أي مغزى وراء (الشرق الأوسط الجديد)؟
د. حسن طوالبة /كاتب وباحث أكاديمي من الأردن
مصطلح (الشرق الاوسط)، تسمية غربية أوروبية، وهو مكمل مصطلحي (الشرق الأدنى) و(الشرق الأقصى)، أي البلدان الواقعة في الشرق الآسيوي، وقد أطلق مصطلح (الشرق الأوسط) على البلدان العربية الواقعة في قارة آسيا، ولكن هذا المصطلح الجغرافي غير محدد المساحة فتارة يعني البلدان العربية الآسيوية، وتارة أخرى يضاف له بلدان مثل ايران وتركيا، وأخيرا أضيفت (اسرائيل).
المهم أن هذا المصطلح جاء بديلا عن مصطلح الوطن العربي، بحيث يترسخ في الوجدان العربي، ويصبح على لسان الأجيال الشابة التي ولدت مع ولادة مثل هذا المصطلح. أي أنه يعني إلغاء فكرة الوطن العربي، والأمة الواحدة، وبالتالي إلغاء فكرة الوحدة العربية، بدخول أمم وشعوب أخرى في نطاق مصطلح (الشرق الاوسط) مثل الأمة الفارسية والأمة التركية و(اليهود) الذين يسعون لتشكيل قومية من خلال الدين، رغم أن (اليهود في اسرائيل) هم خليط من الأقوام والأمم.
صحيح أن الأوروبيين هم الذين وضعوا تلك التصنيفات وخاصة الانجليز منهم، نظرا لأن الأسطول البريطاني كان يجوب كل البحار والمحيطات في الكرة الأرضية، بحيث كان ذاك الأسطول محط نظر الباحثين العسكريين والاستراتيجيين، واخترعت نظرية (الأسطول) و(سيد البحار) ولكن عندما خفت نجم الإمبراطورية مع أوائل القرن العشرين وبالذات بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، برز نجم الولايات المتحدة التي خرجت من تلكما الحربين منتصرة، نظرا لأن ولاياتها لم تطلها نار الحربين، في حين أحرقت مدن وبلدات أوروبا.
لقد كان الأسطول البريطاني محط إعجاب الباحثين الأمريكيين، فهذا "الفريد ماهان" الذي درس تجارب الأسطول البريطاني وخرج بنظرية جغرافية سياسية مفادها أن القوة البحرية هي القوة المؤثرة في السياسة الدولية، وأن من يملك الأسطول القوي، قادر على الحركة السريعة والوصول إلى أماكن الأحداث والأزمات في العالم بأقصى سرعة، وزادت أهمية الأسطول بعد أن تم تطوير السفن إلى حاملة طائرات حربية، وبعد تطوير الغواصات التي صارت تحمل رؤوسا نووية جبارة، فمنذ عام 1902، أطلق هذا الجغرافي الأمريكي "ماهان" على هذه المنطقة مصطلح (الشرق الأوسط)، وصارت هذه المنطقة مهمة نظرا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يتوسط العالم، وصارت محط أطماع القوى العالمية منها ألمانيا وروسيا وبريطانيا، ولذلك جاء الاهتمام الأمريكي بالمنطقة لمنع النشاط الروسي في ايران آنذاك، والوقوف دون التوجهات الألمانية إزاء المنطقة، ولاسيما في مواجهة المشروع الألماني بمد سكة حديد برلين- بغداد.
وظلت هذه المنطقة محط اهتمام الغرب والصهاينة أيضا، فكانت اتفاقية (ساسكس- بيكو) 1916، ثم (وعد بلفور)، ثم الانتدابين البريطاني والفرنسي، ثم إقرار قرار التقسيم 1947، ثم زرع الصهاينة في فلسطين. وتجدد الاهتمام الأمريكي بالمنطقة أثناء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة فجاءت أفكار (حلف بغداد) ثم نظرية (ملء الفراغ) لايزنهاور، لمواجهة المد الشيوعي في المنطقة.
وبعد توقيع (اتفاقيات كامب ديفيد) بين مصر و(اسرائيل)، و(اتفاق أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية و(اسرائيل)، و(وادي عربة) بين الأردن و(اسرائيل)، تحدد الحديث عن (الشرق الأوسط الكبير) بهدف إدماج (اسرائيل) في بناء المنطقة، وتم عقد عدة مؤتمرات باسم (الشرق الأوسط) في العواصم العربية، شاركت فيها (اسرائيل)، وعرضت عشرات المشروعات الاقتصادية المقترح تشغيلها في البلدان العربية.
ولا يخفى أن (اسرائيل) هي صاحبة فكرة (الشرق الأوسط الكبير)، إذ طرح شمعون بيرس هذه الفكرة، وعلى أساسها جاءت مشاركة الحكومات (الاسرائيلية) في تلك المؤتمرات. وقد أرادت من فكرة (الشرق الأوسط)، تحقيق تكامل اقتصادي بين بلدان المنطقة، وتكون (اسرائيل) جزء منها، بحيث تكون القوة الفاعلة في هذه المنظومة الاقتصادية التي تقوم على فكرة "الاقتصاد الحر"، و"تحرير التجارة" بين الأطراف المشاركة، وبهذا تتفوق (اسرائيل) نظرا لما تتمتع به من قوة عسكرية وعلمية، وخبرة في شؤون الاقتصاد العالمي الحر.
وبعد أن تم احتلال العراق، وغاصت القوات الأمريكية في مستنقع يصعب الخروج منه، بفعل قوة المقاومة العراقية، وفشل التجربة السياسية العراقية في ظل الاحتلال، وبعد أن تصاعد العداء للولايات المتحدة، تم تكليف (اسرائيل) بإجهاض المقاومة المسلحة في فلسطين ولبنان. وسارعت وزيرة خارجية الولايات المتحدة كوندوليزا رايس وقبل أن تقف الحرب العدائية التي تشنها (اسرائيل) ضد لبنان وضد "حزب الله" بخاصة، سارعت إلى طرح فكرة (الشرق الأوسط الجديد). تحمل في طياتها الأفكار القديمة، أفكار الاستعمار القديم المتجدد.
وإذا كانت الأفكار القديمة تستبعد إشراك (اسرائيل) في فكرة (الشرق الأوسط)، فإن الاتفاقيات التي أبرمتها أطراف عربية و(اسرائيل) فتحت الباب أمام الإدارات الأمريكية أن تضع (اسرائيل) في مقدمة العربة وليس في وسطها أو مؤخرتها، باعتبارها الدولة الديمقراطية المتقدمة في المنطقة.
إن فكرة (الشرق الأوسط الجديد)، لا تكتفي بإشراك (اسرائيل) فيه تجاريا واقتصاديا، بل تتضمن "مواجهة الإرهاب"، أي مواجهة قوى المقاومة المسلحة وقوى الممانعة السياسية والثقافية في الوطن العربي، على اعتبار أن كل من يرفع راية الجهاد ضد المحتل الغاصب هو إرهابي.
وكذلك يهدف إلى مواجهة "الأصولية الإسلامية"، أي منع الأحزاب السياسية الدينية من المشاركة في الحياة السياسية أو الوصول إلى مواقع الحكم الأولى، وتشجيع حركات الانفصال القائمة على أصول عرقية ودينية وطائفية وقومية، وبالتالي يكون (الشرق الأوسط الجديد) جامعا لكيانات مجهرية مفتتة ضعيفة لا تملك مقومات القوة المادية أو الروحية. وبالتالي تكون (اسرائيل) وتركيا من أبرز أقطاب هذا "الشرق الجديد".
إنها مجرد أفكار ومشروعات هدفها النيل من الهوية القومية العربية، وطمس فكرة الوحدة العربية من العقول ومن الأذهان، بحيث تبقى مجرد فكرة نظرية غير واقعية وصعبة التحقيق.
ولكن فرص نجاحها تظل محدودة إن لم نقل مستحيلة، ولاسيما بعد صمود المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان، وبعد أن تبخرت "أسطورة الجيش (الاسرائيلي) الذي لا يُقهر"، وبعد أن صارت الإدارات الأمريكية وجوها كالحة سوداء مكروهة من قبل العرب والمسلمين، وبعد أن فشلت أفكار الإصلاح القادمة من الخارج، وبعد أن فشلت التسوية مع (اسرائيل) عموما، وصار من المستحيل التطبيع معها.