العقل الصهيوني الحكيم، والعضلات العربية المغامرة!

بقلم: نصر شمالي - سوريا

في الهجوم ضدّ المقاومة اللبنانية زجّ (الإسرائيليون)، ومن خلفهم ومعهم الولايات المتحدة وحلفائها، بقواهم المادية والمعنوية والسياسية الإقليمية والدولية! وفي ساحة المعركة، التي شملت لبنان بمجمله تقريباً، اشتركت في القتال جميع الأسلحة (الإسرائيلية)، الجوية والبحرية والبرّية والاستخباراتية، كما هو حال فلسطين في الضفة والقطاع، وقد صمدت المقاومة اللبنانية يجسّدها "حزب الله" في وجه ذلك كله، وبدا العدو عاجزاً عن تحقيق أي نصر سياسي رغم ما ألحقه بلبنان من دمار شامل، الأمر الذي قد يجعل عملياته العسكرية كلها من دون قيمة، بل قد يجعلها ترتد عليه في محصلتها!

غير أن الأخطر على العدو من فشله في تحقيق أية نتيجة سياسية هو نجاح المقاومة في اختراق منظومته الدفاعية التي طالما ضمنت الأمن لجميع مستوطناته خلال جميع الحروب السابقة، فقد وصلت صواريخ المقاومة إلى أهدافها دون أن يعترضها عائق، مع أن منظومة الدفاع (الإسرائيلية) مجهّزة بمختلف المضادات الأحدث التي تمتلكها منظومة الدفاع الأميركية، وهكذا فكأنما صواريخ "حزب الله" حققت أهدافها داخل الولايات المتحدة بالذات، ولنا أن نتصور بناء على ذلك مبلغ القلق في واشنطن قبل تل أبيب! إن ذلك يجعلنا نقول، من دون أن نجانب الصواب، أن صفحة جديدة قد فتحت في تاريخ الحروب بين الشعوب ومضطهديها لصالح الشعوب، بغض النظر عن النتائج النهائية للجولة الحالية من الصراع، حيث المقاومة العربية حققت حتى الآن نتائج نوعية تاريخية ضدّ العدو، وهي نتائج يبنى عليها، ولا عودة إلى ما قبلها!

من صنع الأنظمة العربية؟

في المقابل، سجّل العدو (الإسرائيلي) اختراقاً معلناً للمنظومة الرسمية العربية، فهذه المنظومة أعلنت لأول مرة انحيازها الصريح (للإسرائيليين) ضدّ المقاومة والأمة، غير أن هذا الحدث الذي بدا مروّعاً للبعض لم يضف جديداً، حيث الأنظمة كانت دائماً متعاونة مع العدو، وبالتالي فإن إعلانه أفضل من كتمانه! وقد كتب الصهيوني الإنكليزي الأعظم ونستون تشرشل في مذكراته يقول: "كانت مشكلة فلسطين من أعقد المشاكل التي واجهتها بريطانيا، وكنت منذ صدور وعد بلفور عام 1917 من أخلص أنصار القضية الصهيونية ومؤيديها، ولم أشعر قط أن البلاد العربية جنت منا غير العدل في معاملتها، فالعرب (يقصد الأنظمة طبعاً) مدينون لبريطانيا ولبريطانيا وحدها في وجودهم كدول، فنحن خلقنا هذه الدول، والأموال البريطانية والمستشارون البريطانيون من دفع بها سريعاً على طريق التقدم، وكانت الأسلحة البريطانية هي التي تتولى حمايتهم (حمايتهم ممن؟!) وكان لنا ومازال كما آمل عدد من الأصدقاء الأوفياء الشجعان في المنطقة، وكان المرحوم الملك عبد الله حاكماً في منتهى الحكمة، وأدى اغتياله إلى زوال الفرصة في تسوية سلمية للمشكلة الفلسطينية (يقصد في ضياع فلسطين طبعاً) وكان الملك ابن سعود حليفاً قوياً، وكنت أتابع في العراق بإعجاب سلوك نوري السعيد الشجاع الحكيم، فقد كان يخدم بإخلاص ملكه، ويقود بلاده في طريق الحكمة من دون أن يتأثر بالتهديدات الخارجية، أو بالضجيج الداخلي المتأثر من الخارج، ومن سوء الحظ أن هؤلاء الرجال كانوا من الشواذ! وهناك أمر واضح هو أن الشرف والحكمة يتطلبان بقاء (دولة إسرائيل) والحفاظ عليها، والسماح لهذا الشعب بالعيش بسلام مع جيرانه، ففي وسع هذا الشعب أن يأتي إلى المنطقة بإسهام لا يقدّر بثمن من المعرفة العلمية والعمل والإنتاج، ومن الواجب إعطاؤه هذه الفرصة لمصلحة الشرق الأوسط كله"! انتهى حديث تشرشل!

العقل (الإسرائيلي) والعضلات العربية!

إن الولايات المتحدة الأميركية هي التي تقوم اليوم، نيابة عن بريطانيا وبقية الديمقراطيات الغربية، برعاية الواحة الديمقراطية (الإسرائيلية)، وفي دعمها وتشجيعها على نشر المعرفة العلمية والعمل والإنتاج في فلسطين ولبنان وغيرهما! وتفعل واشنطن ذلك حسب مقتضيات الشرف والحكمة التي أكدّ عليها تشرشل كثيراً، وهي المقتضيات التي فقدتها لندن تماماً كما يبدو! ومن أجل الإسهام (الإسرائيلي) في ميادين المعرفة والعمل والإنتاج، أعلن أحد الملوك العرب قبل أكثر من خمسة عشر عاماً عن إيمانه بهذا الدور (الإسرائيلي)، وتحدث عن إمكانية وضرورة تكامل العقل الصهيوني والعضلات أو الثروات العربية، في هذه المزرعة الواسعة الشاسعة الفالتة التي يطلقون عليها اسم "الشرق الأوسط"! وإنه لواضح بالطبع المعنى الكامن خلف تعبير "الحكمة" الذي ردّده تشرشل كثيراً، وخلف تعبير التكامل بين العقل الصهيوني والعضلات العربية الذي ردّده ذلك الملك العربي، حيث الحكمة والتكامل يقتضيان أن يقرّ العرب بدونيّتهم، وأن يسلّموا بحاجتهم التامة الدائمة لرعاية والحماية، مثل المتاع والأنعام والعبيد، فيقبلوا بما تختاره لهم الديمقراطيات الغربية من أشكال الحياة بإدارة الكيان الصهيوني، رسول المعرفة والعلم والإنتاج!

والآن، أليس واضحاً أن التصريحات الرسمية الأخيرة ضدّ المقاومة اللبنانية والفلسطينية والعراقية، التي تحدثت عن المغامرة والتعقل، هي في جوهرها بالضبط ما أكدّ عليه ونستون تشرشل بصدد الحكمة والشرف؟ أليست في جوهرها، وفي مراميها الميدانية المباشرة، بالضبط ما أعلنه ذلك الملك العربي الراحل حول حق (الإسرائيليين) في القيادة والسيادة وواجب العرب في الانقياد والانصياع؟ أليس حكام اليوم هم حكام الأمس الذين امتدحهم تشرشل، وقال أنهم مدينون له بخلق دولهم وبحمايتهم؟

إن المقاومة والأمة تجنحان اليوم أكثر فأكثر، كما يقول الحكماء العرب، إلى المغامرة وليس إلى التعقل، بينما يواصل الأميركيون محاولاتهم لفرض معايير تشرشل الأخلاقية الحكيمة العاقلة، التي تعثّر تحقيقها طويلاً، ويبدو أن أخلاقهم، وحكمتهم وعقلانيتهم، تجعلهم لا يتردّدون في تدمير بلد بكامله على رؤوس سكانه في سبيل تحقيق هدفهم الحضاري النبيل!