فيالق الإعلام في الحرب النفسية والعسكرية

د. حسن طوالبة /كاتب وباحث أكاديمي من الأردن

شاعت نظرة حول الإعلام الغربي بأنه إعلام حر يتحرك في أجواء الديمقراطية الليبرالية، وبأنه إعلام غير ملتزم، وبأن الحكومات الغربية لا تتدخل بتوجهات الإعلاميين ولا تمارس أي ضغط عليهم أو على وسائل الإعلام المختلفة (المرئية والمسموعة والمقرؤة) ويمكن القول أن هذه النظرة صحيحة إلى حد كبير ولاسيما في أوقات السلم، فلوسائل الإعلام قدر كبير من حرية التعبير، ونقد الظواهر، ونقد المسؤولين في الدولة أيضا. ولكن هذه الوسائل الإعلامية تُشكل فيلقا مقاتلا في أوقات الحرب، وتأتمر بأوامر الجنرالات العسكريين. وعلى سبيل المثال فقد تم حجز الإعلاميين فوق سفينة حربية خاصة أثناء حرب الفوكلاند عام ،1982 وقد روى لي احدهم، أنهم كانوا أشبه بالمعتقلين أو المحتجزين، وليس لهم من مصدر حول مجريات تلك الحرب، سوى الناطق العسكري الذي كان يزودهم بموجز عن مجريات القتال بين فترة وأخرى. وكذلك الحال عندما شنت الولايات المتحدة عدوانها على العراق عام 1991 و2003، إذ كانت القوات العسكرية تمنع الإعلاميين من مرافقتها أثناء سير المعارك، وقد حدث أن اصطدمت بفريق من الإعلاميين الفرنسيين واستخدمت القوة معهم عندما عزموا على تغطية إحدى المعارك التي وقعت بينها وبين القوات العراقية آنذاك، وتم قتل وجرح أعداد كبيرة من الجنود الأمريكيين.

وفي حالة اسرائيل فإن الإعلام "الاسرائيلي" يشكل فيلقا مساندا للفيالق العسكرية ويُنفذ تعليمات القادة العسكريين، في التعبئة الداخلية والتحريض ضد العدو المقابل، كما تمارس القيادات العسكرية دورا امنيا دقيقا على الإعلاميين الأجانب، حيث تحظر عليهم الاقتراب من مواقع القتال فوق الأرض، أو الاقتراب من أماكن سقوط صواريخ "حزب الله" في المدن والبلدات "الاسرائيلية"، حتى لا يتم الكشف عن مدى دقة إصابة تلك الصواريخ، وبالتالي إعطاء حزب الله معلومات دقيقة عن الأهداف العسكرية أو البنى التحتية التي استهدفها. كما أن الرقابة العسكرية "الاسرائيلية" تُدقق على رسائل الإعلاميين العرب وخاصة الجزيرة، باعتبارها بوقا إعلاميا للفيلق الإعلامي العربي الذي يؤيد حزب الله. وقد تم اعتقال مدير مكتب الجزيرة لمدة من الزمن، في رسالة تهديد لكل الإعلاميين الآخرين. ولذلك كانت الصور من داخل "اسرائيل" صورا بعيدة جدا تلتقطها العدسات عن بعد، وكل الصور التي شاهدناها كانت من مصدر "اسرائيلي"، والمقصود منها إظهار "حزب الله" بالمعتدي الذي يستهدف المدنيين وبالذات من السكان العرب.

وإثارة الرأي العام العالمي ضد الحزب وضد العرب والمسلمين، وتحريض "عرب اسرائيل" ضده وبأن صواريخه لا تفرق بين يهودي وعربي.

ينطلق الإعلام "الاسرائيلي" من عقيدة توراتية، تدعو إلى العنف ضد الآخرين من (الغوييم)، والعرب منهم، فقتلهم لا يثير شفقة، بل يرضي قناعات اليهود سواء الساكنين في فلسطين أو في بقاع العالم. وبالمقابل يعمل الإعلام الصهيوني بعامة على استثارة عطف الرأي العام العالمي على "اسرائيل" من خلال عرض الخسائر البشرية والمادية، وتضخيم تلك الخسائر، لكي تُصبح فيما بعد فاتورة مالية واجبة الدفع من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الغنية المانحة والمؤسسات الاقتصادية الصهيونية في العالم.

وفي إطار الالتزام بالسياسات العامة للقيادات "الاسرائيلية" المدنية والعسكرية، فإن الإعلام "الاسرائيلي" لم يُضخم أنباء التنقلات التي حصلت في قيادات الجيش "الاسرائيلي" بل نقلت تلك الأنباء من دون إخلال بالتعليمات وبالسقف المسموح به في التناول الإعلامي أو التحليل والنقد. وهذا الالتزام الدقيق ينفي تلك النظرة أو الانطباع المأخوذ عن حرية الإعلام "الاسرائيلي".

وشارك الإعلام الحربي "الاسرائيلي" في الحرب النفسية ضد "حزب الله" وضد اللبنانيين بعامة، وقد استخدم أساليب معروفة في الحرب النفسية في مقدمتها قذف المنشورات من الطائرات أو بالمدفعية، تدعو المواطنين اللبنانيين إلى النزوح من ديارهم، وقد أجدى هذا الأسلوب الذي ترافق مع فعل ميداني إرهابي ضد المدنيين، حيث ارتكبت القوات "الاسرائيلية" عشرات المجازر في المدن اللبنانية، وعليه فإن القصف المبرمج هو الذي اجبر المدنيين على النزوح وليس المنشورات فحسب، بل ترافق مضمون المنشورات مع الفعل العسكري، وهذا ما حصل في قطاع غزة، اذ يتم إنذار ساكني المنزل بالهاتف للرحيل عنه خلال ساعة، وما تمضي نصف ساعة أو اقل حتى يُقصف المنزل. كما تهدف المنشورات "الاسرائيلية" إلى "تفريد الخصم"، أي استثارة المواطنين اللبنانيين ضد "حزب الله"، بدعوى انه كان السبب في ما أصابهم، عندما اسر جنديين "اسرائيليين"، ولكن صوت المواطنين اللبنانيين علا من على الفضائيات بأن "اسرائيل" هي المجرمة، إذ لا يُعقل أن يدمر بلد بالكامل ويُقتل شعبه بالألوف ويشرد بالملايين لمجرد اسر جنديين، فهذه المنشورات لم تُحقق الهدف الأساسي من قذفها، بل زادت من التفاف اللبنانيين حول بلدهم وقيادتهم الموحدة.

وبالمقابل فإن الفيلق الإعلامي العربي ممثلاً في الفضائيات أولا كان النّد القوي للفيلق "الاسرائيلي"، ويقف في مقدمة الفيلق العربي، قناة المنار الناطقة باسم "حزب الله"، ورغم أن الطيران "الاسرائيلي" قد دمر مبنى المنار في الضاحية الجنوبية من بيروت، إلا أن صوت المنار ظل قويا يتسم بالهدوء والموضوعية، ويعتمد المعلومة الدقيقة سواء من بيانات "حزب الله"، أو من رصد الإعلام "الاسرائيلي" دقيقة بدقيقة. كما أثبت "حزب الله" قدرته على التخفي تحت الأرض، فقد تمكنت قناة المنار من الاختفاء عن عيون الرصد الاسرائيلي. وتقدمت قنوات الجزيرة والعربية فيلق الإعلام العربي من خلال تسخير كل ساعات البث لتغطية أنباء الحرب التي سميت بـ "الحرب السادسة" أو "الصيف الساخن" أو "حرب القرن الثانية". والملفت للنظر أن شبكة مراسلي الفضائيات العربية غطت مناطق القتال البري في جنوب لبنان وأماكن القصف الجوي في بيروت والبقاع والشمال والساحل، وبرز صوت صحافيات عربيات شابات غالبيتهن من لبنان، غطين مجريات الحرب بكل جرأة وثبات وإقناع. وقد تبدلت لهجة الخطاب الإعلامي العربي، من اللهجة العاطفية، إلى اللهجة الواقعية التي تعتمد نقل الحقائق المرئية فوق الأرض أو نقلا عن شهود عيان من أهل المناطق التي تتعرض للقصف.

وإذا تم التركيز على قناتين عربيتين يشار إليهما بالبنان، فإن القنوات العربية الأخرى كان لها حضور في نقل وقائع الحرب في إطارها العسكري والسياسي والدبلوماسي، وقد تراوح النقل والتغطية بين النشرات المكرسة أو البرامج، ولا بد من الإشارة إلى الفضائية الجزائرية التي كرست بثها لتغطية الحرب من خلال وكالات الأنباء أو المقابلات، وبث الأغاني الوطنية، والدعوة للتبرع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في حالة النازحين اللبنانيين. وكان لفضائيات دول الخليج العربي دور بارز في التعبئة والدعوة لجمع التبرعات.

وإذا كان التركيز على الفضائيات فإن لوسائل الإعلام الأخرى المسموعة والمقروءة دورا متميزا في التحليل والتعبئة الجماهيرية، حيث أرجعت وسائل الإعلام العربية أجواء الحماسة لدى المواطنين العرب، بحيث عبر عدد كبير من الشباب العرب عن رغبتهم في التطوع والالتحاق بقوات حزب الله.

والحقيقة الأسطع هي أن نجاح فيلق الإعلام العربي، ما كان بهذه الصورة لولا صمود "حزب الله"، وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وكذلك لولا الرؤية الواقعية والثورية لقائد حزب حسن نصر الله، الذي اقترن قوله بالفعل الميداني الدقيق والذي تعايش مع آلام اللبنانيين، تفهم الظروف المحيطة بلبنان فأبدى كل الانسجام مع التوجهات العامة للحكومة اللبنانية. وبهذا الصمود الأسطوري نجح فيلق الإعلام العربي في مواجهة فيلق الإعلام الصهيوني.