بريمر يفضح المتعاونين

أ. د. حازم طالب مشتاق

معالي الأستاذ عبد الغني الدلّي، عروبي قديم، وعراقي أصيل، ومثقف معروف، ينتمي إلى عائلة شيعية كريمة، ويرتبط بالمصاهرة مع عائلة سنية عريقة هي عائلة المرحوم رؤوف بك الكبيسي، وكان وزيرا في العهد الملكي، ويقيم حاليا في لندن. سأله أحدهم مؤخرا عن رأيه في مذكرات بريمر عن أيام حكمه في العراق تحت الاحتلال الأمريكي. فأجاب بالحرف الواحد كما يلي: "قبل أن اقرأ مذكرات بريمر كنت أعتقد أن أمريكا قد ارتكبت العديد من الأخطاء في العراق، ولكنني أيقنت بعد أن قرأتها أن أمريكا لم ترتكب أي خطأ في العراق أبدا، وأن كل ما فعلته في العراق كان متعمدا ومقصودا ومرسوما وعن سابق تصور وتصميم". ويبدو أن ما أفادته وزيرة الخارجية الأمريكية منذ وقت قريب بأن بلادها قد ارتكبت الآلاف من الأخطاء التكتيكية في العراق كان كذبة كبرى أخرى للتعمية والتغطية على القرارات الاستراتيجية التي نفذتها بوعي وإصرار، قرارات شريرة ومؤذية من نوع تثبيت المحاصصة الطائفية وتسريح الجيش العراقي وتأسيس نظام يحكمه المتعاونون الذين دخلوا على ظهور دبابات الاحتلال وفرضه على الشعب العراقي بقوة الحديد والنار.

كان بريمر مبعوثا رئاسيا وحاكما مستبدا مطلق الصلاحية بكل معنى الكلمة للتصرف في شؤون البلاد والعباد، يشبه تماما (الغاولايتر) النازي أو (الساتراب) الفارسي أو (البرو-قنصل) الحاكم الإداري الروماني المطلق في بلاد مستعمرة أو محتلة.

يظهر بريمر في مذكراته، مختالا فخورا بنفسه مزهوا بمنصبه، كالطاووس المنفوش الريش. هذا الإنسان الذي كان مغمورا في بلاده، لا يعرف له اسم، ولم يسمع به أحد، ركبه الغرور المقيت بعد أن شاء القدر أن يجعله حاكما في غفلة من الزمن على بلاد هي الأعرق في التاريخ الإنساني على الإطلاق.

لا يذكر بريمر أعضاء الفريق العراقي المتعاون معه بأي خير، ولا يبدي لهم الحد الأدنى من الامتنان والتقدير. فهو لا يعفي بعضهم من لسعاته اللاذعة، ويسخر من البعض الآخر، ويزدري البعض الثالث. وفي جميع الأحوال يعاملهم باستخفاف واستصغار واحتقار. وكلما ورد اسم أحدهم في سياق المذكرات والوقائع، يسارع بريمر إلى التركيز على الجوانب السلبية والضعيفة في شخصيته، مستبعدا تماما الجوانب الايجابية والقوية إن وجدت. وخطورة وأهمية هذه المذكرات تكمن في أنها تتناول قضايا مسكوتا عنها أو أنها ما تزال بعيدة عن دائرة الضوء.

لكن ما ورد في الكتاب عن الأشخاص والأسرار والخفايا يحتاج إلى التحقيق والتوثيق والتدقيق والإيضاح والرد. والمطلوب من تلك الشخصيات الآن أن تتكلم. لأن المذكرات هي رواية للتاريخ من مصدر واحد ومنظور خاص. والأهم من ذلك كله أن يطلع العراقيون والعالم أجمع على الردود والإيضاحات ليس من باب الفضول العلمي والشغف المعرفي وطلبا للحقيقة، بل ليتبينوا بأنفسهم تاريخهم القريب وتاريخ شخصيات تحولت إلى زعامات وقيادات تعاملت مع الاحتلال سلبا أو إيجابا، وما زال بعضها يتفاخر بالأدوار التي لعبها و"المكاسب" التي حققها، وكأن ما حدث قد حدث في عالم الغيب وليس في عالم المنظور والمرئي والمسموع. ويبقى بريمر مسؤولا عما يقول وما يكتب، صدقا أو كذبا أو تهوينا أو تهويلا.

ينقل بريمر حوارا دار بينه وبين راميرو دا سيلفا البرتغالي الأصل والمسؤول في الأمم المتحدة عندما اعتذر هذا الأخير عن وضع أموال "النفط مقابل الغذاء" تحت تصرف بريمر لأنها تعود إلى الحكومة العراقية وهي وحدها صاحبة الحق في التصرف بها. فأجابه بريمر بنبرة حازمة بقوله "أنا الحكومة العراقية الآن، وإنني أطلب من الأمم المتحدة باسم تلك الحكومة وبالنيابة عنها تقديم هذه الأموال على الفور" (ص 52 من الترجمة العربية). وللمزيد من التفاصيل والمعلومات، يستطيع القارىء الكريم أن يراجع الترجمة العربية للمذكرات بعنوان (عام قضيته في العراق- بقلم بول بريمر- ترجمة عمر الأيوبي -بيروت- دار الكتاب العربي- ،2006 والمراجعة النقدية القيمة التي نشرتها مجلة "المستقبل العربي" للباحث والمفكر العراقي عبد الحسين شعبان في عدد تموز 2006 -العدد 329-الصفحات 156/174.

ويبين بريمر بلهجة استكبارية متعالية كيف أنه ألغى اجتماعا كان من المقرر عقده مع قياديين عراقيين بارزين بناء على ترتيبات أعدها الجنرال غارنر، لأنه أراد أن يكون مفهوما لديهم بأنه هو المسؤول الأعلى وصاحب القرار النهائي الوحيد وليس غارنر، وانه ليس مستعجلا للالتقاء بهم. (ص 60 من الترجمة العربية).

ولعل أبرز وأهم وأخطر ما ورد في المذكرات عن الشخصيات العراقية يتعلق بالمزاعم التي يرددها بريمر عن آية الله العظمى سماحة السيد علي السيستاني. وهذه المزاعم تحتاج من ذوي العلاقة وأصحاب الشأن إلى وقفة جدية ومواجهة مسؤولة ومراجعة صريحة وشفافة وعلنية، تنبع من الحرص على حرمة المرجعية ومصداقيتها، وعلى كرامة الطائفة وسمعتها.

ومن الجدير بالذكر أن بريمر يزعم أنه تبادل أكثر من ثلاثين رسالة مع السيستاني في غضون عام واحد، وكان بريمر كما يقول يتصل بالسيستاني سرا بوساطة قنوات ثلاث. الأولى هي د. موفق الربيعي. والثانية هي السيد حسين اسماعيل الصدر الذي يعيش في الكاظمية. والثالثة هي السيد عماد ضياء الخرسان الأمريكي الجنسية والمسؤول في "لجنة إعادة الإعمار" ومن الذين يثق بهم ويعتمد عليهم الاحتلال الأمريكي في العراق (ص 253).

ويقول بريمر: ولكي استوضح الموقف بشأن التعاون استخدمت قناتي الخاصة للاتصال بالسيستاني (عماد ضياء الخرسان). في تلك الليلة عاد عماد الخرسان حاملا أنباء طيبة. وقال وهو يقرأ ملاحظاته "أن آية الله العظمى معجب بك ويحترمك. وهو يقدر الفرصة للعمل معك من أجل مستقبل العراق. وأن آية الله العظمى يؤمن بالديمقراطية، وهو ملتزم بالعمل مع الائتلاف" (ص 308). ويقول بريمر ان "السيستاني سيعمل معنا، فنحن نتقاسم الأهداف نفسها".

يتحدث بريمر عن اتصالات سرية بينه وبين السيستاني من خلال الوسطاء (ص 214). ويضيف بريمر "أن السيستاني أرسل إليه رسالة يقول فيها إن موقفه (بالامتناع عن المقابلة الشخصية) بسبب عدائه للائتلاف، بل هو يتجنب الاتصال ليتيح فائدة أكبر لمساعينا المشتركة، وأنه قد يفقد بعض صدقيته إذا تعاون معنا علنا".

ولا ندري ماذا سيقول القراء بعد اطلاعهم على هذه الاتصالات السرية؟ ولماذا لم تكن هذه القنوات علنية ومباشرة ورسمية؟ أم أن بريمر يتوخى غرضا معينا في تجريد الآخرين من وطنيتهم وعقيدتهم وإنسانيتهم بتأكيده على استعدادهم للتعاطي معه ومع الاحتلال من دون اعتبار مبدئي وأخلاقي؟

هذا الطاووس الصلف المغرور التافه قد انزل بالعراق جروحا مفتوحة وأضرارا فادحة سيحتاج علاجها إلى أجيال وجهود وتضحيات.

حقيقتان أساسيتان نهائيتان تتكشف عنهما هذه المذكرات وتقود إليهما. الحقيقة الأساسية النهائية الأولى هي أن الاحتلال الأمريكي في العراق شر مطلق وباطل محض، لا يمكن أن يصدر عنه ولا أن يرتجى منه أي خير على الإطلاق. والحقيقة الأساسية النهائية الثانية هي أن "حكم المنطقة الخضراء" ليس سوى نظام هش هزيل فاسد، لم يستطع أن يقدم للشعب العراقي أدنى وأبسط مقومات الحياة والحرية والكرامة طوال السنوات الثلاث الماضية.

هذا ليل بهيم لا يمكن أن يطول. وهذا احتلال ظالم لا يمكن أن يستمر. وهذا نظام عقيم سقيم لا يمكن أن يدوم. والغد لا يمكن إلا أن يكون للشعب العراقي الصابر الصامد البطل.