القرار 1701... أمريكا علقت حربها "الاسرائيلية"...

...انتصرت فكرة المقاومة!

عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا

أصدر مجلس الأمن الدولي قراره 1701 ... أوقفت الولايات المتحدة الأمريكية حربها "الإسرائيلية"، التي لم تتوقف بعد، فالقرار أعطى آلة الموت "الإسرائيلية" فرصاً للتلكؤ في الوقوف... وسواء توقفت أم لم تتوقف في الأيام المعدودة القادمة، أو مددت "إسرائيل" أيام فرصها الدموية التي منحها إياها هذا القرار، ولأي ذريعة كانت، فإن هذا القرار سيكون بامتياز مدار جدل الأيام القادمة:

هل تضمن ما هو تحت الحد الأدنى من المطالب اللبنانية، أو "أفضل الممكن"، أم ما هو تحت الحد الأقصى من المطالب "الإسرائيلية"، بحيث استحق أن يتصل أولمرت ببوش شاكراً له "مساعدته على إبقاء مصالح إسرائيل في مجلس الأمن"؟!

ومع ذلك، ستظل الحقائق التي كشفتها هذه الحرب هي الحقائق، ولن يحجبها غربال اللغط الدعاوي مهما اتسعت مساحته، وعن أي جهة صدر... ومن ذلك:

إنه لم يعد من مجادل اليوم في أن الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذه الحرب العدوانية الأمريكية - "الإسرائيلية" على لبنان كانت وتظل واضحة وضوح الشمس في الظهيرة من هذا الشهر الصيفي اللاهب في بلادنا. إنها ، وبعيداً عن ما يعلن لم تشن إلا لهدف واحد ما سواه، أو هو الأساس، ألا وهو رأس المقاومة اللبنانية في سياق قرار ملاحقة المقاومات أينما وجدت في البقاع العربية الأخرى... في فلسطين و العراق... ويتعدى ذلك الوطن العربي إلى محيطه الإسلامي وصولاً إلى أفغانستان وما قد يستجد من مظاهر ممانعة قد تلوح في مواجهة صروف الهيمنة الأمريكية المضروبة أو المنشودة على هذا الحوض العربي الإسلامي الممتد من آسيا الوسطى وحتى تخوم العرب الإفريقية... الهدف الذي ثبت ميدانياً، وعبر كل هذا الصمود الأسطوري اللبناني شعباً ومقاومةً، أنه صعب المنال، الأمر الذي أسهم في صدور قرار إيقاف الحرب التي لم تتوقف بعد...

قلنا سابقاً أن المقاومتين العراقية والأفغانية قد أوقفت مخططات الغزو الأمريكي للساحات الأخرى المرشحة في تراتبية قائمة الغزو المزمع للمنطقة، أو هما، على الأقل، أجلتاه إلى حين، نظراً لتعثر المشروع الأمريكي في هذين البلدين وتفاقم كلفته المادية والبشرية، جراء اشتداد عود المقاومة فيهما، وتحولهما إلى حالتي إرباك و ساحتي ورطة تتعاظم للإمبراطورية التي تجالد استباقياً، وفق منطق محافظيها الجدد، لمد حقبة تحكمها في قرار العالم أطول مدة ممكنة تسبق الأفول المحتوم الملازم عادة لسيرورات الإمبراطوريات عبر التاريخ. واليوم يمكننا القول، ونظراً للوقائع الميدانية في ساحة الحرب التي لم تتوقف بعد، وبعيد انقضاء شهر ودخولنا الثاني على بدئها، أن حال "الإسرائيليين"، هذا الوكيل "الإسرائيلي" المناط إليه مهمة شنها اليوم في لبنان، ليس بأفضل حال منه بالنسبة لصاحب هذه الحرب الحقيقي أو متعهدها، الولايات المتحدة، في الساحتين اللتين يخوض فيهما حربه راهناً بالأصالة عن نفسه، أي العراق وأفغانستان. طبعاً مع الفوارق الموضوعية العائدة لاختلاف الساحات الثلاث. بل يمكن الجزم بأن "إسرائيل" قد خسرت حربها عسكرياً، أو في هذا الشق منها على الأقل ، ولعل هذا ما يفسر سرّ كل تلك الحرب الدبلوماسية، حامية الوطيس الموازية، التي شنت، ودارت رحاها في الأيام الأخيرة الماضية في أروقة مجلس الأمن، بغية تعويض هذه الخسارة بما يمكن فرضه بقدرة القادر الأمريكي سياسياً، أو التحايل الغربي لإيجاد السبل لإخراجها من هذه الورطة التي دفعها دورها في خدمة الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة هذه المرة إلى ولوجها قبل أي دافع ذاتي آخر، أو قبل جملة من دوافع "إسرائيلية" معروفة غدت اليوم في حكم الثانوية لكن لا يمكن تجاهلها.

بعد شهر من تعثر استهدافات الغزاة، وتوصيفاً للواقع الميداني الصعب الذي يواجه الجيش الذي لطالما زعم أنه لا يقهر جراء أسطورية المقاومة اللبنانية، أخذنا نسمع أصواتاً "إسرائيلية" ترتفع مولولة لتلقي بمصطلحات هي "إسرائيلية" أيضاً، وتدخل سوق التداول الإعلامي لأول مرة، مثل: "هزيمة يصعب أن تمحى"، و "ازدياد تآكل قدرة الردع"، أو "إحدى الحروب التي يستحيل الانتصار فيها"... إلى ما هنالك من أمور تعكس جملة من مآزق تواجه كافة الأطراف في هذه الحرب والمعنيين بها، ونستثني من هؤلاء طرفاً واحداً لا غير لا يواجه مأزقاً وإنما تحدياً، ألا وهو المقاومة، ونجملها على الوجه التالي:

الأول: مأزق لصاحبة الحرب ومعيقة مطلب إيقافها في محاولاتها لفرض اشتراطاتها لهذا الإيقاف، أي الولايات المتحدة، التي تؤمن أكثر من سواها في الغرب بأن المقاومات والممانعات العربية وعلى رأسها المقاومة اللبنانية، أو من هي اليوم على رأس قائمة تلك المطلوب رؤوسهن من مقاومات وممانعات، تشكل خطراً استراتيجياً على مصالحها في المنطقة، الأمر الذي يعني أن أي إيقاف لهذا العدوان دون تحقيق مثل هذا الهدف المطلوب، سوف يعني انتصار هذه المقاومة، وتكريسها مثالاً وقدوة ورافعة لشقيقاتها الأخريات الموجودات، أو من هن في قيد احتمالات الاندلاع في هذا الزمن العربي الحافل بإرهاصاتها جراء طفوحه بالإحساس بثقل المهانات المتراكمة، والذي يعيش بوادر اشتعال أوار غضبة لا تكتمها مؤشرات تتبدى تحت كل هذا الصمت الخادع لأمة مغيبة مقهورة. الأمر الذي لا يمكن للأمريكان تصور احتماله وهم يواجهون ما يواجهون اليوم في العراق وأفغانستان، مع ما يلاحظونه مع الأيام من ازدياد تململ العالم الذي ضاق ذرعاً بالبلطجة التي فرضوا منطقها على السياسة الدولية ووصلت  شظايا مخاطرها جهات الكون الأربع، فتضرر مع من تضرر من تداعياتها مشاريع مراكز القوى الصاعدة الطامحة في مزيد من الدور الذي يتلاءم مع أحجامها ذاك الذي سوف يصطدم لا محالة بأحادية القطبية الأمريكية قيد التآكل البطيء لكن المحتم.

إن هذا هو ما يوضح استهدافات ومرامي المسودة الأولى لمشروع القرار الفرنسي الأمريكي محل التجاذب والتعديل قبل إقرار نسخته الأخيرة، الذي بدا الأقرب ما يكون إلى نوع من خارطة طريق تفرض على لبنان، تحمل شروط استسلام "إسرائيلية" مهينة لا يمكن بحال قبولها، وبالتالي إعطاء إسرائيلي الوقت الكافي لإكمال جرائمها العدوانية ومساعدتها على احتواء الاعتراضات العربية والدولية على العدوان. أو هو باختصار ترجم عن أن المطلوب من لبنان مقابل إيقاف إطلاق النار، قبل ما جرى لاحقاً عليه من تشذيب لم يبتعد به كثيراً عن جوهره، كان أفدح بما لا يقاس من استمرار العدوان الدموي والحرب التدميرية ضده. ألم يقل (ديفيد وولش) - مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط -، في قدومه الابتزازي ما قبل الأخير إلى بيروت للبنانيين، أو لحكومتهم، وفقما شاع: "عليكم أن توافقوا على المسودة المطروحة، وبذلك وحده تخففون على بلدكم المزيد من الخراب والدمار والقتل"!!!

بمعنى آخر، أن المعركة التي دارت في نيويورك بالتوازي مع المعركة الدائرة في لبنان، كان يراد لها أن تكون الأشد فتكاً من الأخيرة، وهدفها، عبر ما أريد دسه في مشروع القرار من العبارات المفخخة، كان كما أسلفنا، انتصاراً سياسياً بعد أن عزّ العسكري.

الثاني: مأزق "إسرائيلي"... في بداية الحملة العدوانية، قال بيرز: "أنها حرب وجود... ماذا يعني هذا"؟

أنه، مع الأخذ في عين الاعتبار فوبيا عدم الاطمئنان الوجودي، والسيكولوجية الغيتاوية "لإسرائيل"، هناك إحساس عميق وموضوعي لدى "الإسرائيليين" أن هذه الحرب، وقد كشفت هشاشة كيانهم الاستعماري الاستيطاني الإحلالي المفتعل، قد ذهبت رياحها غير المتوقعة جراء الصمود البطولي للمقاومة اللبنانية وأدائها، الذي فاق تصور الأعداء والأصدقاء معاً،  بهيبة قوة الردع "الإسرائيلية" بآلتها المدمرة الرهيبة والمتطورة، لتذرو أوهام الجيش الذي لا يقهر، هذا الذي انحسرت قدرته أو قدرة المشروع الصهيوني عبره فغدت عاجزة عن مزيد من التوسع أو التمكن من الاحتفاظ بمزيد من الأراضي العربية التي يتم احتلالها، كما أثبت ذلك انكفاء هذا الجيش مدحوراً من جنوب لبنان قبل ستة أعوام وعلى يد ذات المقاومة.

كما وأن الوقائع الميدانية وبعد حلول الشهر الثاني من بدء الحملة العدوانية، ورغم كل ما لحق بلبنان من تدمير وما أزهقت فيه من أرواح مدنية أغلبها من الأطفال والنساء والشيوخ، قد أعلنت انتهاء عصر "الانتصارات الإسرائيلية" السريعة أو الخاطفة، ووضعت حداً لجدوى استراتيجية نقل المعركة إلى حيث يقف الطرف المقابل،  لاسيما بعد ضرب البعد الأمني أو الركيزة الثالثة بعد الدور في المنطقة والبعد الأيديولوجي الخرافي الذي تقوم عليه "إسرائيل"، عندما  وصلت صواريخ المقاومة اللبنانية إلى الخضيرة على مشارف تل أبيب، لعل هذا ما حدا بمعلقين "إسرائيليين" للقول: "أن "صورة (إسرائيل) ومستقبلها على المحك"، وأن صمود بنت جبيل وبطولات المقاومة فيها قد أثبتت أن "من الممكن هزيمة الجيش الإسرائيلي". بل إن  ما رشح من التقرير الميداني المقدم للمجلس الوزاري المعني بقرارات الحرب قد قال حرفياً:

"إن استمرار المعارك في بنت جبيل منذ أسبوعين أنهك معنويات الجمهور الإسرائيلي"... ويمكن سوق  كثير  الكلام عن الخلافات التي دبت بين جنرالات الحرب والأمن "الإسرائيليين"، لاسيما بين جنرالات الطيران والمشاة، وبين هؤلاء ومن هم على رأس الاستخبارات، وبين كل هؤلاء وما يدعى في "إسرائيل" بالمستوى السياسي، ومن ذلك، على سبيل المثال، قول بيرتس للجنرال موفاز: "أين كنت عندما بنى حزب الله كل هذه المنظومة الخطرة؟!".

وقول وزيرة الخارجية ليفني للجنرالات المطالبين بتوسيع رقعة الغزو، وهي التي كانت سابقاً تطالب رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة بعجرفة بأن يكفكف دموعه: "لقد كان لديكم شهر بكامله لم تنجزوا فيه شيئاً يذكر، من قال لكم أن بوسع أحد أن يمنحكم شهراً أو شهرين آخرين، إننا منذ الصباح سوف نعمل على محاولة وقف النار في يوم أو يومين"!!!

ومناشدة أولمرت وزرائه، وهو الذي يخشى مصيراً سياسياً مشابهاً لمصير غولدا مائير إثر حرب 1973، وسبق له وأن وصف جنرالاته المنتقدين لأدائه بـ"وقحون متعجرفون": "أرجوكم الاحتفاظ باتزانكم وبرودة أعصابكم"!!!

لعل هذا المأزق الذي يجد "الإسرائيليون" أنفسهم فيه، وهم يواجهون رجال المقاومة اللبنانية الذين يصفهم أحد الضباط من قوة المراقبين الدوليين في الجنوب اللبناني، كما نقل عن أحد المراسلين، قائلاً:

"لا نعرف من أين يأتون، إنهم ينامون في الأرض، وعندما يريدون، يفرجون عن حممهم الصاروخية بدون أن ينالوا منهم. إنهم أسطورة بكل معنى الكلمة"... لعل هذا المأزق، هو ما كان وراء قرار المجلس الوزاري "الإسرائيلي" المصغر بتوسيع نطاق الحرب البرية، لكن تعليق التنفيذ، أو الإقدام عليه في حالة "إن لم يكن مفر من ذلك"  وفق تعبير وزير الحرب بيرتس!!!

إذن الهروب من الميدان إلى الانتصارات السياسية المتكئة على ما يتيسر من ما يمكن تحقيقه من انتصارات ميدانية رمزية كالوصول إلى الليطاني عبر مناطق حدودية قريبة منه، الأمر الذي لن يتم إلا بمساعدة متوفرة من الحليف الذي لم يكن يريد إيقاف الحرب قبل درء الخطر الاستراتيجي المقاوم!

الثالث: مأزق دولي، أو قل أوروبي، فالوحشية الإسرائيلية التي فاقت التصور، أحرجت النفاق الأوروبي التليد، الذي لا يمكنه إدانة "إسرائيل"، ولا إبداء الموافقة على دمويتها، فحيث هو المنحاز أبداً "لإسرائيل" والمعادي لفكره مقاومة عدوانها، فإن اعتراضه الموارب على جرائمها يظل من باب الحرص عليها، ولعل هذا يتضح جلياً في مشروع القرار الأمريكي-الفرنسي الذي رسى مؤخراً على ما هو عليه بعد إقراره، والذي مهما كان فقد أثبت قبل وبعد التصويت عليه زيف التمايز الفرنسي الأمريكي وشكليته، كاشفاً عن موقف أوروبي لا يقل في جوهره عدائية عن الأمريكي و الإسرائيلي للمقاومة... فالفارق يظل تمايز نفاق لا يمنع احتمالات الالتحاق عند الضرورة بالموقف الأمريكي... البحث عن دور ثم القبول بفتات... إذ عندما تعثرت "خارطة الطريق" الفرنسية الأمريكية المرادة للبنان، هدد شيراك ملوحاُ بأن إصرار الشريك الأمريكي على مواقفه سيعني ذهاب الفرنسيين بخارطتهم الخاصة بهم للتصويت منفردين، فانصرف بولتون ودولا سابليير لما من شأنه ألا يؤدي إلى مثل هذا الذهاب!!!

المأزق الرابع: هو لبناني... وأيضاً عربي... لبناني عندما خذل الفرنسيون أصدقائهم "الأرزيين" المراهنين عليهم، تماماً كما فعل ويفعل الأمريكان عادة بأصدقائهم العرب...  فالطرفين الفرنسي وقبله الأمريكي خذلا من ظن من اللبنانيين أنهم حلفاء لهما، تماماً كما ظن مثلهم ولاقى ذات الخذلان أغلب النظام العربي الرسمي... أي أنه، ورغم كل ما سيقال حول الحد الأدنى المقبول لبنانيا وعربياً من بنود القرار، تم خذلان أولئك المتعلقين بحبال هواء هذا التحالف الوهمي في الساحتين العربية واللبنانية، أو من يحاولون الزعم للآخرين بإمكانية التوفيق بين هذا التحالف الوهمي وإدعائهم المعاداة غير المثبتة عملياً "لإسرائيل"...

... وبغض النظر عن بنوده الأقل من الحد الأدنى المطلوب لبنانياً والأقل من الحد الأقصى المطلوب "إسرائيلياً" فإن صمود المقاومة... مجازر (المركافاة)... المفاجآت التكتيكية الذكية للمقاومة... استدراج العدو للمصائد المحكمة وجندلته، وملاحقة الفارين مولولين في سهل الخيام... أنتج للآخرين جملة من المآزق:

مأزق الإمبراطورية التي ترى فيها خطراً استراتيجياً يتهدد مد هيمنتها إلى أقصى مدة ممكنة على قرار العالم قبل أن يحين أوان الأفول المحتم، والمأزق "الإسرائيلي" الذي يرى في انكفائه انتصاراً للمقاومة، في حين أن في بقائه في الجنوب استنزافاً لا يحتمله، حيث صواريخه تظل تتهدد عمقه وتدفع بثلث مستوطنيه للملاجيء أو الرحيل، أما الهروب إلى الأمام فلا يعني سوى التوجه إلى مزيد من الورطة... مأزق لمن يخشون انتصار المقاومة أكثر من الأمريكان و"الإسرائيليين".. المقاومة وحدها مهما غلت التضحيات، بالتوافق مع استثمار صمودها وحدوياً على الصعيد الوطني، ولمنع الفتنة، باعتبار هذا الصمود مدعاة مناعة ضد التهتك الداخلي، هي وحدها التي انفردت من بين أطراف الحرب والمعنيين بها فكانت بغض النظر عما تؤول إليه تداعياتها ظلت بلا مأزق... لم يتحقق الهدف الأساس من وراء شنهم حربهم العدوانية على لبنان... علقت أمريكا حربها "الإسرائيلية" ربما إلى حين... في كل الأحوال انتصرت فكرة المقاومة!