زعامة الحمار

محمد ملكاوي/الأردن

في الوقت الذي يشكل فيه الحمار شعارا للحزب الديمقراطي الأمريكي، نجده قد صار اسما لحزب كردي، ورمزا وطنيا أو دينيا لجماعة أخرى، تبقى الدلالة الاصطلاحية للحمار عند الجميع حالها محصورة في المعنى الذهني والفكري دون تحقير شخصي للكائن البائس ولا لجليل خدماته، ولا المستوى الذهني المختلف الذي يتمتع به فالبعض ينعتونه بأنه من كبار المهندسين الذين يعرفون معالم الأرض عن ظهر قلب بما يسهل له معرفة طريقه بشكل يفوق البشر!، والحمير كما يعلم الجميع أنواع منها العالية الفارهة ومنها الأهلية، ومنها ذوات الأرجل القصيرة والبرية والوحشية، لكنها جميعا في المحصلة حمير على اختلاف المواصفات والمقاييس التي تتوزع عليها، ونجد في اللغة أن الجحش هو وليد الحمار إلى أن يفطم، وسمي جحشا لمدافعته، والأنثى منه تسمى بالأتان، فيما يطلق على الحمار الصغير بعد فطامه وقبل تطبيعه اسم الكُر، التطبيع الذي هو كناية عن التمهيد لتدريبه على الخدمة من ركوب وحمل وتلقي الأوامر.

نعت الإنسان بالحمار، في مجتمعي على الأقل، يحمل العديد من المعاني من مثل الصوت العالي النشاز، ومثل العناد والمدافعة "الجحشنه"، أو قلة التفكير والغباء مما يجعله سهل الاستدراج على طريقة العصا والجزرة وتوجيهه، وحمار في الشتيمة تعني أيضا قلة الحياء لكونه يمارس نداء الطبيعة جهارا نهارا حيثما اقتضت غريزته بلا تواري، كما أن لفظة حمار تعني القدرة البهيمية في التناسل، كما يكنى الحمار أبو صابر لجلده واحتماله المشقة.

من المشاهير الذين حازوا هذا اللقب كان مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية لما عرف عنه كم جلد في حرب الخوارج، وقيل‏:‏ سمي بالحمار لأن العرب تسمي كل مائة سنة حمار فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة كان مروان هذا خليفة بني أمية فلقبوه بالحمار وأخفوا ذلك من قوله تعالى في موت حمار العزير:‏ ‏"‏وانظر إلى حمارك‏".

ذات مساء خريفي غاب عن ليله القمر كنت في جلسة تنادى إليها عدد من متثقفي قريتي حين زف أحدهم البشرى بتغير أحد المسؤولين ممن تلخص دورهم بعقدة المنشار، ومع مشاعر السرور التي انتابت الجمع، والابتهاج بغد أفضل تحلحل فيه من الشدة أوضاعنا، صدر عن أحد المتشائلين زفرة تحمل الاستنكار واليأس، بررها لنا حين حملنا عليه بمثال من تراث عالم الحمير ضربه لنا.

بعد تذكيره لنا بأهمية زمن الحمير، جاء على سرد طريقة تجارتها، حيث كانت تقام الأسواق المتخصصة لهذه الغاية فيما سمي بخانات الحمير، ونظرا للاختلاف في الحجم بين الحمير وباقي الحيوانات، فمن الصعوبة بمكان ربط  مجموعة من الحمير والسير بها معا، أو حتى حصرها بمكان انتظارا لمشتري.

ولهذه الغاية يلجأ صاحب القطيع إلى أسر أعندها بربطه إلى جذع شجرة، لتحوم خلف قيادته وبشكل دراماتيكي تشكيلات الحمير صادحة بنهقات موسيقية كأنما تعلن عن فرحتها بحصولها على زعيم يحررها من ربقة البشر، لكن ما لا تعلمه الحمير مجتمعة بما فيها زعيمها، هو أن هذه الزعامة آنية مرهونة برأي المشري واحتياجاته الذي لربما وقع اختياره في الشراء على زعيمها، لتعود عقب بيعه الكرة من جديد إلى تزكية صاحب القطيع الذي ينصب حمار آخر ليحل مكان الأول، وهلم جرا.

الرواية يمكن تخيلها وقياسها على زعيم من مثل بوش الابن، الذي ربطته مطامع  المحافظين الجدد، حسبما ارتأت فيه؛ إلى المكتب البيضاوي، ينبئنا بذلك اعتراف المحافظين أنفسهم بغباء هذا المزعوم قائدا، وأقل ما باتوا يقولون عنه مما يزين لنا هذه المقاربة، بأنه كائن يفتقر إلى أشكال الفضول الفكري، حتى أنهم باتوا يهربون من دورهم في هذا الاختيار عبر تسريباتهم لشعارات من مثل: هل بوش أحمق؟ وفي الحقيقة فإن الإجابة كما الصياغة لا تقبل النفي، فصمويل هانتنغتون صاحب نظرية "صدام الحضارات" بات يقر بخسارة أمريكا للحرب على العراق، وفرانسيس فوكوياما بات يرى في الحرب على العراق غلطة جسيمة ويعلن ردته عن مجتمع المحافظين الجدد.