أي شرعية هذه؟!

حذار من خوافي القرار 1707

الدكتور عزت السيد أحمد

تاريخ ما يسمى بالشرعية الدولية مليء بالمخازي حَتَّى تستحق بجدارة اسم هيئة شرعنة الباطل، لأنَّها لم تقرر، إلا باستثناءات نادرة، إلا قرارات عدوانية تنفذ بسرعة، أَو قرارات رد الحقوق إلى أصحابها من دون أي سعي أَو عمل لتنفيذها، أَو قرارات تافهة لا تقدم ولا تؤخر.

قرارات إعادة الحق العربي إلى أصحابه كلها ظلت منذ اتخذت حبراً على ورق بلا قيمة ولا معنى، ونذكر هنا كلَّ القرارات التي اتخذت ضد الصهيونية الاستيطانية في فلسطين. قرارات العدوان على العرب ونهب حقوقهم كلها نفذت بقوة وسرعة مدهشة ونذكر هنا القرارات التي اتخذت ضدَّ العراق على سبيل المثال وكلها فيما بدا جليًّا كانت قرارات ظالمة جائرة بلا شك.

الذي يبدو من تاريخ ما يسمى بالشرعية الدولية هو أنَّهَا شبه عادلة في كل ما لا يخص العرب والعالم الإسلامي. أما فيما يخص العرب والمسلمين فالثابت المؤكَّد أنَّ كلَّ القرارات التي اتخذت حَتَّى اليوم كانت جائرة بحق العرب حَتَّى ليبدو وكأن الأمم المتحدة هي معادية للعرب بحقد مسبق التصميم، وكأنَّ البشر كلهم بني آدم والعرب ليسوا من بني آدم، وإلاَّ ما الذي يمكن أن يفسر هذا الجور الدائم على العرب من الأمم المتحدة، فهي تستخدم كل الوسائل والسبل لتطبيق قراراتها على العرب على الرَّغْمِ من كونها قرارات جائرة في حقِّ العرب، فيما في الوقت ذاته لا تتخذ أي قرار ينصف العرب أَو يعيد لهم أي حق حَتَّى ولو كان تافهاً، حَتَّى ولو كان توجيه توبيخ سخيفٍ أَو احتجاج ضعيف على مجزرة ترتكب بحقِّ العرب؟؟

في الساعات الأولى من صباح اليوم السبت الثاني عشر من شهر آب 2006م أضافت المحروسة الشرعية الدولية وصمة خزي جديدة إلى تاريخا، وليس براعة ولا موهبة أن نكتشف أنَّ القرار هو تهميش إلى حدِّ الاحتقار للعرب والحقوق العربيَّة. وقد حمل هذا القرار 1707، وهو المشروع الذي تقدمت به توافقيًّا الولايات المتحدة وفرنسا، من أجل وقف إطلاق النار أَو وقف العمليات الحربية بَيْنَ لبنان والكيان الصهيوني، على الرَّغْمِ من أنَّهَا حرب إبادة شاملة من قبل جيش العدوان الصِّهيوني.

يضمُّ القرار نحواً من عشرين بنداً بعضها تستحق كلها تقريبا المناقشة والتوضيح فمعظمها ذو روح مطاطة تفسح في المجال للتأويل شأن الورطات السابقة في قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالعرب. ولكننا سنمر على معظمها مروراً سريعاً لنقف عند الخطير منها وقفة توضيحية.

الصنف الأول: الشكلي

الصنف الأول من البنود شكليٌّ إلى حدٍّ ما مثل المطالبة بتقديم تقرير بعد أسبوع، والمساعدات الإنسانية وعودة المهجرين، وكذلك تقرير أنَّ كل الدول تأخذ على عاتقها تطبيق هذه المطالب. ومثله أن مطالبة الأطراف بعدم اتخاذ ما يتعارض مع وقف العمليات الحربية. وكذلك مطالبة الكيان الصهيوني بتسليم خرائط الألغام للأمم المتحدة وهذا ما لن ينفذ غالباً.

الصنف الثاني: شكلي تكتيكي

الصنف الثاني من البنود يبدو شكليًّا ولكِنَّهُ خطير، خطير لأَنَّهُ ينطوي إلى جانب ما يبدو عليه من شكليَّة فإِنَّهُ ينطوي على مخططات ومشاريع مضمرة، من ذلك مثلاً البند السادس الذي يدعو إلى إعادة فتح المطارات والموانئ ولكن طبقاً للبندين 14 و15 من القرار. وهذا يعني حق الكيان الصهيوني بالإشراف على الموانئ والمطارات اللبنانيَّة وفق البند 14، وحق قوات الأمم المتحدة بالإشراف على ذلك وفق البند 15. وفي هذا ما يفسر التخطيط لسلام شامل ونهائيٍّ مع لبنان حسب التصريحات الأمريكية خاصَّة.

البند الثامن عشر يمدد مهمة قوات الطوارئ إلى 31/8/2007م. ولكِنَّهُ يضيف أن مجلس الأمن يعدُّ لمشروع قادم "يبحث في ما يلزم هذه القوات لمساعدتها وتقويتها كي تقوم بمراقبة عمليات وقف إطلاق النار". أي لتحويل هذه القوات إلى قوات تدخل وردع تعمل تحت البند السابع، وقد أشارت السيدة أَو رُبَّمَا الآنسة رايس إلى ذلك في كلمتها أمام مجلس الأمن إذ قالت: "صحيحٌ أن القوات ستعمل تحت البند السادس ولكِنَّهَا ستفوض بمهمات وقدرات إضافية أكثر بكثير"، وهذا القول أصار كثيراً من التساؤلات.

البند التاسع عشر أيضاً يبدأ شكليًّا بالمطالبة بتقديم تقرير خلال أسبوع إلى مجلس الأمن، ولكِنَّهُ يتابع بدفع اللبنانيين إلى الجلوس على الطاولة الصهيونية لتحقيق ما يسمى السلام الدائم الذي روَّج له الأمريكيون والصهاينة، ولسنا بحاجة إلى تبيان أنَّ الصهاينة لا يريدون أيَّ سلام يحقق أدنى كرامة للعرب. ويؤكد ذلك أيضاً ويوضحه توضيحاً لا لبس فيه البند الرابع عشر الذي يدعو إلى "تنسيق عملية الانتشار مع الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية بشكل مباشر". أي ليس إدخال اللبنانيين في التفاوض مع (الإسرائيليين) وحسب بل السماح للكيان الصهيوني بالتدخل في انتشار القوات الدولية في لبنان.

الصنف الثالث: تكتيكي مستقبلي

الصنف الثالث من البنود ليس شكليًّا لأَنَّهُ من الواضح أن هذه البنود ترتب لأوضاع جديدة في المنطقة لإقامة صداقة بَيْنَ لبنان والكيان الصهيوني على غرار الصداقة الصهيونية المصرية والصداقة الصهيونية الأردنيَّة، ومن إخراج لبنان من معادلة الصراع كليًّا كما حدث مع غيرها، والتفرغ لسوريا وضمها إلى المائدة. فالبند الثامن يركز على ضمان أمن الكيان الصهيوني إذ "يطالب لبنان (إسرائيل) بدعم الوقف الفوري لإطلاق النار والبحث عن حلٍّ دائم انطلاقاً من مجموعة إجراءات يطالب بها الجانبان (الإسرائيلي) واللبناني". وعلى الرَّغْمِ من إشارة البند إلى اشتراك الطرفين فإِنَّهُ يفرض إخلاء جنوب لبنان حَتَّى الليطاني من السلاح فيما الجانب (الإسرائيلي) يحق له حشد ما شاء من الأسلحة حَتَّى الخط الأزرق. فأي عدالة هذه وأيُّ شرعية؟؟!

يؤكِّد هذا الإجراء بمضمونه الذي أشرنا إليه البند الخامس عشر الذي "يسمح لقوات الطوارئ باتخاذ جميع الإجراءات التي تراها مناسبة في منطقة انتشارها وانتشار قواتها كي تتأكد بأن المنطقة خالية من العمليات وأنها لا تستخدم كأساس للعمليات الحربية مهما كان نوعها ومهما كان الطرف الذي يشارك فيها". وفي هذا البند الكثير مما يجب الوقوف عنده أولها ما المقصود بعبارة: "في منطقة انتشارها وانتشار قواتها"؟... ليس الأمر لغزاً إنَّهُ تمهيد لقوات أخرى تحت البند السابع أَو بصلاحيات البند السابع حَتَّى ولو بقيت هي ذاتها، وهذا ما أوضحته السيدة رايس. ثانيها لماذا تقوم القوات الدولية بتمشيط الجانب اللبناني فقط وهي موجودة فيه فقط؟ ولماذا يجب أن يخلو الجانب اللبناني وحده مما يسمح بالقيام بعمليات حربيَّة فيما الكيان الصهيوني خارج هذا القانون؟

يتماشى مع ذلك ويؤكده البند التاسع الذي "يطالب بنزع أسلحة جميع المجموعات في لبنان"، ورُبَّمَا يكون الجيش اللبناني ذاته من بَيْنَ هذه المجموعات، ولكن الذي يجب الوقوف عنده هو الضمانات التي قدمتها حكومة 14 آذار للولايات المتحدة بتجريد "حزب الله" من السلاح، أي إلغاء المقاومة، حَتَّى ذكر ذلك في هذا البند بوضوح إذ تابع أنَّ ذلك يأتي "تماشياً مع قرار الحكومة اللبنانية بهذا الشأن الذي يؤكد أَنَّهُ لن يكون هناك أي سلاح أَو سلطة في لبنان إلا للسلطات الحكومية"... ولن نزيد في التعليق والمناقشة.

الصنف الرابع: مكامن الخطورة

لم تكن النقاط السابقة أقل خطورة من النقاط التالية بأيِّ حالٍ من الأحوال، ولكننا نتقل هنا إلى ممارسة القهر المباشر على العرب، واللبنانيين خاصَّة، ممارسة واضحة صريحة، بما يعكس ما يسمى ازدواجية المعايير عكساً خطيراً حقيراً، فالمادة الأولى تطالب بإنهاء العمليات الحربيَّة، ولكن لنقرأ البند جيِّداً: "المطالبة بإنهاء العمليات الحربية وبشكل خاص وقف فوري للعمليات من طرف حزب الله، ومن جانب (إسرائيل) وقف فوري أيضا لكل عملياتها العسكرية والهجومية". فلماذا هذا الفصل بَيْنَ "حزب الله" والكيان الصهيوني بهذه الطريقة؟ التفسير الوحيد لذلك، وقد أعلنت السيدة رايس ذلك ومعظم أعضاء مجلس الأمن، هو إلزام "حزب الله" بوقف إطلاق النار والسماح للكيان الصهيوني بالقيام بالعمليات الحربية التي تشاء بزعم كونها عمليات دفاعية، ونص القرار يمنعهم من الهجوم، أما الدفاع فهو حقٌّ لهم، وكأنَّ "حزب الله" هو الذي اجتاح الكيان الصهيوني ودمر بنيته التحتية. فأي أعين هذه هي التي يرون بها.؟ وأيُّ شرعيَّة هذه التي يمارسونها؟

البند الثاني يكرس هذا الفهم تكريساً واضحاً إذ يقول: "بعد تحقيق هذا الهدف يطالب (إسرائيل) بسحب جميع قواتها من الجنوب اللبناني في اقرب وقت". فما أقرب وقت ممكن؟ ألا يعني ذلك أَنَّهُ قد يستغرق الأمر بضع سنين؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإِنَّهُ يعطي (إسرائيل) بقوة الشرعية الدوليَّة ما لم تستطع تحقيقه بالسلاح وجعل ذلك حقًّا لها في حين من المحرم على "حزب الله" أن يحارب لاستعادة الأرض المغتصبة.

البند الثالث يبدأ شكليًّا إلى حدٍّ ما إذ "يطالب الحكومة اللبنانية في الوقت نفسه بنشر قواتها العسكرية على مستوى الجنوب اللبناني في الوقت نفسه الذي تسحب فيه الحكومة (الإسرائيليَّة) قواتها إلى ما وراء الخط الأزرق"، وقد ناقشنا مثل هذا، ولكن لنتابع البند الذي يقول: "وذلك بالتنسيق وطبقاً لعملية انتشار قوات الطوارئ التي ستنشر حسب البند الحادي عشر"، فإذا قرأنا البند الحادي عشر وجدناه يطالب "بمنع تسليح أَو إعطاء أسلحة حربيَّة للبنان إلا الأسلحة التي تشتريها وتتسلمها الحكومة اللبنانية"، بطبيعة الحال السياسي والعسكري الدولي اليوم لبنان ممنوع من استيراد الأسلحة من دون أيِّ قرار رسمي أمَّا الآن فقد صار بحكم الشرعية الدولية الميمونة، ولكن على أيِّ حال لا بُدَّ من السؤال لماذا الفصل بَيْنَ لبنان والحكومة اللبنانيَّة؟ فالقرار يقول "بمنع تسليح أَو إعطاء أسلحة حربيَّة للبنان"، ثُمَّ يتابع "إلا الأسلحة التي تشتريها وتتسلمها الحكومة اللبنانية"؟ إن كان المراد أن حزب الله هو لبنان فنحن أمام مشكلة، وإن كان المراد بلبنان الشعب اللبناني فنحن أمام مشكلة أيضاً، ونترك ذلك لفهم القارئ.

الواضح هنا أننا أمام مخطط خطير، وخاصة أن الولايات المتحدة وفرنسا هما من وضع القرار، ويؤكد ذلك البند السادس عشر الذي "يطالب الحكومة اللبنانية بحماية وتأمين حدودها وكافة نقاط العبور فيها كي لا يتم استيراد أي أسلحة أَو مواد عسكرية إلى داخل الأراضي اللبنانية"، أي أنَّ الحكومة ذاتها لا تستطيع وفق هذا البند أن تشتري أي من المواد الحربيَّة، ولا الجيش اللبناني لأن مسؤولية الحكومة اللبنانية هي منع إدخال أيِّ نوع من المواد الحربيَّة إلى الأراضي اللبنانيَّة وليس إلى حزب الله فقط. أليس في هذا ما يستحق الوقوف عنده ومناقشته، وخاصة أَنَّهُ تكرر بصيغ عدَّة.

لا تنتهي هنا مناقشة بنود القرار 1707 لأنَّ فيها ما تجب مناقشته أكثر، وقفنا عند أبرز ما يجب الوقوف عنده. ولكن ما لا بُدَّ من الوقوف عنده من خارج القرار هو أنَّ الشرعية الدولية الميمونة طالبت من خارج القرار بالإفراج غير المشروط عن الأسرى (الإسرائيليين) الاثنين فيما لم ترد إشارة أبداً إلى الأسرى العرب في سجون الاحتلال الذين يبلغ عددهم أكثر من عشرة آلاف. والأكثر طرافة وغرابة من ذلك أنَّ إيهود أولمرت رئيس حكومة الكيان الصهيوني قال بعد القرار إنَّهُ سيبلغ الولايات المتحدة عن موافقته على القرار بعد أيام ولكِنَّهُ سيواصل العمليات الحربيَّة‍‍‍‍!!!