عرب يحاربون العرب الذين يحاربون أعداءهم!!

لماذا الإصرار على نزح سلاح المقاومة؟

الدكتور عزت السيد أحمد

منذ اغتيال الحريري في شباط العام الماضي كتبت في ملابسات الاغتيال والمخطط المعقود على الاغتيال، وكان من المقالات التي كتبتها ونشرتها، وهي منشورة على العديد من مواقع شبكة المعلومات، مقالاً يكشف عن المخطط التالي لمرحلة ما بعد اغتيال الحريري وهو تجريد "حزب الله" من سلاحه بأيدي لبنانيَّة.

لم تتوقف الأصوات اللبنانية الناطقة بلسان الصهيونية عن المطالبة بنزع سلاح "حزب الله" منذ اغتيال الحريري إلى ما قبل الحرب العدوانية الدموية الحاقدة من الكيان الصهيوني على لبنان. ولا بعد هذه الحرب.

نميز بَيْنَ ما قبل الحرب وما بعدها لأنَّ الضرورة تقتصي منَّا هذا التَّمييز. فالحرب وما بعدها مرحلة، وما قبل الحرب وصولاً إلى اغتيال الحريري مرحلة، وما قبل الاغتيال حَتَّى التحرير عام 2000م مرحلة، وفترة ما قبل التَّحرير مرحلة رابعة.

الذي يجمع هذه المراحل معاً هو الإصرار الغربي عامَّة والصيوأمريكي خاصَّة على تجريم "حزب الله"، والمقاومة عامَّة في فلسطين، ثُمَّ في العراق، واتهامها بالإرهاب، والسعي بإصرار على تجريد المقاومة العربيَّة عامَّة من السلاح، وما سيلي ذلك بالتأكيد افتراضياً هو جرهم جميعاً إلى محاكم مجرمي الحرب والإرهابيين.

هذا ما يخطط له الغرب عامَّة وإسراميكا (إسرائيل وأمريكا) خاصَّة. وبحكم العداء القائم بَيْنَ هذا الغرب وحركات المقاومة العربية خاصة والعالم العربي والإسلامي عامَّة، من حقِّ الغرب أن يخطط كما شاء، ولذلك نحن لا نعتب على الغرب فيما يفكر فيه ويخطط له؛ إنَّهُ يخطط لمصالحه، ومصالحه تقتضي القضاء على كلِّ مقاومة لمشاريعه ومصالحه.

ولذلك لا غرابة في أنَّ الغرب كان مجمعاً منذ تأسيس "حزب الله" و(حماس( و(الجهاد( وأيِّ مقاومة عربية من طبيعة على تفكيك هذه المقاومة وتفتيتها، وإنَّمَا الغرابة والعجب في أن نجد من تدافع عنهم المقاومة وعن كرامتهم وعزتهم هم الذين يصرون على تجريد المقاومة من سلاحها وتفكيكها وتفتيتها وتقديمها لمحاكم مجرمي الحرب!!!

إن كان الغرب مجمعاً منذ البدايات؛ كل البدايات على إنهاء المقاومة فإنَّ الأفاضل العرب الناطقين بلسان إسراميكا (إسرائيل وأمريكا) قد علا صوتهم مؤخَّراً فقط وإن كان نشاطهم فيما مضى ليس أقل قيمة وخطورة، ولكِنَّهُم في الآونة الأخيرة راحوا يرفعون صوتهم عالياً بكلِّ وقاحة، بل بوقاحة وعهر ما لهما نظير فيما مضى. فمنذ تحرير الجنوب اللبناني فيما يخص "حزب الله"، ومنذ نجاح (حماس) في الانتخابات فيما يخص فلسطين، ومنذ سقوط بغداد فيما يخص الأنظمة العربيَّة، ارتفعت الأصوات الصهيوعربية عالياً في المطالبة بتفكيك المقاومة العربيَّة بمزاعم متعددة يقف على رأسها أنَّ المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، وأنَّ التفاوض السياسي هو الحل، وأنَّ المقاومة تجلب الدمار... وغير ذلك.

كلها مزاعم متناقضة قاصرة، وباختصار يجب التذكير بأن كلَّ الحلول السياسية انهارت وأثبت الواقع أَنَّهُ لا جدوى لها على الإطلاق، وأن الكيان الصهيوني والأمريكي لا يمكن أن يواجه إلا بالقوَّة. والنقطة الثانية هي أنَّ المصلحة الوطنية لا يمكن أن تكون في الذل والانصياع والخضوع للأعداء، ومن يقبل ذلك على أَنَّهُ الحل فهو خائن، ولا يمكن أن يكون لسلوكه أَو موقفه وصفٌ آخر. وفي هذا الحال الكثير من الكلام الذي لا يفوت نبيهاً ولا مخلصاً لانتمائه في أيِّ امَّة من الأمم.

إذا عدنا إلى "حزب الله"، أنموذجنا اليوم، لأنَّ الإلحاح الآن كبير من صهاينة العرب على تجريد "حزب الله" من سلاحه، والصهاينة العرب ليسوا في لبنان وحسب بل هم أيضاً معظم قادة العرب وحكامهم. فمنذ نجاح "حزب الله" في تحرير الجنوب تحريراً رفع رأس العرب عالياً واسترد عزَّتهم تعالت الأصوات اللبنانية، مع بعض حركات الحكام العرب في الكواليس، للقول بأن مهمة "حزب الله" قد انتهت، وهم يريدون القول: عليه أن يلقي السلاح...

كان هذا على الرَّغْمِ من أنَّ العدوان الصهيوني لم يتوقف على لبنان على الأقل، ولم تقل العنجهيَّة الصهيونية، ومع ذلك لم يتوقف هذا النهيق والنعيق؛ الاستفزاز الصهيوني قام، والعدوان قائم، والصهيو-عرب يطالبون ينزع سلاح "حزب الله".

"إسرائيل" وأمريكا لا يجرؤان على خوض غمار هذه المغامرة، وخاصَّة في ظلِّ تعاظم المقاومة العراقية الباسلة وإحراجها للعنجهية الأمريكية، فمن يقوم بذلك إذن؟

هنا كان اغتيال الحريري هو المدخل لصوغ لبنان جديد انكشفت مخططاته الصهيوأمريكية، وفرضت الانتخابات في أحرج الظروف اللبنانية لاستثمار الانفعالات التي تمَّ تصعيدها باغتيال الحريري وإنجاح من سمي فريق 14آذار، هذا الفريق الذي تعهد للولايات المتحدة، كما أعلن المسؤولون الأمريكيون، بتجريد "حزب الله" من السلاح. ولكِنَّهُم لم يفلحوا في ذلك، ولم يستطيعوا إثارة الفتنة الطائفية ولا الحرب الأهليَّة، فما كان منهم، وقد أشار الصهاينة والأميركيون إلى ذلك، أعطوا الضَّوء الأخضر "لإسرائيل" بتدمير لبنان لإثارة الحقد على "حزب الله"، وشارك الحكام العرب بإعطاء "إسرائيل" الفرصة للقضاء على لبنان، وهذا ما بات معروفاً أيضاً...

أخفقت الصهاينة في كلِّ ذلك من جديد وانكشفت الأقنعة كلها، وأثبت "حزب الله" أَنَّهُ قادر على ردع الكيان الصهيوني... ومع كلِّ ذلك لم يستح أحدٌ من الصهاينة العرب، وازداد الإلحاح على تجريد "حزب الله" من السلاح؟

"إسرائيل" لم تستطع قهر "حزب الله" ولا تجريده من الأسلحة، ولا فرض إرادتها على لبنان، وأعلنت وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسيبي ليفني أَنَّهُ لا يوجد جيش في العالم يستطيع أن يجرد "حزب الله" من سلاحه. ومع ذلك فإنَّ الصهاينة العرب في لبنان، ومن يقف وراءهم، يصرُّون إصرار الصراصير في الصرير على تجريد "حزب الله" من السلاح وتحقيق ما لا يستطيع جيش في العالم أن يحقق، يصر الصهاينة العرب على عدم امتلاك أيِّ سلاح يذود عن الكرامة والشرف والعرض والأرض...

لماذا هذا الإصرار؟

حَتَّى ولو كان هؤلاء خونة فإنَّ فيما مضى من الدروس والعبر ما يجعلهم يهتدون ويرعون!! فما هم إذن إذا كانت الخيانة لا تفسِّر سلوكهم؟

إنهم ليسوا من هذه الأمَّة، فقط إنهم ليسوا من هذه الأمَّة، لأنَّهُم لو كانوا خونة لاعتبروا مما لا يترك عاقلاً بلا عبرة وتوبة. ولأنهم ليسوا من هذه الأمة فإنهم يفكرون بمصالح الصهيونية وأمريكا والغرب عامَّة ويسعون لتحقيق هذه المصالح، ومصلحة هذا الغرب هي القضاء على كلِّ من وما يقاوم مشروعه ومصالحه، ولذلك فإن من هاجموا "حزب الله" بزعم الخوف من المد الشيعي كاذبون لأنَّهُم هم ذاتهم من يحارب المقاومة السنية في فلسطين والعراق، إذن هم يحاربون من يحارب أمريكا ولا يحاربون الشيعة.

هل ثَمَّةَ نكتة أوقح من هذه النكتة: عرب يحاربون العرب الذين يحاربون أعداءهم!!