المعنى "الإسرائيلي" للولايات المتحدة الأميركية!

بقلم: نصر شمالي - سوريا

ينظر الكثيرون إلى ما يرتكبه "الإسرائيليون" من تدمير شامل وقتل متعمد في لبنان وفلسطين، ومثله ما يرتكبه الأميركيون في العراق، كما لو أنه حدث عرضي مروّع، ومجرّد ردة فعل سببها التعالي والعنجهية وجنون العظمة، غير أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق، والدافع لمثل هذه الأفعال الإجرامية التي يقدمون على فعلها حتى من دون سبب يكمن في جوهر العقيدة التلمودية/السياسية التي يعتنقها الأميركيون المتصهينون واليهود الصهاينة، فمنذ أواسط القرن السابع عشر كتب الأميركي جورج فوكس (1624-1691) يقول بالحرف: "أن تكون يهودياً باللحم والدم فإن هذا لا يعني شيئاً، أما أن تكون يهودياً بالروح فهذا يعني كل شيء"! وفي ما بعد، في أواسط القرن التاسع عشر، قال عضو الكونغرس الأميركي جيمس بولدين ما يلي بالحرف:" إن قدر الهندي الأحمر الذي يواجه الأنكلوسكسوني مثل قدر الكنعاني (العربي القديم) الذي يواجه "الإسرائيلي": إنه الموت"!

إن التدمير الشامل والقتل المتعمد، بسبب أو من دون سبب، الذي هو نتاج عقيدة أميركية/"إسرائيلية" متأصلة، يفترض أن يكون مفهوماً من قبل أمتنا ومن قبل الأمم الأخرى جميعها، وهو حقيقة مريرة كالعلقم لا خيار أمامنا سوى تجرع كأسها حتى الثمالة، والتعامل معها باعتبارها كذلك، آخذين بالاعتبار أن استسلامنا وانصياعنا لن يبدل شيئاً في المصير الرهيب المقرر لنا، وأنه لا سبيل أمامنا سوى المقاومة والتصميم على دحر الوحوش وإحراز النصر.

القدس في نيو إنغلاند!

منذ الفترة الاستعمارية الأميركية الأولى، في القرن السادس عشر، كان المستوطنون الأوائل يعلمون أطفالهم أن مسيرة التاريخ ترعاها عناية الله الإنكليزي الذي أعطاهم دوراً خلاصياً عالمياً، وكانت افتراضاتهم تقوم على إيمان مزدوج الهدف: تجميع يهود العالم في فلسطين للتعجيل بمجيء المسيح من جهة، وتدمير قوى الشيطان متمثلة حينئذ بالعثمانيين والكاثوليك والهنود الحمر (الكنعانيين) من جهة أخرى، وقد رأى أولئك المستعمرون الأوائل أن خروجهم من الجزر الإنكليزية يضاهي خروج العبرانيين من مصر، ولم يساورهم شك في أخلاقية استعمارهم لأميركا، وحقهم في إبادة سكانها الأصليين، على أساس أن ذلك يساوي اجتياح العبرانيين لأرض كنعان العربية ومباركة السماء لإبادة أهلها! يقول الأميركي (صموئيل فيشر): "لتكن إسرائيل المرآة التي نرى وجوهنا فيها"! ويقول (جون وينتروب) الحاكم الأول لمستوطنة نيو إنغلاند: "إننا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكن العشرة منا من منازلة ألف من أعدائنا، وعندما سيعطينا مجده وأبهته، وعندما يتوجب علينا أن نجعل من نيو إنغلاند مدينة على جبل (مثل القدس)"!

صهيونية العقلانيين الأميركيين!

وإذا ما تحدثنا عن أصحاب الاتجاه العقلاني والمذهب الطبيعي، من مؤسسي دولة الولايات المتحدة، فسوف نجد جيفرسون وآدامز وفرانكلين لا يقلون حماسة للمعنى "الإسرائيلي" للأمة الأميركية عن الرواد الأوائل، فقد أصروا بعد الاستقلال عن إنكلترا أن تكون صورة الخروج "الإسرائيلي" من مصر إلى كنعان هي المثل الأعلى للنضال الأميركي من أجل الحرية، وفي الرابع من تموز/يوليو 1776 كلف الكونغرس فرانكلين وجيفرسون بوضع تصميم لخاتم الولايات المتحدة، فاختار فرانكلين رسماً هو مشهد الخروج "الإسرائيلي" من مصر وانشطار البحر الأحمر بينما فرعون يغرق! أما جيفرسون فقد اقترح رسماً "لبني إسرائيل" في التيه (في سيناء) يرشدهم السحاب نهاراً وعمود النار ليلاً! وقد لخص الرئيس جيفرسون في خطاب له المعنى "الإسرائيلي" للولايات المتحدة بقوله: "إننا بحاجة إلى فضل ذلك الذي هدى آباءنا في البحر (الأطلسي) كما هدى بني إسرائيل، وأخذ بيدنا من أرضنا الأم ليزرعنا في بلد (أميركا) يفيض بجميع لوازم الحياة ورفاه العيش"!

بين لنكولن وكوندوليزا رايس!

إننا لو أخذنا أكثر الصور إشراقاً في تاريخ الولايات المتحدة، من حيث الشفقة المسيحية والحساسية الديمقراطية، ممثلة بالرئيس أبراهام لنكولن، الذي يقال أن تقواه الدينية حولته إلى مناهض لاستعباد الأفارقة، فسوف نجد أن المسألة لم تكن كذلك على الإطلاق، حيث كانت للرئيس لنكولن آراءه العنصرية المسبقة التي جعلته معادياً لأي إجراء من شأنه تحقيق المساواة بين البيض والسود، ففي 18/9/1858 ألقى لنكولن خطاباً في شار لستون عاصمة ولاية ألينوي جاء فيه ما يلي بالحرف: "نعم لحرية الزنوج ولكن لا لمساواتهم. أنا لا أريد امراة زنجية لاستعبادها بل أريدها للمتعة بالضرورة (ضحك وتشجيع من الحضور) وسأبقى حتى اللحظة الأخيرة إلى جانب قانون هذه الدولة الذي يمنع السكان البيض من التزاوج مع الزنوج، وأقول لكم أنني لم ولن أكون أبداً، بأي حال، إلى جانب المساواة الاجتماعية والسياسية بين البيض والسود (تصفيق) ولن أكون أبداً مع جعل الناخبين أو المحلفين (في المحاكم) من الزنوج، ولا مع مساواتهم في تقلد المناصب"!

أما أن كوندوليزا رايس تحتل اليوم منصب وزير الخارجية الأميركية وهي الزنجية، فهذه قصة لا تغير في جوهر الأمر شيئاً، ويمكن شرح أسبابها وقيمتها بسهولة إذا ما أخذنا بالاعتبار خروج الأميركيين من قارتهم لتحقيق خلاص العالم أجمع، خاصة في منطقتنا حيث يعدّون لتدمير ما بين قزوين والأطلسي تدميراً شاملاً، تمهيداً لتهويد هذه المنطقة الشاسعة من العالم واستعباد سكانها!