مشروع بنرمان يتصدّع في لبنان!

عام 1831 قال جورج بوش الجدّ: لن يتمجد الرب

إلا بالقضاء على العرب والمسلمين!

بقلم: نصر شمالي - سوريا

عندما أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس "أن الشرق الأوسط الجديد سوف ينبثق من آلام لبنان"، أي أنه سوف ينهض على أنقاض لبنان وفلسطين والعراق، أثارت بإعلانها سؤالاً يتعلق بـ"الشرق الأوسط القديم الذي سوف ينهار"، فما هو القديم؟ هل هو نظام عربي مستقل يجب استبداله بآخر تابع، أم هو نظام تابع مشكلته أنه لم يعد صالحاً بسبب قدمه وعجزه؟ الجواب هو أن الأميركيين يتطلعون إلى تجديد نظام تابع أقامته الدول الاستعمارية على مرحلتين: مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ومرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

***

غير أن نهوض النظام العربي القديم، أو "الشرق الأوسط القديم" الذي يريدون اليوم تجديده، لم يأت من فراغ، فقد جرى التمهيد له على مدى مئات السنين الماضية، خاصة من قبل الإنكليز اللوثريين، المتهودين المتصهينين في إنكلترا وأميركا، فمنذ عام 1649، أي منذ منتصف القرن السابع عشر، أعدت مذكرة في لندن جاء فيها ما يلي:" إن أمة إنكلترا وسكان هولندا سيكونون أول الناس وأكثرهم استعداداً لنقل أبناء وبنات "إسرائيل" إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم لتكون ميراثاً لهم إلى الأبد"! وفي عام 1831، في القرن التاسع عشر، أصدر جورج بوش الجد كتاباً عنوانه (حياة محمد) قال فيه: "إن الرب لن يتمجد إلا بالقضاء على العرب والمسلمين، وبعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم"!

***

إن مشاريع "الشرق الأوسط القديم" التابع كانت تتردد، في إنكلترا وأميركا خصوصاً، على نطاق واسع ومتواتر جداً وطوال قرون عديدة، وكان عليها جميعها التهيئة لمرحلة ما بعد انهيار الرابطة العثمانية، حيث بعدها سوف يبدأ تحقيق الحلم الأوروبي الأميركي، وهكذا في عام 1907 قبيل انهيار الرابطة أوفد رئيس الوزراء البريطاني وزعيم "حزب الأحرار" كامبل بنرمان بعثة كبيرة لدراسة أوضاع المنطقة العربية ميدانياً، فكان ذلك وأعدت البعثة تقريراً يتألف تقريباً من ثلاثة أقسام:

القسم الأول: وصف جغرافية الوطن العربي الكبير وموقعه، وخصائص الأمة التي تقطنه، فصوّر الوضع كما هو فعلاً تصويراً كاد يكون فوتوغرافياً، حيث قال "أن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار ومصالحه الآنية والمقبلة، وأنه من أجل نجاح أية خطة لحماية المصالح الأوروبية لا بد من السيطرة على هذا البحر وعلى شواطئه الجنوبية والشرقية، لأن من يسيطر على هذه المنطقة يستطيع التحكم بالعالم أجمع"! وشرح التقرير أنه: "على الساحل الجنوبي للمتوسط من الرباط إلى غزة، وعلى الساحل الشرقي حتى مرسين وأضنة، وعلى الجسر البري الضيق الذي يصل آسيا بأفريقيا وتمر به قناة السويس شريان حياة أوروبا، وعلى جانبي البحر الأحمر، وعلى طول ساحلي المحيط الهندي وبحر العرب حتى خليج البصرة حيث الطريق إلى الهند، في هذه المنطقة الحساسة توجد أمة واحدة تتوفر لها من وحدة تاريخها ودينها ووحدة لسانها وآمالها كل مقومات التجمع والترابط والاتحاد، وفي ثرواتها الطبيعية وفي كثرة تناسلها كل أسباب القوة والتحرر والنهوض".

القسم الثاني من التقرير، عرض معنى أن تكون الأمة مستكملة وحدتها على أرضها الموحدة، التي حددها التقرير كما رأينا، وشرح أن ذلك ممكن، ثم تساءل: "كيف يكون وضع المنطقة إذا توحدت فعلاً آمال وأهداف أمتها في اتجاه واحد واتجهت هذه المنطقة كلها في اتجاه واحد؟ وماذا لو دخلت إليها الوسائل الفنية (التقانة) الحديثة وإنجازات الثورة الصناعية الأوروبية؟ وماذا لو انتشر التعليم وتحررت وتمكنت من استغلال ثرواتها؟" أجاب التقرير على هذه التساؤلات بالقول: "إن الخطر على الإمبراطوريات الاستعمارية كامن في هذه المنطقة، في تحررها وتوحيد اتجاهات سكانها وتجمعها واتحادها حول عقيدة واحدة وهدف واحد".

القسم الثالث من التقرير تضمن الدعوة الصريحة للدول الاستعمارية ذات المصالح المشتركة لتنفيذ ما يلي: "العمل على استمرار وضع المنطقة المجزأ كما هو، وعلى إبقاء شعبها على ما هو عليه من تفكك وجهل وتأخر، وعلى محاربة اتحاد جماهيرها ومنع ترابطها بأي نوع من أنواع الترابط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها ما أمكن"! وفي هذا المجال دعا التقرير إلى: "درء الخطر عن الاستعمار العالمي بالعمل على فصل الجزء الأفريقي من المنطقة العربية عن الجزء الآسيوي، وذلك بإقامة حاجز بشري، غريب وقوي، على الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا، بحيث يشكل هذا الحاجز قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة".

***

هكذا نهض "الشرق الأوسط القديم" الذي يريدون تجديده اليوم: تجزئة الأمة العربية وتجزئة أراضيها، وفصلها عن بعضها بجميع الوسائل، وفرض الجهل والتخلف والتفكك عليها بحيث تفقد جماهيرها المبعثرة كل مقدرة على المواجهة متحدة، وفوق كل ذلك إقامة الحاجز الغريب القوي بين شطرها الأفريقي وشطرها الآسيوي، وهو ما تحقق عام 1948 بقيام الكيان الصهيوني.

غير أن الأمة العربية، بالرغم من جميع ما فعلوه لم تفقد روح المقاومة والنهوض، وبرهنت في فلسطين والعراق ولبنان أن روحها عصية على الاستسلام والإبادة، فجاء "مشروع الشرق الأوسط الجديد" محاولة لإخضاعها بمزيد من عمليات التدمير الشامل، أي أنه جاء تجديداً وتطويراً لمشروع بنرمان المعمول به منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، لكن صمود المقاومة وفعاليتها في لبنان، وفي فلسطين والعراق وغيرهما، يشير إلى تصدّع مشروع بنرمان القديم، وإلى إمكانية قطع الطريق على مشروع رايس الجديد وتحويله إلى مجرد وهم.