فتاوى "الشرق الأوسط"!

محمد ملكاوي/الأردن

تتناقل الصحف العربية خارطة نشرت على موقع مجلة القوة العسكرية الأمريكية عدد حزيران/يونيو 2006 ضمن مقال للكاتب رالف بيتر عنونه بـ "حدود الدم، كيف سيبدو الشرق الأوسط الأفضل؟" يظهر فيه "الشرق الأوسط الكبير"، لا الجديد بحسب التصريحات الأخيرة لسادة الإرهاب بوش ورايس، حيث تستثني هذه الخارطة من التقسيم وإعادة الهيكلة جميع الأقطار العربية في إفريقيا، لتقتصر على الآسيوية منها باستثناء سلطنة عمان والكويت، فتطال كلاَ من تركيا، وإيران، وأذربيجان، وأفغانستان، وباكستان.

والتقسيم الجديد كالقديم، يرتكز على اللعب على أوتار التناحر المذهبي والديني، والعرقي، مما يجعل عددا من الكيانات السياسية الجديدة تظهر للعيان، من مثل: كردستان الحرة والتي ستظهر على أساس عرقي وعلى حساب تركيا وسوريا والعراق وإيران، ودولة سنيستان ستنشأ على أساس الدينية المذهبية القومية في الجزء الأوسط من العراق، وشيعستان، التي يطالب بها حكيم إيران في العراق!، ستقوم على أساس الدينية المذهبية القومية في جنوب العراق لتحاصر جميع حدود الكويت ما خلا مياه الخليج العربي، ممتدة في رقعتها على الأراضي العربية في إقليم عربستان والساحل الشرقي للعربية السعودية، كذلك ستنشأ عن هذا المخطط الدولة الإسلامية المقدسة على الساحل الغربي للعربية السعودية مشتملة على مكة والمدينة المنورة والتي ستحاكي في تنظيمها الفاتيكان، ولتظهر دولة بلوشستان على أساس قومي كما في كردستان، على أنقاض كل من إيران وأفغانستان وباكستان، فيما لبنان يقرر له أن يصبح لبنان الكبير بعد أن يحتوي الساحل السوري في الشمال!

لهذه اللحظة يكون قد انقضى أكثر من ثلاث سنوات على هذا البرنامج في العراق، ودستور ملوك الطوائف الذي تم تمريره في العراق يوافق على إقامة كونفيدراليات عرقية ومذهبية، لكن برغم كل القتل والتدمير، والفوضى التي تشل حركة إعادة العراق إلى أدنى مستويات ما كان عليه من حضارة!، لم يتم الانتهاء من إقرار هذه التقسيمات على الأرض التي نسلم باحتلالها أمريكيا!

مما يجعلنا نتساءل عن مقدار ما قد يستنزفه هذا المخطط، من دماء تهدر، وأموال تبذر، ونساء تغتصب، وحقوق تنتهك، وأجيال تضيع وعلاوة على ما سيسفر عنه عن هذا المشروع من انهيار للمجتمعات المدنية واقتصادياتها، وتلوث للبيئة، وبطالة، وفقراء، ومجاعات، وأمراض، وأوبئة، حتى يصل إلى إتمامه، هذا إن كان في الانتهاء منه غاية!

علما بأن الخارطة المعلنة في المقالة أعلاه، تقتصر على الجزء الأسيوي من الدول العربية والإسلامية أي المخطط القديم كما نوهنا، فيما المخطط الجديد لما يسمى "بالشرق الأوسط الكبير الجديد" يضم حاليا 28 كيان سياسي موزعة على قارتي إفريقيا وأسيا، تشتمل على ما يزيد عن 35 جماعة عرقية، بتعداد مواطنين يقارب الـ 683,110,938 نسمة، بحسب إحصائيات شهر تموز/يوليو للعام الجاري 2006.

ودون التطرق إلى عدد الأحزاب وتنوع اللغات المحلية، والغربية المحكية والمفهومة في كل بلد والتي تشير إلى الارتباط الاستعماري والتوجهات السياسية، علاوة على تغييبنا لمسألة التنوعات البينية في كل دين رئيسي والفرق الجديدة التي تتبع كل من هذه الأديان والتي تشير إلى نوع من الخروج عن الصف العام السائد في كل قطر من أقطار الإقليم المستهدف، أو ارتباطات عقائدية خارجية، نجد على سبيل المثال أن لبنان، حسبما تدرجه وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من معلومات عنه في موقعها، يحتوي لوحده على ما لا يقل عن 17 دين، ناهيك عن الأحزاب والجماعات العرقية وغيرها، فكم نظام سياسي سيتفرخ منه!

الحصول على هذا (المسخ الأوسخ الجديد، والكبير) معا، لا يتسنى بالنسبة لأمريكا إلا عبر "الفوضى الخلاقة" التي أراها كلعبة بلياردو، تفتعل فيها أمريكا الأحداث لتتلاعب بردودها، فما على أمريكا إلا أن تجمع أطياف الخصوم ضمن "مثلث الرعب"، وتشحذ سلاحها بالطبشور، كي لا ينزلق دون كبد الخصم الأسود، لتسدد بضربة "فرق تسد"، فتتناثر بعد ذلك جميع الأطياف لتضرب كل منها الأخرى وتنزلق جميعها تباعا في الثقوب السوداء، وما يتبقى على السطح من هذه الكرات، في حال أن لم يكن اللاعب محترفا، أو قادرا على إمالة الطاولة، ستكلف أمريكا العناء البسيط في ضربها بمن تبقى، أو إسقاطها لوحدها.

فيما أحدث سخرياتنا التي نصنعها بأيدينا في إنجاح هذه "الفوضى الخلاقة" التي تعمل على خراب دولنا، هو التحريض بقصد أو دون قصد على المذهبية الطائفية وتسعير نارها، بدلا من التكاتف لإفشالها! فهل يدرك من أفتى بعدم مساندة المقاومة اللبنانية، بأنه أفتى في الوقت عينه بمساندة الكيان الصهيوني، على الأقل عبر الصمت القاتل تجاه ما يحدث في لبنان، وبأن تلك الفتوى ستنعكس مستقبلا على تقسيم بلده وإراقة الدماء فيها!، هل يعلم بأن في مساندته للمقاومة حقن دماء لما يقارب النصف مليار مسلم، بحسب التعداد الحالي؟، وأين يصنف قتلى لبنان هل هم عنده في مصاف الشهداء، أم سيجعلهم على الأعراف؟. لو استدرك قليلا، وتخيل لوهلة أن هذه الحرب حصلت في عهد الحبيب المصطفى، لما انبس ببنت شفة ولثار لدينه وبلده وأمته في لبنان، ولو أدرك مدارك فتواه ما أفتى.

لهذا الناتج القومي من الخيبة، أزف بشرى لصاحب الفتوى، هي عينها التي أختتم بها (رالف بيتر) مقالة، الذي يقرر من واقع درايته بسياسة بلاده من سيكسب ومن سيخسر من هذا التقسيم الجديد، فعلى قائمة الخاسرين، ستكون العربية السعودية، والكويت وقطر وإيران وأفغانستان والعراق، والإمارات المتحدة، وسوريا وتركيا، إلى جانب الضفة الغربية.