أدولف أولمرت يرفض الاعتذار!

ومن طالبك بالاعتذار؟؟

الدكتور عزت السيد أحمد

اليوم الاثنين الرابع عشر من آب 2006م، وهو اليوم الأول لوقف العمليات الحربيَّة في الحرب العدوانية على لبنان. نهض السيد الفاضل الحاج أدولف أولمرت ليعلن براحة بال وضمير مرتاح أَنَّهُ لم يرتكب أيَّ خطأ أَو جريمة أَو مجزرة في لبنان، ولذلك فهو "لن يعتذر أبداً عما فعله بالشعب اللبناني".

ولماذا يعتذر إذا لم يكن يرى في كلِّ ما فعله ما يستحق أيَّ تأنيب ضمير؟ ولماذا يعتذر إذا لم يكن يرى في كلِّ ما فعله أيَّ خطأ؟ ولماذا يعتذر إذا لم يكن يرى في كلِّ ما فعله ما يدعو إلى الاعتذار؟

الحقيقة أنَّ كلَّ ما فعله الصهاينة في لبنان كان واجباً وطنيًّا ودينيًّا، وقال قال أكثر من واحد من الصهاينة منذ بداية المجازر الكبرى التي ارتكبوها «إنهم يقومون بما يقومون به لإرضاء ضميرهم وراحة بالهم»، أي إنهم إن لم يقتلوا الأطفال والنساء ويدمروا المنازل على سكانها فإنهم سيعذبهم ضميرهم على تقصيرهم في فعل ذلك، على تقصيرهم في أداء واجبهم. فهل يعتذر من يقوم بواجبه عن القيام بواجبه أم ينتظر الشكر والتقدير والمكافأة؟

الأمم المتحدة باسم الشرعية الدولية قامت بواجبها في تقدير إخلاص الصهاينة في أدائهم لواجبهم من قتل وتشريد وتدمير ومجازر فأعطتهم القرار 1701 الذي أنقذ سمعتهم وأخرجهم من وحل الهزيمة وحمل الضحايا وزر الحرب كلها... هكذا وبكلِّ بساطة، وبراحة ضمير أيضاً!!

ولكن هل ينتظر اللبنانيون والعرب عامة من الحاج مرتاح الضمير أدولف أولمرت أن يعتذر عمَّا فعل؟

السيد السنيورة أعلن في منتصف المعركة أَنَّهُ سيطالب "إسرائيل" بدفع تعويضات عن هذا الدمار الذي ألحقته بلبنان. فماذا كان يقصد بذلك؟ هل سيجلس مع أولمرت على طاولة المفاوضات ويقدِّم له فاتورة بالخسائر التي لحقت بلبنان ويطالبه بتسديد هذه الفاتورة؟ أم سيرسلها له عن طريق الصليب الأحمر؟

الحقيقة التي لا بُدَّ من الوقوف عندها مليًّا هي أنَّ الحرب التي دارت بَيْنَ لبنان والكيان الصهيوني ليست حرباً بَيْنَ أيِّ عدوين إنَّهَا حرب مع عدو غير عادي وغير تقليدي. وبغض النظر عن ذلك ما يجب أن نسأله هنا هو: أيُّ عداوة إذن هي القائمة بَيْنَ فريقين يتحاربان وما تكاد تنتهي الحرب حَتَّى يتبادلان القبل والتهاني والاعتذارات والتعويضات؟؟

إنَّ نهاية الحرب على هذا النحو يوحي بأنَّ ما كان تمثيلية وليس حرباً بَيْنَ عدوين، ومن ثُمَّ فإنَّ الذين يطالبون بالاعتذارات والتعويضات وختم ذلك بالقبل والتهاني بالسلامة يقومون بذلك لأنَّهُم لا يؤمنون بوجود عداء بَيْنَ الفريقين المتحاربين.

إن الذي يطالبون "إسرائيل" بالتعويضات عما أدت إليه من خسائر يتعاملون مع "إسرائيل" على أنَّهَا دولة صديقة وليست عدواً، والذين يطالبون الحاج الفاضل أدولف أولمرت بالاعتذار يتعاملون معه على أَنَّهُ صديق أخطأ في حقِّ صديقه... وليس الأمر كذلك أبداً أبداً...

نحن لا نطالب أولمرت بالاعتذار، ولا نريد منه الاعتذار، ولا نطالبه بدفع التعويضات، ولا نقبل منه أيَّ تعويض، نحن المسؤولون عن بناء ما دمره العدو، ونحن من يجب أن يحمل هب البناء والتعويض على المتضررين، وكلنا مسؤولون عن تحمل كلِّ هذه الأعباء، وتذكروا أننا كلنا مسؤولون عن تحمل أعباء إعادة البناء والإعمار وتعويض المتضررين، وليس أيُّ شعب آخر أَو أمة أخرى، وما تقدمه أي دولة عربية أَو إسلاميَّة لإعمار لبنان لا يجوز أن يسمى تبرعاً ولا تطوعاً ولا صدقة... إنَّهُ واجب وطني ديني لا منة فيه أبداً ولا فضل.

أما ما يخص المعتدي، العدو، فليس مطالباً بدفع أيِّ تعويض، ولا تقديم أيِّ اعتذار، لأَنَّهُ في حقيقة الأمر، ونصر على أنَّ هذه هي حقيقة الأمر، قام بواجبه في القتل والتدمير، وأراح ضميره في القتل والتدمير، ولذلك فإنَّ المطلوب هو أن يدفع الثمن، يجب أن نجعله يدفع ثمن ما اقترفت يداه في حقنا، لأنَّ واجباً يفرض علينا أن نثأر لشهدائنا وأرضنا وعرضنا. ولذلك نقول:

يا سيد سنيورة لم يفوضك أحد بطلب الصدقة والحسنات من العدو تعويضاً عن الدمار الذي ألقه بأبنائنا وأشقائنا وأرضنا وعرضنا فلا تذهب ولا تفاوض، نحن المسؤولون عن التعويض، كلنا مسؤولون فرداً فرداً. ومثل هذا الكلام يقال لكلِّ من آمن بما آمن به السيد سنيورة.

أما بشأن الاعتذار فنقول:

يا سيد أدولف أولمرت، لم يطالبك أحد بالاعتذار، فلا تعتذر، ولن يطالبك أحد بدفع تعويض فلا تفكر فيه، نحن نقول لك بأنك ستدفع الثمن على الأقل سنًّا بسنٍّ، وعيناً بعين، إن لم نستطع اليوم ففي الغد، وإن لم يكن في الغد فبعد الغد، ومهما طال الأمر فلن تنجو من دفع الثمن، ستدفعه مهما طال الأمر أَو بعد. تستطيع اليوم أن تفعل ما تستطيع، يدعمك الغرب والشرق، والحكام العرب أنفسهم... ولكن تذكر، وليتذكر أصدقاؤك أيضاً، أَنَّهُ لن يستطيع أحد غداً أن يمنعنا من استرداد كلِّ قطرة دم، وحقَّ كلِّ حجر تأذى... هذه هي سنة التاريخ، على الأقل، فما بالك بشعب تزرعون فيه أعماقه حقداً لا تزيله قوة في الأرض مهما عظمت.

نحن لا نعلم أولادنا الحقد ولكِنَّهُم تفرضونه عليهم فرضاً لا تزيله قوة أبداً، وهل بعد كلِّ ما رأينا يمكن أن ننْزع الحقد الذي زرعتموه من قلوب أطفالنا؟ إذن فلتحصدوا ثمار ما زرعتم... ثمار ما زرعتم أنتهم وحدكم.