوى الخمسة سيكون لها مفعول الدومينو وبالعكس في حال النصر).

بدا منذ معركة الفلوجة الثانية أن هناك حالة توازن وتقابل قتالي بين هذه القوى وبين المشروع الأمريكي الصهيوني. ففي الميدان العراقي، الذي أراد الأمريكان أن يكون ميدان حسم معاركهم مع العرب والمسلمين وتالياً مع العالم مرة واحدة وطيلة القرن الحادي والعشرين، فجهزوا ميدان المعركة لثلاثة عشر عاماً بالقصف اليومي والحصار الوحشي كي يكون النصر كاسحاً عندما تحين لحظة الغزو. لقد أرادوه نصراً كاسحاً لا تقوم للعرب والمسلمين قيامة بعده، إلا أن مفاجأة الميدان العراقي غير المتوقعة، والمتمثلة بالمقاومة العراقية، قلبت كل حسابات الأمريكان وبدل أن يتحول العراق المحتل أمريكياً إلى عمود ارتكاز للمشروع الإمبراطوري الأمريكي شاهدناه يتحول إلى معول هدم لهذا المشروع بل أشبه بثقب أسود يمتص كل ما يدفع به الأمريكان من مال ورجال............

عجز الأمريكان عن إنجاز الركيزة الأساسية لمشروعهم الإمبراطوري في العراق بفعل المقاومة المسلحة، التي لم تترك جنود الإمبراطورية يرتاحون في أرض الرافدين لحظة واحدة. فتوقفت محركات الدبابات الأمريكية عن الدوران وغاصت في طين دجلة والفرات، وهي التي كان يُراد لها أن تتابع شرقاً وغرباً إما بالغزو المباشر أو بتأثير الصدمة والرعب لتشكل (الشرق الأوسط الجديد)، الذي ينتهي فيه الفلسطينيون كشعب وإلى الأبد، فتستكمل الصهيونية ابتلاع ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية وتقيم الإدارة الأمريكية إمبراطوريتها الإقليمية من حدود الصين إلى الأطلسي، وبالتالي تضمن السيطرة على البترول حتى تاريخ نفاذه، وتمنع قيام قوة منافسة فيبقى القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً.

إن ضخامة هذا المشروع الأمريكي والتأثيرات الهائلة لفشله جعله أكبر من أن يُهزم في العراق وحده. ولتوضيح هذه النقطة نشير إلى أنه لو كانت نتائج المجابهة بين قوات الاحتلال الأمريكي والمقاومة العراقية تخص حدود العراق الجغرافية المعروفة لأقرت الولايات المتحدة بالهزيمة أمام المقاومة العراقية ولانسحبت، لأن مشروع الغزو بات خاسراً فيما لو كانت حسابات الربح والخسارة تخص العراق وحده، ولكن بما أنه مشروع غزو العراق مشروع إقليمي وتالياً كوني، فإن الربح والخسارة في هذه الحالة معان أخرى تتجاوز حدود العراق الجغرافية. بمعنى أن حساب الخسائر لا يحسب كما في الحالة الاستعمارية التقليدية، نحن نربح من العراق عشر مليارات مثلاً ونخسر بالمقابل على جيشنا عشرين ملياراً إذاً يجب أن ننسحب. بل إن المعادلة هي التالية نحن نخسر في العراق مائة مليار لكن لو انسحبنا لخسرنا ألف مليار في الإقليم وفي العالم ........... وهذا أمر طبيعي نتيجة الترابط الوثيق بين أطراف الإقليم وتأثير الدومينو في حالتي الربح أو الخسارة.

وبما أن حسابات الربح والخسارة أكبر من حدود العراق الجغرافية، فقد زجت الإدارة الأمريكية بمزيد من القوات وبمزيد من القمع والتدمير في ظل تفوق جوي مطلق على أمل أن يحدث اختراق ما في الساحة العراقية يعيد دوران عجلات الدبابات الأمريكية على طريق "الشرق الأوسط الكبير". لكن لا تدمير الفلوجة، الذي حرم المقاومة من أرض محررة بشكل تام، كان يمكن أن تبني عليها مؤسساتها المستقلة، وهذا أمر لو تم، سيكون عظيم التأثير على الإقليم. لا تدمير الفلوجة ولا الحملات المستمرة على مدن الأنبار البطلة، ولا محاولات إغراق الثورة العرقية المسلحة بالحرب الأهلية نجحت في تحقيق الاختراق المطلوب أمريكياً، فقد بقيت الثورة المسلحة متقدة ومنعت الأمريكان من إنجاز مؤسسات سياسية عراقية تمتلك الحد الأدنى من الحياة المستقلة وهذا أمر حيوي لحياة المشروع الإمبراطوري. فرأينا مؤسسات عاجزة كسيحة تستنجد بالأمريكان كل حين ويتدخل الأمريكان بكل صغيرة وكبيرة لتسيير أمورها مما حول هذه المؤسسات إلى عبء على قوات الاحتلال بدل أن تساعدها. لقد أنجز مؤسسات سياسية هزيلة لا تقوى على الوقوف على قدميها فبقيت تتغذى من ثديي الاحتلال بشكل مباشر، وبات هذا الوضع يستنزف الإدارة الأمريكية التي أدركت أن الوقت لا يعمل لصالحها بل لصالح المقاومة، فكانت محاولة افتعال حرب أهلية بواسطة العمليات القذرة والقتل والخطف لكن الجسم العراقي امتص إلى حد كبير هذه الصدمة وأحسن التعامل معها.

بعد الفشل في الميدان العراقي تغيرت الإستراتيجية الأمريكية فبدأت محاولة كسر الإقليم من خارج العراق، من المحيط. وهذا تغير مهم في الإستراتيجية الأمريكية، فحسب الخطة الأصلية هدف الاستيلاء على بغداد كسر القدس وغزة ودمشق وطهران وبيروت. ولنتذكر في هذا السياق مقالة كيسنجر قبل غزو العراق والتي اعتمدها "المحافظون الجدد" خطة عمل لهم وعنوانها ((الطريق إلى القدس يمر ببغداد))، والتي يقول فيها إن إخماد الانتفاضة والسيطرة على القدس مجددا يستلزم الاستيلاء على بغداد، فحسب زعمه ما إن تسقط بغداد حتى يستسلم الفلسطينيون.

بدأت محاولة إحداث اختراق في المنطقة الممتدة غرب بغداد من بيروت إلى دمشق. ففي بيروت بدأ الأمريكان هجوماً ضخماً توج بإخراج الجيش السوري والهجوم السياسي على سلاح المقاومة بهدف نزعه إلا أنه وعند حد معين استعادت الساحة اللبنانية توازنها بين الأطراف المسوقة للمشروع الأمريكي والأطراف المقاومة له، وبدا واضحاً أن النيل من سلاح المقاومة شيء لا قبل للأمريكان وحلفائهم بإنجازه سلمياً، فانتقلت محاولة الكسر إلى دمشق وفشلت هذه المحاولة، حيث اجتاز النظام ما كان مخططاً له في الشهر العاشر والحادي عشر من العام الماضي، وبقيت المواقع ثابتة كما هي بعد أن ظن الجميع أن العدو كاد يكسر حلقة من الحلقات، وكانت المفاجأة التالية هي نوع من الهجوم المضاد إذ صعدت حماس إلى السلطة بانتخابات ديمقراطية مما أكسب القوى المعادية للمشروع الأمريكي قوة جديدة وأضاف نقاطاً لصالح الطرف المقاوم. فبدأت من جديد محاولة إحداث كسر سياسي في الساحة اللبنانية يخص سلاح المقاومة عبر إسقاط الرئيس لحود والإتيان برئيس يتساوق مع طروحات المشروع الأمريكي. فبدا وكأن الأمريكان يحاولون التعويض في بيروت عما خسروه في غزة. لكنهم لم يتمكنوا من ذلك فهدأت الأمور قليلاً لتنتقل المعركة إلى جبهة طهران وعنوانها هذه المرة الملف النووي، وصمدت طهران........

 عاود الإسرائيليون محاولة "اجتثاث حماس" فعلى مدى شهر كامل صعد الصهاينة وتيرة القتل اليومي المعتادة في غزة فقصفوا الشواطيء، وهدموا الدور فوق رؤوس ساكنيها، وحاصروا غزة براً وبحراً وجواً. فكان لا بد لـ"حزب الله" أن يهب لنجدة غزة التي توشك أن تختنق فقام بما قام به عندها أخرج الصهاينة من الأدراج خطط غزو لبنان التي كانوا قد أعدوا العدة للقيام بها بعد شهرين أو ثلاثة أشهر وبعد أن ينتهوا من تدمير غزة و"اجتثاث حماس".

وعلى الفور أعلنت رايس الأهداف الحقيقية لقصف لبنان، وبدون مواربة، "شرق أوسط جديد". وهذا يعني عودة إلى نفس المشروع الذي غرق في أرض العراق. فسقوط بيروت، حسب اعتقادهم، سيكون له مفعول الدومينو، سترتعد فرائض غزة فتستسلم وستنطلق آلية تغيير أمريكية في سوريا وبالتالي تختنق المقاومة العراقية ويطبق الأمريكان حصار تاماً حول طهران. لكن ذلك فشل أيضاً فقد صمد "حزب الله". بل وألحق هزيمة تاريخية بالعدو الصهيو- أمريكي رغم ميزان القوة العسكرية المختل بشدة لصالح الصهاينة. لقد اجترح "حزب الله" معجزة لا أحسب أن أحداً من أشد المتفائلين كان يتخيل حدوثها. وبات الأمريكان يخشون من دومينو معاكس، فكما أن هناك دومينو متوقع كان سينجم عن هزيمة "حزب الله"، لو حدثت، فمن المتوقع أن يكون هناك دومينو معاكس ناجم عن انتصاره.

في النهاية يجب قول كلمة لا بد منها وهي أن قوى المقاومة في المنطقة قد أضافت بانتصار "حزب الله" نقاطاً هامة إلى رصيدها وهي جميعاً رابحة. لكن المعركة لم تنته بعد والعدو الصهيو – أمريكي سيحاول وبشكل سريع تعويض خسارته في نقطة جديدة يظن فيها ضعفاً. فأين سيكون العدوان القادم ؟ هذا أمر ما زال في علم الغيب حتى الآن، لكن من المؤكد أن ظروف أي عدوان ستكون أصعب على الطرف المعتدي كما أن احتمالات نجاحه أقل، وسيخسر العدو مزيداً من النقاط، ويجب التذكير دوماً أن المعركة بين قوى المقاومة والمشروع الأمريكي هي معركة يتم كسبها بالنقاط لا بالضربة القاضية.

تبقى الإشارة إلى نقطة ضعف تحتاج إلى معالجة وهي الخلافات بن قوى المقاومة في المنطقة، وهي خلافات تبدو أحياناً وكأنها تطغى على التناقض الأساسي مع العدو الصهيوني، صحيح أن المعركة الأخيرة قد جعلت هذه الخلافات تتراجع إلى الخلف إلا أن الأمر يحتاج إلى مقاربة سريعة لحل الخلافات وصولاً إلى التحالف بين قوى المقاومة. وبالتأكيد فإن الساحة العراقية هي التي يجب أن ينصب بها هذا الجهد، الجهد الهادف إلى حل خلافات المقاومين مع بعضهم . لماذا العراق؟

لأنه في هذه الساحة تتكثف خلافات أعداء المشروع الأمريكي. إن العدو يراهن على هذه الساحة كمدخل للتفتيت لذلك يجب أن نحولها إلى مدخل للتوحيد وهذا ممكن شرط توفر الجهود المخلصة وإدراك أن اللحظة التاريخية التي تمر بها الأمة تفترض التسامي على الجراحات وخلافات الماضي، وتبني لغة تصالحية تنحي الخلافات جانباً وتركز على المشترك الذي يجمع، وبالطبع هذا لا يعمي أن يتخلى كل طرف عن فكره ورؤيته للكون. لكن البحث عن القواسم المشتركة ممكن خاصة وأنها كثيرة . كما نشير هنا إلى أن ايران لديها الكثير الذي تستطيع أن تقدمه في هذا المجال مما يمكن أن يزيل أي لبس حول دورها الإيجابي في الصراع العربي الصهيوني. ويسرع بهزيمة المشروع الصهيو- أمريكي.