من ذا الذي سيتخذ القرار؟

هل نكافئ المقاومة بقتلها؟

الدكتور عزت السيد أحمد

للأمانة والذكرى والتاريخ يقتضي منا الواجب القول إنَّ "حزب الله" هو الوحيد طيلة الصراع العربي-الصهيوني الذي استطاع أن يزرع الرعب في قلوب الصهاينة حكومة ومستوطنين، وهو الوحيد الذي استطاع أن يلجم الجبروت الصهيوني ويكبده من الخسائر ما لم يتكبده طيلة حروبه السابقة مع العرب، وأن يضعه في موقف حرج لم يوضع فيه من قبل قط. هذه حقيقة نذكرها للأمانة والتاريخ، وللذكرى أيضاً.

في الوقت ذاته فإِنَّهُ ومنذ نشأ "حزب الله" وحمل مشروعه المقاوم لم تنقطع المطالبة الدوليَّة، الغربيَّ خاصَّة، بوضع حدٍّ "لحزب الله" وتجريده من سلاحه. وكلما تصاعدت وتائر نشاط "حزب الله" في المقاومة كانت تتصاعد وتائر المطالبة بتجريده من السلاح حَتَّى استطاع أن يدحر الاحتلال الصهيوني دحراً مخزياً من الجنوب اللبناني.

ومنذ استطاع تحقيق هذا النصر بدأت المخططات الغربيَّة عامَّة، ودخلت الجهود العربيَّة على الخط، لتجريده من السلاح والقضاء على وجوده العسكري، وتتالت المغريات والضغوط ولكِنَّهَا كلها لم تفلح فكان الحل بتفجير المنطقة من خلال اغتيال الحريري، ومنذ اغتيال الحريري والمنطقة على فوهة بركان من المشاريع والمخططات الغربيَّة من أجل القضاء على "حزب الله" حَتَّى وصل الأمر ببعضهم بمن فيهم بعض اللبنانيين إلى حدِّ القول: فاتأخذ سوريا "حزب الله"إلى إليها، أَو فليذهب "حزب الله" إلى سوريا أَو إيران، وكأن "حزب الله" سيارة كورية خربانة وليس شعباً لبنانيًّا، وتكرر هذا القول حَتَّى اليوم أكثر من مرة على ألسنة أخرى غير اللبنانية كالأمريكية والصهيونيَّة.

جهود التخلص من "حزب الله" لم تتوقف لحظة واحدة ولا أبالغ أن الحكام العرب كانوا أشد إلحاحاً على التخلص من حزب من الصهاينة والأمريكيين، ومع كلِّ هذه الضغوط وهذا الحصار، والتغطية العربية الأمريكية الدولية للعدوان الدموي الوحشي على لبنان للتخلص من "حزب الله" فقد استطاع أن يلقن الصهاينة اليوم درساً مرًّا، ويكبَّدهم هزيمة نكراء طيلة منذ الثاني عشر من تموز حَتَّى اليوم الثاني عشر من آب الذي هو هذا اليوم، وكان هذا النصر في هذه الحرب أشد وقعاً وقوَّة من الهزيمة السابقة التي دحرتهم من الجنوب اللبناني، وأثبت مرة ثانية وبجدارة على محدوديته وصغر حجمه أَنَّهُ القوة الوحيدة في العالم التي استطاعت أن تتحدى الكيان الصهيوني وتنصر عليه وتحشره في الزاوية الحادة من الضيق والحرج.

فكيف سنكافئ "حزب الله"؟ وبماذا نكافؤه؟

المؤشرات كلها تقول إنَّ العرب غير مشكورين، على الأقل منهم العملاء الأتباع للسيادة الأمريكية، سائرون في ركاب المشروع الصهيو-أمريكي المغرض إلى القضاء على "حزب الله" لا تجريده من السلاح وحسب، على الرَّغْمِ من أنَّ القرار الدولي 1701 لا يقول ذلك بوضوح صريح، ولكِنَّهُ في كلِّ مواده وبنوده يؤدي إلى هذه النتيجة ويتوعد بها.

فهل ستكون هذه هي المكافأة التي نتوج بها انتصارات "حزب الله" للكرامة العربيَّة؟ أيعقل أن نعاقب "حزب الله" هذا العقاب الحقير لأَنَّهُ انتصر بدل أن نكلل رأسه بالغار؟ أيعقل أن نكافئ البطل بقتله؟ أيعقل أن نكافئ من ينتصر لكرامتنا ويرفع رأسنا بأن نقطع رأسه؟

إذا كان الكيان الصهيوني يريد أن يثأر منه بالتخلص منه لأَنَّهُ مرَّغ أنفه بالتراب، وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عامَّة لا يريدون أن يظل "حزب الله" شوكةً في الخاصرة الصهيونية ولا عنصر إزعاجٍ لها فهذا حقٌّ لهم، على الرَّغْمِ من أَنَّهم لا حق لهم عندنا... فلماذا يريد بعض اللبنانيين وبعض الحكام العرب أن يفعلوا ما تريد الصهيونية والغرب فعله؟ ألا يعني هذا على نحو مباشر أنَّ هناك توافق بَيْنَ مصالح كلِّ الساعين في هذا المشروع؟

لنفترض عدم الخيانة ولنفترض عدم توافق المصالح هل يكفي هذا لنفهم ما يدور؟ سيبقى السؤال الكبير منتصباً انتصاب عمود الخيمة وهو: ماذا يستفيد اللبناني الذي يطالب بالقضاء على "حزب الله" على الرَّغْمِ من كلِّ ما أنجزه "حزب الله"؟ وماذا يستفيد الحكام العرب من القضاء على "حزب الله" بعد كلِّ ما أنجزه "حزب الله"؟

إن كان هناك من الفائدة ما يقنع لنكون سائرين معهم في تجريد "حزب الله" من سلاحه. لا يوجد أبداً ما يمكن، ولو بالإمكان فقط، أن يشير إلى أن العرب بل حَتَّى الحكام العرب نفسهم سيستفيدون من ضرب "حزب الله" وتجريده من السلاح. فلماذا هذا اللؤم والحقد على انتصارات "حزب الله"؟

لا يفسر ذلك إلا الخيانة ولا يمكن أبداً أن نقبل أن تكون الخيانة رأياً أَو وجهة نظر. الخيانة الخيانة وحسب.

ولأنَّ هؤلاء الحكام العرب خونة سلموا القضية الفلسطينية للصهاينة واستسلموا لها ولا يقدمون أيَّ جهد لا لتحرير فلسطين ولا لدعم الفلسطينيين ولا لإنقاذهم... وكلهم يزعمون أَنَّهُم عاجزون لا يملكون من القوة ما يكفي لمواجهة الصهاينة، وفجأة جاء حسن نصر الله ومعه أقل من خمسة آلاف من الشباب بإمكانات محدودة لينتصروا على الكيان الصهيوني انتصاراً صريحاً لا ضربة حظ.

هذا الانتصار فضح الأعذار الواهية التي كان يتخفى وراءها الحكام العرب وحشرهم في مواجهة الحقيقة أمام الشعوب، ولذلك تكالبوا منذ قبل بدء الحرب العدوانية الدمويَّة على لبنان و"حزب الله" من أجل منعه من الانتصار حَتَّى ولو دمر الصهاينة كلَّ لبنان، حَتَّى ولو لم يبق لبناني... ولكنَّ "حزب الله" خيب مساعيهم وانتصر، عجزت الوحشية الصهيونية عن الانتصار على "حزب الله"، بل انتصر عليها "حزب الله".

ومرة أخرى، على الرَّغْمِ من أنَّ "حزب الله" ضرب كل الرهانات والتوقعات، وتحقيقه النصر الذي استرد به كرامة الأمَّة، لم يستفد الحكام العرب من الدرس ويريدون متابعة جهودهم للقضاء على "حزب الله".

هل سيكون هذا إكليل الغار الذي نلفه حول عنق "حزب الله" وحسن نصر الله؟

هل سنكافؤه باستبدال إكليل الغار بحبل نشنقه له؟

أَيُّهَا الشعب العربي استفق...

الحكام الخونة ماضون في انتهاك كرامتنا ويريدون فوق ذلك إعدام كلِّ من يدافع عن كرامتنا وأرضنا وعرضنا. فمن ذا الذي سيتخذ القرار؟؟؟؟؟