أنقابل العنجهية بالانصياعية

الدكتور عزت السيد أحمد

بغضِّ النظر عن ملابسات قرار مجلس الأمن الدولي الذي مع الساعات الأولى من صباح يوم السبت الثاني عشر من شهر آب عام 2006م تحت الرقم 1707 الذي تنطوي معظم بنوده على غموض قابل للتفسير الخطير ضدَّ لبنان ولصالح الكيان الصهيوني، فإنَّ صورته العامَّة هي المطالبة بوقف إطلاق النار والعمليات الحربيَّة، وتكريس الجهود للوصول إلى إنهاء العمليات الحربيَّة بأسرع وقت ممكن.

هذا يفترض بمن يقبل هذا القرار أَو يوافق عليه أن تبدأ التهدئة على الأقل، وإن لم يكن هناك تهدئة عسكريَّة فليس أقل من أن يكون هناك تهدئة سياسيَّة أَو تخفيض مستوى الخطاب، أَو على الأقل السكوت. ولكن ما حدث على أرض الواقع مخالفٌ تماماً لكلِّ قواعد المنطق والعقل والأخلاق وحَتَّى الأعراف.

الجيش الصهيوني دمر لبنان تدميراً وحشيًّا همجيًّا وقتل الأطفال والمدنيين طوال الحرب، ومع ذلك فهو مهزوم على أرض الواقع، وهو الأحوج لوقف إطلاق النار أَو الهدنة على الأقل، ومع ذلك فإنَّ الشرعية الدوليَّة التي هي أبعد ما يكون عن أيِّ شرعيَّة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أصرت على ألا يظهر الكيان الصهيوني منهزماً، والكيان الصهيوني ذاته يتصرف تحت سقف الشرعيَّة الدوليَّة، وتحت الغطاء الأمريكي، وأيضاً الغطاء العربي الحقير... ضمن هذه الشروط والمعطيات ما زال يتصرف بعنجهيَّة وجبروت وكأنه هو المنتصر، وهو الذي يفرض شروطه على أرض الواقع.

على الرَّغْمِ من صدور القرار 1707 الذي يدعو إلى وقف العمليات العسكرية، وعلى الرَّغْمِ من أن هذا القرار بتآمر دولي وعربي جائر جدًّا بحق حزب الله المنتصر على أرض الواقع، وعلى الرَّغْمِ من حاجة الكيان الصهيوني الماسَّة لوقف العمليات الحربيَّة التي أرهقت كاهل هذا الكيان ووضعته موضع المنهزم بكل المعاني التي يمكن أن ينجلي عنها هذا التعبير فإن هذا الكيان يصر على أن يقنع العالم بأنه هو المنتصر، ويتصرف لذلك بعنجهية وجبروت غريبين فمنذ ما قبل صدور القرار والكيان الصهيوني يعلن أَنَّهُ لن يتوقف عن عملياته العسكريَّة ضد لبنان. وبعد صدور القرار بنحو الساعة أعلن إيهود أولمرت رئيس وزراء الكيان الصهيوني أنَّ حكومته ستبلغ الولايات المتحدة عن موافقتها على وقف العمليات الحربية ولكِنَّهَا ستواصل أعمالها الحربيَّة.

أيُّ صفاقة هذه، وأي احتقار لمجلس الأمن والعقل البشري ذاته. فكيف سيوافق الكيان الصهيوني على قرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف العمليات الحربيَّة ويعلن في الوقت ذاته مواصلة العمليات العسكريَّة؟

الذين يحبون الصهاينة من عرب وأمريكيين وأوروبيين سيقولون إنَّ المقصود بذلك هو استمرار العمليات العسكرية ضد قوات حزب الله بوصفها عمليات دفاعيَّة. وقد وجدنا كيف أن مجلس الأمن أجمع بكلِّ صفاقة على إلزام حزب الله بوقف فوري لإطلاق النار وهو الواقف موقف الدفاع عن وطنه وسمح للكيان الصهيوني وهو المعتدي بمواصلة عمليات الحربيَّة تحت ذريعة أنَّهَا عمليات دفاعيَّة ليوحي القرار وكأن لبنان هو المعتدي وليس الكيان الصهيوني.

الكيان الصهيوني لم يترك مجالاً للتفسير والتأويل فمن الناحية العسكرية أي المواجهة العسكرية العسكريَّة أعلن رئيس أركان الجيش الصهيوني أَنَّهُ سيضاعف عدد قواته في لبنان أكثر من ثلاثة أضعاف. فأي وقف لإطلاق النار هذا الذي وافق عليه الكيان الصهيوني؟ وأيُّ شرعيَّة هذه هي التي ستطبق على الرَّغْمِ من جورها؟

على الرَّغْمِ من جور القرار الدولي وبعده عن الحقِّ فإِنَّهُ عاجز أيضاً عجزاً تاماً عن إلزام الكيان الصهيوني بأدنى الأعراف الدولية والأخلاقيَّة التي تقول أَنَّهُ في حال الهدنة أَو وقف إطلاق النار فإنَّ كلَّ شيء يبقى على حاله.

فوق ذلك قبل أن يبدأ أي تفسير للقرار الدولي، ولم وفي اليوم ذاته قام الكيان الصهيوني بأكبر عملية إنزال طيلة تاريخ العمليات العسكرية للصهاينة.

أما الجانب اللاعسكري، ومعلوم أَنَّهُ طوال الحرب لم يستهدف "حزب الله" المدنيين إلا للضرورة، ولذلك كان القتلى الذي أسقطهم حزب الله من الجانب الصهيوني معظمهم من العسكريين وأقلهم من المدنيين، فيما في المقابل هو العكس تماماً، ولم يختلف الأمر بعد قرار وقف إطلاق النار وموافقة الصهاينة على هذا القرار، إذ لم يتوقف استهداف المدنيين، ولا المنشآت المدنية، ولا الطرق، ولا حَتَّى المجازر ولا مشاريع المجازر، ففي منتصف هذا اليوم حذرت قوات العدوان الصهيوني أهالي بعض القرى الجنوبية من البقاء فيها وطالبتهم بمغادرتها وما إن غادر هؤلاء الأهالي بقافلة كبيرة حَتَّى راح سلاح الطيران الصهيوني يرشقهم بالصواريخ فقتل منهم الكثير وجرح الكثير...

ليست هذه هي العملية الوحيدة فالطيران الصهيوني طوال اليوم لم يتوقف عن استهداف المدى والقرى اللبنانيَّة على امتداد أرض لبنا، وفوق ذلك كله يطلب العالم من حزب الله والمقاومة اللبنانية العسكرية والسياسيَّة أن يتوقفوا عن إطلاق النار ويشاهدوا هذا القتل والدمار ويقولون بابتسامة عريضة: تحيا العدالة الدوليَّة، تحيا الشرعيَّة الدوليَّة، يحيا بوش وأولمرت...

هل في هذا ما يبدو عريباً؟

هو مضحك بالتأكيد، ولكِنَّهُ ليس غريباً أبداً لأنَّ تاريخ الكيان الصهيوني كله من هذه الطبيعة، فكم مرة عقدت الهدنة بَيْنَ الفلسطينيين والصهاينة واستمر الصهاينة وحدهم في القتل والتدمير ضاربين عرض الحائط كلَّ عهودهم، ومع ذلك يعدون أيَّ دفاع عن الذات عملاً إرهابيًّا وحشيًّا فيما وحشيتهم ودمويتهم هم هي عين الإنسانية والدفاع عن الحريَّة!!!

فهل نقابل كلَّ هذا الجبروت والعنجهيَّة بكلِّ رضى وانصياعيَّة؟

هل نساعد الكيان الصهيوني والهمجية الأمريكيَّة على تحويلنا إلى خراف تذهب إلى الجزار بابتسامة الجائع الذاهب إلى وليمة؟؟؟