فاشية الإسلام

الدكتور عزت السيد أحمد

يصر جورج بوش الصغير وإدارته على الأقل على إتحافنا كلَّ يوم ورُبَّمَا كلَّ ساعة بتصريحٍ ينتزع الصبر والحلم والتسامح من أعماقنا انتزاعاً يتعذر ردم هوته.

اليوم الخميس العاشر من آب 2006م خطب جناب الرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير بعنجهيَّة توحي بنشوة الانتصار باكتشاف ما لم يكن مكتشفاً من قبل وقال وهذه المشاعر تسيطر على فيه: "إننا نحارب الفاشيَّة الإسلاميَّة".

هذه العبارة لم تقل للمرة الأولى على الأقل من ناحية المضمون، ولم يبتدعها جورج بوش الصغير ورجاله، ولا بأي من التذكير ببداية إحيائها وليس ولادتها، إذ في المؤتمر الأول للناتو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أعلن رئيس الحلف حينها على الملأ، وبلا خوف ولا خجل قائلاً: "لقد انتصرنا على عدونا التقليدي وسنتوجه إلى دونا القادم، عدونا القادم هو الإسلام". قال: عدونا القادم هو الإسلام ولم يقل المسلمين، ولم يقل التطرف الإسلامي، ولا الأصولية الإسلاميَّة... الإسلام هو عدو الناتو.

إذن إعادة إحياء عداء الغرب للإسلام بدأت من أوسع باب، ومن ثمَّ من فإنَّ كلِّ محاولات الزعم بأن العدو هم فقط الإرهابيون، أَو الأصوليون، أَو الجماعات الإسلامية، أو بعض الجماعات الإسلاميَّة... ليس إلا ضرباً من ذرِّ الرَّماد في العيون. قيادة الغرب أعلنت منذ البداية صراحة ووضوحاً، جهاراً نهاراً، أنَّ عدوهم القادم هو الإسلام، وأكَّد ذلك السيد جورج بوش الصغير بعد عشر سنوات من ذاك المؤتمر إذ أعلن عقب أحداث الحادي عشر من أيلول انطلاق الحرب الصليبيَّة الجديدة. ومع ذلك يحاولون إقناعنا بأنه يعادون الحركات الأصولية، يعادون الأصولية، يعادون التطرف... ووصلوا الآن إلى وصف الإسلام بالفاشيَّة.

إذا عدنا إلى تاريخية هذه التصريحات وما ارتبط بها من ممارسة غربيَّة وجدنا مسألتين:

أولاً: نقطة الانطلاق، وإن كانت إحيائية وليست جديدة، كانت من أوسع الأبواب. ولكن مع ذلك ما إن استقرت الأمور بعد انهيار الاتِّحاد السوفيتي حَتَّى بدأت محاربة العالم الإسلامي أَو الإسلام، تتصاعد في استخدام الاصطلاحات والتوصيفات. بدأ الغرب بصناعة هذه الاصطلاحات وتصديرها إلى رجالاته وأزلامه، ناهيك عن قيامه هو باستخدامها وترويجها. بدأ الأمر بمحاربة السلفيَّة الإسلاميَّة، وتشويه هذا الاصطلاح بمقابلته مع التقدميَّة، دافع بعضهم عن هذا الاصطلاح وأبان دلالاته، ولكِنَّهُ كان فد نال حقَّه من التشويه الذي بات معه أمراً ممجوجاً. فانتقلوا إلى الخطوة التالية بترك السلفيَّة ومحاربة الأصولية، وكذلك كان الشأن من ناحية كون التمسك بالأصول أمر لا عيب فيه. فانتقلوا إلى استخدام الإرهاب والدعوة لمحاربة "الإرهاب الإسلامي"... ووصلنا أخيراً إلى إعلانهم أنهم يحاربون الفاشية الإسلامية على لسان زعيم العالم الغربي الكبير السيد جورج بوش الصغير.

ثانياً: في ظل كلِّ هذا التصعيد في تشويه الاصطلاحات والمفاهيم ظلَّت حقيقة واحدة ملازمة لهذا التصعيد من ناحية الممارسة الغربيَّة المباشرة، وغير المباشرة الصَّادرة عن أتباع السياسة الغربيَّة ومنفذي خططها في الشرق إلى جانب بعض من التقليد الأعمى غير المحسوب.

هذه الحقيقة التي لازمت كلَّ هذا التصعيد هي أَنَّهُ دائماً، وفي كلِّ خطوة كان المتهم الذي يلبسه المفهوم المحارب هو كلُّ مسلم عامَّة وكل عربي خاصَّة، ويبرأ من هذا الاتهام أيُّ عربيِّ أَو مسلمٍ يناصب الإسلام العداء بطريقة أَو بأخرى، ولن نبتعد كثيراً في الشواهد حسبنا الرجوع إلى كلِّ ما حدث بعد الحادي عشر من أيلول، فكل الممارسات الغربية منذ ذلك اليوم وحَتَّى اليوم تقوم على أنَّ لكَّ غربيٍّ متهم بل مدان، وكلُّ مسلم متهم ومدان، بل الأخطر من ذلك إنَّهَا ترى أنَّ كلَّ من يشبه العربي فهو متهم ومدان، وقد اعتقل الكثيرون فقط لأنَّهُم يشبهون العرب، وقتل أكثر من واحدٍ من الهند والبرازيل... وكانت تهمتهم الوحيدة فقط هي أنهم اشتبه بهم لأنَّهُم يشبهون العرب.

جورج بوش الصغير اليوم يصل بالتصعيد رُبَّمَا إلى ذروته عندما يعلن أنَّهَا يحارب "الفاشية الإسلامية"، أَو "فاشية إسلاميَّة"، وهو يقصد أن الإسلام دين فاشي وهو يقوم بمحاربة هذه الفاشيَّة.قد يعترض أحد بأنه يقصد "حزب الله" في لبنان، أَو "حماس" في فلسطين... لن نعترض ذلك ولكن لا بُدَّ أن ننظر إلى الأمر بوضوح شديد من زاويتين على الأقل:

الأولى: أن وصف الإسلام بالفاشية ليس بالأمر الجدي فقط كرر ذلك مراراً كثير من المفكرين الأمريكيين خاصَّة والغربيين عامَّة، ومن ثَمَّ فإنَّ بوش لا يبتعد عن هذا المناخ وإنَّمَا ينطلق من صلبه. وهذا يعني أن جورج بوش الصغير يعد الإسلام كله فاشيًّا، ومن ثَمَّ فإنَّ كلَّ مسلم فاشي حَتَّى يسب الإسلام ويحاربه فسيكون ديمقراطيًّا وموضوعيًّا، وقد شهدنا في سنوات سابقة التراجع الكبير من المسلمين عن أداء الطقوس الدينية تهرباً من تهمة التخلف.

الثانية: سنفترض أَنَّهُ يقصد حزب الله وحماس. وماذا تفعل حماس وحزب الله حَتَّى يكونوا فاشيين؟ ألأنهم يحاربون من أجل استرداد أرضهم والدفاع عنها؟ والسؤال الذي سيبرز بقوَّة هو: لماذا العرب المسلمون هم فقط الإرهابيون والفاشيون إذا دافعوا عن أرضهم وحاربوا المحتل؟ في حين أنَّ الذي يسلمون قياد أمرهم وشرفهم وعرضهم للصهاينة والأمريكان هم الديمقراطيون!!

هل هذه هي المعادلة؟

وهل هذه المعادلة صحيحة أصلاً؟

عندما يقال لهم: هذا يعني أن الفرنسيين الذين حاربوا المحتل الألماني وطردوه إرهابيون إذن. يقول هذه حالة مختلفة. وعندما يقال لهم: إن الأمريكيين الذين حاربوا الاحتلال الإنجليزي وطردوه إرهابيون إذن. يقولون: هذه حالة مختلفة!!!

إذن ما الحالة المشابهة؟

هل العرب والمسلمون حالة شاذة في تاريخ البشريَّة؟

هل البشر كلهم ولدوا ولادة طبيعية والعرب وحدهم ولدوا بالتقيوء أَو بطريقة أخرى قذرة؟

هل البشر كلهم ولدوا من بشر والعرب وحدهم ولدوا من كلاب؟؟؟؟؟

المعادلة واضحة ولا تحتاج إلى كثير من التفكير.

الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا.

هذه حربهم ونحن أعداؤهم.

فلماذا ننتظر منهم الإنصاف، ولماذا نصر على أنهم أعز الأصدقاء؟؟؟

تنبهوا واستفيقوا أَيُّهَا العرب فقد طما الخطب حَتَّى غاصت الركب.