المشرق العربي يحترق بنيران الإمبراطورية الأمريكية - الصهيونية

محمد سعيد طالب - عضو قيادة قطرية ووزير سوري أسبق

في العراق حيث بدأت الاستراتيجية الأمريكية الإمبراطورية حملتها الإمبريالية الثانية لاستعمار وإعادة صياغة وتكوين ما سماه بوش الثاني وكبار قادته والمفكرين المنظرين للعولمة الإمبراطورية، "بالشرق الأوسط الصغير ثم الكبير" تندلع نيران الحرب الطائفية التي يغذيها و يزيدها اشتعالاً الغزاة الأمريكيون وأجهزة الاستخبارات الأجنبية وفي مقدمتها الموساد الصهيوني. وفي فلسطين التي هي المحور وهي القاعدة التي تشكل نواة هذا التصور كما صاغه أساساً المنظرون العسكريون والاستراتيجيون الصهاينة بعد اغتصاب فلسطين  وتمكن دولتهم فيها منذ منتصف القرن الماضي، وبخاصة بعد حرب 1967م تحرق نيران الصهاينة المحتلين الأرض والناس وكل ما هو حي لتمحو تاريخ وجغرافية وثقافة. ولبنان الذي دخل في بؤرة هذه الاستراتيجية وبالتدريج بعد ولادة ونمو حركة المقاومة الفلسطينية في خضم التغييرات الثورية التي عصفت في الوطن العربي على طريق التقدم والتحديث والاشتراكية والتحرر الوطني وصلب عودها في أعقاب هذه الحرب، واتخاذها من لبنان منطلقاً لعملياتها ضد العدو المحتل، ثم حملت رايتها المقاومة الإسلامية بقيادة حزب الله الذي حرر الجنوب اللبناني عام 2000م. يقوم الصهاينة منذ 12تموز 2006م بإحراق وتدمير وتهجير وقتل كل ما في هذا الجنوب انتقاما لمحو عار هزيمتهم تلك.

هذه البؤر الثلاث التي ظلت مشتعلة منذ نهاية حرب أكتوبر 1973م، وعقد معاهدة السلام المصرية-"الإسرائيلية" 1978م، تتناوب الأدوار في حمل عبء مسؤولية المواجهة والكفاح ضد استراتيجيات الإلحاق والهيمنة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، والعدوانية العسكرية والحصار الاقتصادي والسياسي والضغوط النفسية والثقافية، ومؤامرات الأخوة العرب السائرين في الحلف الإمبريالي واستراتيجيات التسليم والاستسلام والسلام مع دولة الصهاينة في فلسطين. لم تستطع تكوين حلفاً أو جبهة مقاومة، بسبب تناقضات ثانوية وذاتية، وظلت تعاني من صراعات تاريخية وبنيوية. دخلت في تحالفات مؤقتة في مراحل قصيرة لمواجهة أخطار طارئة في مواجهة أحلاف معادية جمعتها الإمبريالية الأمريكية في نظام إقليمي عربي و"شرق أوسطي" تحت شعار التصدي للتوسع السوفييتي في العالمين العربي والإسلامي، في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية اللتين سيطرت عليهما دول الخليج النفطية، وما بينهما من أنظمة ظلت ترفع شعارات التقدم والاشتراكية، بينما هي في الحقيقة حليف عضوي في هذين النظامين، استطاعت البقاء في ساحة النزال فاعلة حيناً ونائمة حيناً آخر شهدت خلالها عملية تحول وتغيير في الهوية. ونتيجة ذلك كانت تتصدع تنظيماتها بفعل الضغوط الاقتصادية والمالية والهزائم العسكرية غير الفاصلة التي تحيق بها لتعود وتهادن الحلف الإمبريالي الرجعي المهيمن إلى حين ولتشتبك في صراعات جانبية غير موضوعية فيما بينها في حين آخر. والنار تحت الرماد في بقية أقطار المشرق العربي، ألم يقل شاعرنا العربي نصر بن سيار الكناني والي خراسان في نهاية الدولة الأموية:

أرى خلل الرماد وميض نار / ويوشك أن يكون له ضرامُ

وأن النار بالعودين تذكى / وأن الحرب أولها الكلامُ

فقلت من التعجب ليت شعري / أأيقاظ أمية أم نيامُ!!

والكلام الأمريكي والصهيوني معلن وكثير، عن "الشرق الوسط الصغير والكبير"، "الجديد والحديث"، لكن أنظمتنا الحاكمة غير مصدقة أو أنها قد استكانت لقدرها، فهي صامدة أمام شعوبها لا تريد إصلاحاً ولا تغييراً، يمكن الشعب من استعادة دوره السياسي كي يكون قادراً على مواجهة مصيره والتغييرات العاصفة في وطنه العربي التي يعمل من أجلها الصهاينة وحكام الدولة الإمبراطورية الأمريكية من المحافظين الجدد.

كانت الحرب العراقية - الإيرانية 1980 بعد "انتصار ثورة الخميني الإسلامية الشيعية"، وإسقاط نظام الشاة صنيعة أمريكا والصهيونية 1978م بداية الهجوم الاستراتيجي الإمبريالي لتنفيذ المخططات المعدة مسبقاًً لإذكاء الصراع التاريخي بين السنة والشيعة في قلب الإسلام كدين وسياسة. تمهيداً لجعله محور التناقض الرئيس في سياسات الوطن العربي الذي ظل منذ عصر النهضة موحداً، تشكل القومية العربية أيديولوجيته نحو التحديث والتحرر والدولة الأمة، وحول التناقض الرئيس مع الصهيونية العالمية الغازية لفلسطين وحلفائها الرأسماليين الإمبرياليين الأوربيين الغربيين والأمريكيين.

القلب الثوري العربي.

ظلت حركة المقاومة الفلسطينية وانتفاضاتها الشعبية ضد العدو الصهيوني المحتل لفلسطين جوهر النهضة العربية الحديثة وموضوع نضال الأمة العربية المركزي في مواجهة الغزو الاستعماري الأوربي للأرض العربية، والقلب الثوري العربي الذي يخفق بأنبل الأفكار والقيم ويدفع باتجاه الكفاح والنضال من أجل التحرر الوطني والحرية والوحدة العربية، مع أنه كثيرا ما استغل لغايات مغايرة. فمنذ الثورة العربية 1916م ضد دولة الاتحاديين التركية، بالتحالف مع الإمبريالية الإنكليزية، ووعد بلفور عام 1917م "بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين" الذي كان أول الهزائم السياسية على طريق تلك الثورة، ظلت أوربا الإمبريالية تعمل لسحق تطلعات العرب نحو التحرر والوحدة وفي مقدمتها استئصال هذا القلب بتمكين الصهيونية منه وإقامة دولتها فيه 1948م. وعلى الرغم من ذلك فقد فشلت استراتيجيات أولئك الإمبرياليين وحلفائهم الصهيونيين الذين  كانوا يدمرون الثورات والانتفاضات الفلسطينية في المائة سنة الأخيرة في إخضاع شعب فلسطين، لجعله يتنازل عن حقه في أرضه ووطنه والعودة إليه من المنافي الذي اضطرته وحشية الصهاينة حلفائهم للجوء إليها مؤقتاً في أدنى الأرض وأٌقصاها.

إن المقاربات والسيناريوهات والاستراتيجيات والسياسات التي اجترحتها الصهيونية العالمية وحلفاؤها في أوروبا وأمريكا، وطبقتها وتطبقها وتمارسها لإبادة شعب فلسطين، بالقتل والتهجير، والإلغاء والمحو من التاريخ ومن الجغرافيا لفلسطين واستبدالها بـ"إسرائيل". جميعها قد باءت وستبوء بالفشل لأن ما هو حقيقي ثابت في هذه الأرض العربية منذ بدء وجود الإنسان على هذه الأرض وبزوغ فجر الحضارة والثقافة البشرية، لم ولن تستطيع الأكاذيب وسياسات القوة والقتل أن تغيره، ولا الأساطير أن تحوله وتعيد صياغته لخدمة أهدافها المخالفة لأبسط قواعد الحق والعدالة. إن سياسة العزل والتدمير والقتل المنهجي والاستيلاء على الأرض والمياه لم تفعل شيئاً، أكثر مما تؤكد وأكدت أن دولة الصهاينة جسم غريب واستطالة استعمارية ستزول مهما أمعنت في همجيتها وامتلاكها لأسلحة التدمير الشامل، ومهما حاولت من افتعال معارك جانبية وتغيير في الهوية "الشرق أوسطية". فعروبة فلسطين لا تقبل التزوير ولا الاستبدال، والكفاح من أجل استرداد الأرض المغتصبة وتحريرها من الاحتلال الصهيوني لن يتوقف ولو شرعوا كل منظوماتهم القانونية والفقهية والقمعية وفرضوها على العالم كقانون دولي، ليجعلوا المقاومة إرهاباً، فإن المقاومة والكفاح لتحرير الأرض وحمل السلاح لقتال الغزاة الذين لا يفهمون غير هذه اللغة سيظل حقاً مقدساً وواجباً مفروضاً على كل قادر وستمارسه الأمة بوسائلها المتوفرة وبالأشكال التي توقع الهزيمة بالمحتلين وتجبرهم على الجلاء عن فلسطين، وهذه حقيقة يجب أن يدركها المغتصبون مهما طال الزمن وأمد المعاناة وعظمت التضحيات، ومهما أشعلوا من حرائق في حقول مجاورة وافتعلوا من حملات عسكرية في القلب وفي الأطراف.

جنوب لبنان الساحة البديلة لحرب الشعب الفلسطينية

لقد كانت الساحة اللبنانية للمقاومة هي البديل الاستراتيجي لحرب الشعب الفلسطينية على أرض فلسطين التي احتلها الصهاينة على مرحلتين الأولى 1948م والثانية 1967م، ولأسباب متعددة حمل لبنان العبء الأكبر في مواجهة الدولة الصهيونية وبخاصة بعد الهزيمة العربية 1967م. في مقدمة هذه الأسباب تنامي قوة الحركة الوطنية اللبنانية، وتحالفها مع حركة المقاومة الفلسطينية مستفيدة من الحالة الثورية في القطر العربي السوري بعد ثورة الثامن من آذار 1963م ، والتحالف العربي المصري-السوري الذي يستند إلى دعم الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية من أجل تحرير الأرض العربية المحتلة وحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه ووطنه فلسطين. وطبيعة الدولة اللبنانية المؤسسة على توافق وإتلاف طائفي يجعل الدولة رخوة ويطبعها بطابع ديموقراطي مؤسساتي، مما يسمح بوجود مراكز قوى اجتماعية وهيئات مجتمع مدني، قادرة على معارضة فعالة قد تصل إلى حمل السلاح ضدها لتصحيح أي تجاوز للميثاق الوطني الذي أقيمت الدولة بموجبه، وفي طليعة هذه الأسباب الطبيعة الجغرافيا الجبلية في القسم الشرقي للجنوب اللبناني في منطقة العرقوب حيث تمركزت القواعد الرئيسة للمقاومة الفلسطينية، وقربها من قلب دولة الصهاينة حيث المجمع الزراعي- العسكري- الصناعي الذي يشكل القاعدة الاقتصادية للمستعمرات وخزانها البشري المقاتل، وترافق ذلك مع قيام استقطاب طبقي على أساس طائفي –اجتماعي مهد لاحتضان المقاومة الفلسطينية التي طردها الجيش الأردني من قواعدها في الأغوار على حدود فلسطين الشرقية بمساعدة أمريكية وصهيونية1970م، فقدم لها المقاتلين والدعم والتأييد السياسي والحماية ضد كل محاولات التصفية التي حاول الجيش اللبناني مدعوماً بقوى المليشيات المارونية التي رأت في وجودها على الأرض اللبنانية إخلالاً بالمعادلة التي أُقيمت بموجبها دولة لبنان الحديث، وانتقاصاً من السيادة.

وكانت الحرب الأهلية اللبنانية التي أشعلتها ومولتها وقدمت لها السلاح الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها دولة الصهاينة والحلفاء العرب1975م، لتجد الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية نفسها أمام اصطفاف عجيب لقوى تبدو في الظاهر في حالة صراع مرير وحرب معلنة باردة وساخنة، فإذا هي في حلف مريب يطلب رأس الحركة الوطنية اللبنانية والإمساك بالقرار الوطني الفلسطيني، ليدفع عدد من قادة هذا التحالف حياتهم ثمنا لخيانة الحلفاء والأصدقاء. ولتدخل الحرب الأهلية اللبنانية في الحرب الأهلية العربية وتتحول إلى حريق دمر لبنان الدولة والمجتمع والاقتصاد. مما مكن المقاومة من حرية الحركة في منطقة تلاشت فيها سلطة الدولة اللبنانية، ولكنها أتاحت للعدو الصهيوني أن يغزو لبنان ويحتل قسماً من أراضيه 1978م ثم ليحتل في 1982م بيروت مما مكنه من طرد المقاومة من جنوب لبنان وترحيل قيادتها إلى تونس بعيداً عن فلسطين، ونتج عن هذه الحرب تحول تدريجي من المقاومة القومية والوطنية اللبنانية إلى المقاومة الإسلامية التي تزعمها "حزب الله" و"حركة أمل" ومنعا بقية الفصائل المقاومة من العمل في الجنوب. ولتصبح حركة المقاومة ذات صبغة طائفية شيعية، مما جردها من طابعها الوطني اللبناني، وخلق إشكاليات سياسية وسيادية ظلت تتفاعل حتى استطاع "حزب الله" تحرير الجنوب عام 2000م، واضطر الجيش الصهيوني أن يخرج مدحوراً من كل الأراضي اللبنانية التي ظل يحتلها لمدة تزيد عن اثنين وعشرين عاماً. وقد مكن هذا الحدث التاريخي "حزب الله" من السيطرة على الجنوب وجعله القوة الرئيسة في لبنان في الوقت الذي كانت فيه الدولة اللبنانية التي كان "ميثاق الطائف" الذي رعته الدولة السعودية بمباركة أمريكية يعيد تأسيسها من جديد وهي تحاول فرض سيطرتها بمساعدة من الجيش السوري الذي يهيمن على شؤون لبنان ويديرها، بنزع سلاح المليشيات المسلحة التي شاركت في الحرب الأهلية، باستثناء حزب الله لأنه حركة مقاومة.

العراق: الغزو الأمريكي يدمر الدولة القوية، لتبزغ المقاومة الشعبية

شكل العراق العمق الاستراتيجي لأقطار المشرق العربي المواجهة للاحتلال الصهيوني لفلسطين، لأنه الدولة الأكبر والأغنى، وقد شارك في الحروب التي شنها الغزاة الصهاينة طيلة القرن الماضي لتثبيت دولتهم المستعمرة في فلسطين. وكان يحتضن المقاومة الفلسطينية في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، منذ ثورة 1936 حتى لجوء الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا بعد ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الاحتلال البريطاني إليه 1941م، وكان في عهد البعث العربي الاشتراكي وبخاصة في السبعينات وبعد توقيع معاهدة الصلح المصرية – "الإسرائيلية" 1978م، مركز جبهة الرفض العربية والفلسطينية لمشاريع التسوية والتصفية للقضية الفلسطينية. وهذا ما جعله هدفاً أساساً في استراتيجية الصهاينة وحلفائهم الأمريكيين لتمزيق المشرق العربي، وإخراجه من المواجهة لجعله دويلات متصارعة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وقبلية، وبخاصة بعد الثورة النفطية بعد حرب تشرين 1973م، وما توفر له من أموال راح يوظفها في خطة تنمية طموحة لإقامة قاعدة صناعية وزراعية وعلمية وتكنولوجية متقدمة وفي مقدمتها إقامة مفاعل نووي للدخول في ميدان الأبحاث الذرية والنووية. مما سرّع في عملية العدوان الصهيوني –الأمريكي عليه. وكانت عملية تدمير مفاعل تموز النووي في حزيران 1981م هي البداية.

غير أن التحول  الأخطر جرى بعد الحرب العالمية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على العراق بعد دخول قواته إلى الكويت وإعلانه ضمها إليه 1991م، وهزيمته وفرض الحصار عليه. وترافق ذلك مع تصاعد الحرب "الجهادية الإسلامية" التي أدارتها الولايات المتحدة ومولتها دول الخليج النفطية، وشكل أداتها أفواج من المجاهدين الإسلاميين الأصوليين السنة من كل البلاد الإسلامية، ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان. مما اضطر الجيش السوفييتي إلى الانسحاب من الأراضي الأفغانية فيما يشبه الهزيمة 1992م، لتستولي "حركة طالبان" على السلطة في كابول بعد فترة صراع دامِ مع القوى الإسلامية السياسية المعتدلة الأخرى، وبمساعدة باكستانية، لتقيم "دولة إسلامية سلفية سنية"، وتتحالف مع "تنظيم القاعدة" الأصولي السني بقيادة أسامة بن لادن الذي أنتجته الحرب ضد السوفييت بعد فك تحالفه مع الولايات المتحدة وأجهزة استخباراتها. ثم ليعلن الجهاد ضدها في كل مكان لأنها تضطهد المسلمين وتساعد الصهاينة في احتلال فلسطين. وكانت قمة هذه الحرب الهجوم على برجي التجارة العالمية في مدينة نيويورك في الحادي عشر من أيلول 2001م وعلى وزارة الحرب الأمريكية البنتاغون في واشنطن بواسطة طائرات مختطفة قادها طيارون من رجال القاعدة وفجروها في المبنيين مما أدى إلى تدميرهما وقتل من كان فيهما. واعتبرت الولايات المتحدة تلك العمليات بمثابة إعلان حرب عليها، فأعلنت الحرب على "تنظيم القاعدة" و"حركة طالبان" في أفغانستان، ومن خلالهما على "الإرهاب العربي والإسلامي" في كل مكان في العالم. وأذاع الرئيس الأمريكي بوش الابن استراتيجية "الضربات الاستباقية"، أي إعلان الحرب على كل بلد يعتقد أو يظن أنه يهدد الأمن القومي الأمريكي، و"الشراكة الاستراتيجية للحرب على الإرهاب"، وبناء "الشرق الأوسط الصغير" ثم "الكبير" واستراتيجية الفوضى البناءة لإعادة صياغة شكل ومضمون الدولة والمجتمع في هذا الحيز الجغرافي العربي- الإسلامي. وقامت الجيوش الأطلسية بقيادة أمريكية باحتلال أفغانستان وإسقاط حكم طالبان، والهجوم على قواعد ومعسكرات منظمة القاعدة لاجتثاثها وسحق أفرادها. ومن ثم قرر إعلان الحرب على العراق كفاتحة للبدء بتنفيذ استراتيجيته الجديدة، تحت ذرائع شتى تبين بطلانها فيما بعد وأنها ادعاءات كاذبة لتبرير الغزو والعدوان، شارك في تزويرها الكيان الصهيوني وإيران ودول عربية أخرى كانت تعمل من أجل الإطاحة بنظام البعث العربي الاشتراكي الذي يقوده صدام حسين (موضوع أسلحة الدمار الشامل- والعلاقات مع تنظيم القاعدة، وتهديد الأمن القومي الأمريكي....). وجرى غزو العراق واحتلاله في نيسان 2003م.

واعتبر بوش ورجال حكومته وإدارته أن العراق سيكون نموذج الدولة الديموقراطية "للشرق الأوسط الجديد". الذي يجب بناؤه ليكون المثال والقدوة، ولذلك قام ممثله الشخصي والحاكم المطلق الصلاحية بول برايمر الذي عينه ليقود عملية البناء الجديدة، بل قل عملية الهدم والتدمير الشاملة، بإصدار قرارات حل الدولة العراقية بكل مؤسساتها القديمة وفي مقدمتها الجيش العراقي المؤسسة الوطنية والقومية التي ولدت مع ولادة الدولة العراقية الحديثة، و"قانون اجتثاث البعث" كحزب سياسي، وكفكر قومي عربي، وكرموز وتاريخ، بما في ذلك تصفية النخبة من علماء العراق في شتى ميادين البحث العلمي. وصادر بالتالي السيادة العراقية، لتكون السيادة التامة لقوات الاحتلال، لتعيد إعمار العراق العملية التي اتخذت اسمها من ضدها -الهدم والفوضى البناءة- التي قامت بها تلك القوات وفق الاستراتيجية الإمبريالية العولمية الأمريكية الجديدة. مستعينة بالعملاء الذين جاؤوا على ظهور دباباتها. وكان هدفهم خلق الفوضى وزرع الفتن وتدمير بنى الدولة الحديثة العراقية والمجتمع العربي ومؤسساته الحديثة وبعث التكوينات ما قبل الأمة والشعب، القبيلة والعشيرة والطائفة والعرق، والترويج لتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم فيدرالية: شيعي في الجنوب والوسط وسني في الغرب وكردي في الشمال، وقد تبنى عملاؤهم هذه الأطروحات مثل عبد العزيز الحكيم وأحمد الجلبي وغيرهما من المؤيدين للخط الإيراني العقائدي والسياسي من رجال الدين و"آيات الله"، وقادة الحزبين الكرديين الكبيرين مسعود البرزاني وجلال الطالباني الحليفين المخلصين للإمبريالية الأمريكية. لتكون هذه الأقاليم دولة كونفيدرالية رخوة، تخضع لحماية خارجية من الراعي الأمريكي والجيران الأقوياء، وهي لا تزيد في سيادتها عن إمارات ودول الخليج النفطية التي تتولى من حيث الشكل إدارة آبار النفط بينما تمتلكها وتسيطر على نفطها وأموالها الشركات الأمريكية كي لا يكون في يد دولة عراقية قوية تشكل العمق الاستراتيجي للمشرق العربي في مواجهة الهيمنة الصهيونية. لكن المقاومة العراقية القومية العربية والإسلامية التي حملت السلاح للدفاع عن العراق من أجل التحرير والوحدة وطرد المحتلين وعملائهم من أرض العراق، وشرعت في التصدي للاحتلال منذ إعلان سقوط بغداد في التاسع من نسيان 2003م وإعلان  العراق بلداً محتلاً وتصديق الأمم المتحدة على هذا الإعلان. واشتدت حملتها وعملياتها العسكرية على قوات الغزو والعملاء الذين تسلموا السلطة تحت حماية جيوش الغزو، أحبطت مخططات بوش وحلفائه الصهاينة في تشكيل العراق كما يريدون، وأوهامهم حول "الشرق الأوسط الديموقراطي" متعدد الأعراق والطوائف منزوع الفكرة القومية العربية، الذي تسيطر عليه دولة الصهاينة والإمبريالية الأمريكية العولمية سياسياً وثقافياً وعسكرياً. وبددت أمالهم في النصر الذي ظنوا أنهم حققوه بعد احتلال بغداد، وجعلت خسائرهم البشرية والمادية كبيرة أقضت مضاجعهم، ولاحت علائم الهزيمة أمام عيونهم عسكريين وسياسيين، وعيون عملائهم الطامعين في نهب ثروات العراق النفطية التي سرعان ما اقتسموها مع الشركات الأمريكية.

إن الاستراتيجية الأمريكية-الصهيونية في العراق بعد فشل جيوش الاحتلال والعملاء في القضاء على المقاومة التي اتسعت وزادت من قواها في العراق كله ترتكز إلى ما يلي للقضاء على هذه المقاومة:

1 - تكريس تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات على أساس طائفي وعرقي ومذهبي شمالي كردي، ووسط وغربي سني، وجنوب ووسط شيعي، وارتباطها في إطار فيدرالي رخو فيما بينها تقتسم النفط وعائداته كل بحسب كميات النفط المنتجة في إقليمه. وتكون قادرة على الانفصال في أي وقت تشاء.

2 - وضع الثروة النفطية في الكيانات الثلاثة تحت السيطرة الأمريكية وجعلها ملكية مشتركة بين الأقاليم، وضمان تدفق النفط العراقي إلى الأسواق الأمريكية وتجارته وتحديد أسعاره تحت الرقابة الأمريكية.

3 - إدخال دول الجوار الطامعة في العراق كإقليم وثروات في معادلة حفظ الأمن وفي تحجيم دور العراق الإقليمي من خلال منظومة أمنية إقليمية تضم تركيا وإيران.

4 - إقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة بالقرب من المركز النفطية في الشمال والجنوب والوسط.

5 - عراق منزوع السلاح وبخاصة الأسلحة الهجومية الحديثة لا يستطيع المساهمة في أية حرب مع العدو الصهيوني في فلسطين ومواجهة خططه التوسعية في المشرق العربي.

6 - عراق معزول عن محيطه القومي العربي بهويات عرقية وطائفية غير معني أو مهتم بالمساهمة في تنمية وتطوير أشقائه العرب أو المساهمة في الدفاع عنهم إلا من خلال أسياده الأمريكان.

وإذا لم يتم تحقيق ذلك فإن الولايات المتحدة ستنسحب وتترك العراق نهباً للفوضى الخلاقة المدمرة والحروب الطائفية والعرقية كما هو الحال في الصومال بحسب مقولات المحافظين الجدد الإمبريالية.

المقاومة العراقية التي استطاعت وضع قوات الاحتلال في وضع الدفاع الاستراتيجي، وأجبرتها على التحول إلى قوات أمن داخلي تدافع عن مواقع تمركزها وعملائها، تمهيداً لهزيمتها. تواجه اليوم في إطار استراتيجية التسوية والعزل والمذابح التي تقوم بها القوى السرية للعملاء والاستخبارات الأمريكية والصهيونية والإيرانية للمدنيين على أساس طائفي، موقفاً صعباً يعمل على جرها للانغماس في هذا المستنقع، ويعيق عملياتها البطولية ضد قوى الاحتلال.

إن اتهام المقاومة بالإرهاب وتحميلها وزر المذابح الطائفية التي تقوم بها مليشيات مسلحة طائفية ترتبط بالجيش الأمريكي أو بالجيش العراقي الجديد الذي أسسه الاحتلال وأجهزة الأمن التي شكلها الأمريكيون من عملائهم لشن حرب سرية قذرة على المقاومة لاغتيال المقاومين والمشاركة مع قوات الاحتلال في مهاجمة المدن والقرى التي تشكل قواعد لها وتدميرها وقتل سكانها، كما حصل في الرمادي والفلوجة والأنبار والقائم وغيرها كثير مما هو مسجل في التاريخ الأسود للاحتلال الأمريكي للعراق.

كل ذلك بهدف تحويل الحرب الوطنية ضد المحتلين وعملائهم إلى حرب طائفية قذرة، لتعميق الصدوع غير الموضوعية التي ظهرت بعد الاحتلال وسقوط دولة البعث العربي التي قادها صدام حسين. ولتمزيق وحدة المجتمع العربي في العراق، كي يكون الانقسام أفقياً دموياً لا يمكن رأبه وإصلاحه، وإحراق كل ما يصل ويوحد ويعيد اللحمة إلى العراق لإعادة بناء الدولة العراقية التي تشكل قوة رادعة في مشرق الوطن العربي ضد الصهاينة في فلسطين وضد الجيران الطامعين في أرض العرب وثرواتهم  تحت شعار مواجهة الإرهاب السني ضد الشيعة، مع أن هناك الكثير من المقاومين العرب الشيعة في صفوف المقاومة وفي قياداتها، في حين تتولى الدعاية المسمومة لأجهزة الإعلام الأمريكية والصهيونية الترويج لمقولة: إن المقاومة من عمل فئات معزولة من العراقيين الموالين للنظام السابق ومنظمة القاعدة السنية الأصولية  في بلاد الرافدين التي كان يقودوها "أبو مصعب الزرقاوي" قبل مقتله. وهذا مخطط مدبر بعناية جهد المحتلون الأمريكيون وحلفاؤهم الصهاينة وعملاؤهم العراقيون على ترويجه والدعاية له وتعميمه في كل وسائل الإعلام الواسعة التي تعمل لحسابهم، بالحديث عن قتلى الهجمات الطائفية المتبادلة، والقتل على الهوية بين السنة والشيعة، بشكل متكرر وتضخيم وقائعه، وإبرازه على أنه من أفعال هذه المقاومة. وتراجع الإعلام عن ذكر وقائع عمليات المقاومة ضد قوات الاحتلال الأمريكي التي تصل إلى أكثر من مائة عملية في اليوم لتصوير المقاومة على أنها حرب طائفية فحسب. وأن القوات الغازية محايدة في هذا الصراع، وتكريسه كحقيقةً مألوفة وواقع عميق الجذور التاريخية والعرقية بين العرب الفرس، وانشقاقاً لا عودة عنه بين السنة والشيعة في العراق، وصراعاً دامياً يستحيل معه العودة إلى الدولة العراقية الموحدة، تمهيداً لإغراق الأقطار العربية المجاورة في بحار الاقتتال والفتن الطائفية، ونشر أيديولوجيا الطوائفية والأعراق والأديان، وثقافة الانعزال والاقتتال بين فسيفساء هذا الشرق الأوسط الذي ظلت الحركة الصهيونية تسعى لجعله استراتيجية إمبريالية أمريكية لإعادة تشكيل الخارطة الإقليمية العربية بما يتفق وفلسفتها العرقية والدينية لتفتيت وتجزئة المشرق العربي وفقاً لرؤاها التوراتية المزورة على أسس طائفية وعرقية ومذهبية، وتجريده من قوميته العربية ودينه الإسلامي الموحد.

مصائر المشرق العربي:

كانت الحرب العراقية الإيرانية بين 1980- 1988م، كما أسلفنا من أهم الأحداث التي عمقت الشرخ في الصف العربي المتهافت أصلاً بعد معاهدة الصلح المصرية – "الإسرائيلية". لكن الانتفاضات الشعبية الفلسطينية التي ابتدأت 1987م بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت 1982م نتيجة الغزو الصهيوني للبنان. أدخلت بعداً استراتيجياً جديداً في ساحة الصراع فغيرت من طبيعة وجوهر المقاومة الفلسطينية التي كانت تعتمد على دول الطوق في محاربتها للكيان الصهيوني المحتل لفلسطين، لتجعل الأرض الفلسطينية ساحة الصراع الرئيس والجماهير الفلسطينية المدنية هي عمادها المقاتل عن طريق المظاهرات السلمية والإضرابات والعصيان المدني. وكانت نقلة نوعية في طبيعة المواجهة مع المشروع الصهيوني. ثم كانت الحرب الأمريكية على العراق 1991م بسبب احتلاله للكويت والهزيمة التي تلتها ليس للعراق كنظام بل للنظام العربي الإقليمي كله، وكان من نتائجها الرئيسة، خروج العراق عملياً من المواجهة مع العدو الصهيوني، وكان هذا من الأهداف الرئيسة لتلك الحرب بعد فرض الحصار عليه، وعزله عن محيطه العربي الذي شارك في الحرب والحصار عليه. وجاء انعقاد "مؤتمر مدريد للسلام" فيما سموه "الشرق الأوسط" في تشرين الثاني 1991م والذي كرس سيطرة وهيمنة دولة العدوان على المشرق العربي كله، ولتضع الوطن العربي كله في تبعية شاملة للإمبراطورية الأمريكية التي أعلنت انتصارها على الاشتراكية وقيام النظام العالمي الجديد الذي تشكل فيه القوى العظمى الوحيدة. وكانت "اتفاقية أوسلو" 1993م بين منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات ودولة الاحتلال الصهيوني برئاسة اسحاق رابين رئيس الوزراء "الإسرائيلي" نقطة تحول أخرى في مسيرة الصراع العربي-الصهيوني. فالأفق المسدود للوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية في إطار التحولات التي طرأت على النظام العالمي بعد سقوط دولة الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، وتغير موازين القوى الاستراتيجية لصالح الصهيونية وحلفائها من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية منذ رئاسة رونالد ريغن للولايات المتحدة 1980-1988م وجورج بوش الأب، وكلينتون، التي لم تعد مهتمة بحل القضية الفلسطينية، وإنما تركتها بيد حليفتها الدولة الصهيونية المحتلة  لتتصرف بها كما تقتضي مصالحها كقوة مهيمنة وحليف للإمبراطورية الأمريكية القوة الأعظم الوحيدة في العالم، فوسعت مجال الاستيطان الصهيوني، ليشمل أكثر من 40% من أرض الضفة الغربية وبخاصة في مدينة القدس وما حولها لتقتطعها عن محيطها. جعل عرفات ومن حوله يعتقدون أن ليس بالإمكان بعد هذه التحولات سوى القبول بأي حل للعودة إلى فلسطين. ولكن شهر العسل الذي شهدته العلاقات الفلسطينية- الصهيونية انتهى باغتيال اسحاق رابين مهندس اتفاقية أوسلو في تشرين الثاني 1995م بيد أحد أعضاء اليمين "الإسرائيلي". فلم يتم بناء السلطة الفلسطينية وانسحاب القوات "الإسرائيلية" من المدن الفلسطينية بحسب الجدول الزمني المتفق عليه. وعاد اليمين "الإسرائيلي" الذي لم يعترف بـ"اتفاقية أوسلو" إلى الحكم عام 1997م. وكانت عملية اغتيال المهندس يحيى عياش قائد الجناح العسكري لمنظمة (حماس) 1996م قد أدت إلى انتفاضة شعبية في قطاع غزة، سرعان ما تحولت إلى ثورة مسلحة كانت (حركة حماس والجهاد الإسلامي) تخططان لها بعد خمود الانتفاضة الأولى. للرد على عمليات الجيش الصهيوني الذي استهدف تصفية واغتيال المقاومين الفلسطينيين وتدمير بيوتهم أو اعتقالهم والحكم عليهم بالسجن المؤبد. في تشرين الأول عام 1998م عقد مؤتمر قمة بين رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نيتنياهو لإجراء مباحثات فلسطينية- "إسرائيلية" في "واي بلنتيشين" (wye plantation) برعاية الرئيس كلينتون. قدمت دولة الصهاينة فيه تصورها للسلام، لإعادة انتشار قوات الاحتلال لتشمل 13% من أراضي الضفة الغربية تحت شعار الأرض مقابل الأمن الذي اخترعه رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو لتجاوز شعار الأرض مقابل السلام الذي كانت المفاوضات تجري في ظله. ثم كانت المفاوضات في كامب ديفيد  بين السلطة الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات، والدولة الصهيونية برئاسة يهود باراك في 2000 م وبرعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من أجل عقد "اتفاقية سلام" لتصفية قضية فلسطين تعاقدياً وقانونياً. وقد فشلت هذه المفاوضات بعد أن رفضت دولة الصهاينة عودة اللاجئين الفلسطينيين لعام 1948م والبحث في حل قضيتهم بحسب القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي نص على حق العودة، وكذلك رفض التنازل عن القدس الشرقية العربية القديمة لتكون عاصمة دولة فلسطين العتيدة، واشتعلت انتفاضة (الأقصى) الاستقلال في 29 أيلول 2000م، التي جابهتها طائرات وصواريخ ومدفعية ودبابات الاحتلال الصهيوني بكل وحشية لتدمير كل ما أنجزته خلال المرحلة الماضية. وانضمت (حركة فتح) التي تشكل السلطة الفلسطينية وكوادرها الأمنية إلى الثورة المسلحة  بتنظيمها العسكري الجديد كتائب شهداء الأقصى بزعامة مروان البرغوثي أمين سر (حركة فتح) في الضفة الغربية. وبرزت الفصائل الإسلامية كعنصر أساس في الانتفاضة(حماس والجهاد الإسلامي). لتنافس (حركة فتح) التي احتكرت السلطة الفلسطينية منذ إنشائها 1993م، وتحولت إلى سلطة قمعية أمنية ودب الفساد في أجهزتها، ومؤسساتها، واتهمها المعارضون بأنها تساهم في تصفية القضية الفلسطينية بالتعاون مع أجهزة الأمن "الإسرائيلية"، وتتهاون وتفرط بالحقوق الفلسطينية، في أعقاب تولي اليمين "الإسرائيلي" الحكم 2001م، فلم يتم تنفيذ اتفاقية أوسلو وبناء السلطة الفلسطينية تحت ظل الاحتلال كما نصت على ذلك أوسلو. وأطاح بنيامين نتنياهو الذي صار رئيساً للوزراء، وخلفه أرائيل شارون بعد الانتخابات التي جرت في عامي1997م و2001م اللذين كانا ضد "اتفاقيات أوسلو"، وأعلنا في برنامجهما الانتخابي أنهما سيعملان للتخلص منها ومن السلطة الفلسطينية التي وصفاها بأنها منظمة إرهابية ومن ياسر عرفات رئيسها (الذي مات مسموماً 2004م). لقد استغلت الحكومات الصهيونية من اليمين واليسار انهيار النظام الإقليمي العربي، وتخليه عن المقاومة الفلسطينية، وبخاصة بعد "اتفاقية أوسلو" عام 1993م التي كانت ترمي في أساسها إلى فصل القضية الفلسطينية عن إطارها القومي العربي والإسلامي، وجعلها قضية فلسطينية تتحكم بتطوراتها والحلول التي تظل في إطار استراتيجيتها لبناء كيان فلسطيني تابع لها أمنياً ومسيطر عليه جغرافياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً معزولاً عن محيطه العربي والإسلامي كجزء من منظومة كيانات ودويلات "شرق أوسطية" تهمين عليها دولة الصهاينة بمساعدة ورعاية الإمبراطورية الأمريكية.

في حين اعتبرت قيادة عرفات لمنظمة التحرير الفلسطينية أن إقامة سلطة فلسطينية على أرض فلسطين ولو كانت تحت رعاية صهيونية وأمريكية، وعودة كوادر فلسطينية من المنفى سيخلق شروطاً جديدة للنضال الفلسطيني بعدما عجز النظام الإقليمي العربي الذي أقامته الولايات المتحدة الأمريكية في فترة الحرب الباردة عن حماية الثورة الفلسطينية ومن تصفية قواعدها في لبنان والأردن، ومساعدتها في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية بموجب قرارات الشرعية الدولية، وصار يرى في وجودها عبئاً كبيراً لا يستطيع حمل تبعاته بسبب ضغوط الراعي الأمريكي وغطرسة العدو الصهيوني وهو يترهل وينهار ويتحول حكامه إلى حكام مستبدين يهمهم التمسك في السلطة والتمتع بكل إغراءاتها ومزاياها وجمع الثروات وتأسيس أسر حاكمة..

وقد استفاد العدو الصهيوني من استراتيجيات السلام التي اعتمدها النظام العربي بعد حرب تشرين 1973م وتوقيع "اتفاقية كامب ديفيد" 1977م ومن ثم "معاهدة السلام" 1978م، مع مصر بخروج أكبر بلد عربي من المواجهة، وترك المشرق العربي بمفرده وهو غير قادر على شن الحرب لتحرير الأرض المحتلة، نتيجة الصراعات القائمة والمفتعلة بين دوله، وبخاصة بين أكبر بلدين فيه (العراق وسورية)، وانحياز دول الخليج العربي إلى الحلف الأمريكي وهي التي تملك الأموال وتشكل عمقه الاستراتيجي، فقام بزيادة عدد المستوطنات بمصادرة أراض عربية جديدة وتوسيع المستوطنات السابقة وزيادة عدد سكانها، ثم شرع ببناء الجدار العازل في الأرض الفلسطينية كحدود مفترضة من جانب واحد لجعل قيام دولة فلسطينية مستحيلاً بعد تقطيع أوصالها بالمستوطنات.

إن تبني النظام العربي "استراتيجية السلام" مع العدو الصهيوني في الوقت الذي ما زالت الأرض العربية محتلة يعني من وجهة نظر سياسية الاستسلام، وبخاصة مع التخلي عن خيارات أخرى في مقدمتها خيار المقاومة الشعبية المسلحة. وكان احتلال العراق من قبل الجيوش الأمريكية –الإنكليزية في نيسان 2003م الهزيمة الكبرى التي زلزلت المشرق العربي وأشعلت نار الأحقاد الصهيونية، ونار المتربصين من جيران العراق وحلفاء الإمبريالية الأمريكية لإحراق هذا الجزء من الوطن العربي بنيران الصراعات الطائفية والعرقية، بتدمير دولة العراق الحديث التي تشكل العمق الاستراتيجي والقاعدة الخلفية لصد غزوات الصهاينة، وحلفائهم.

هذه الأحداث المريرة جعلت الجماهير الفلسطينية في الداخل تتحول من النضال المدني الشعبي السياسي والثقافي والجماهيري إلى الكفاح المسلح على أسس أيديولوجية دينية، على أرض فلسطين المحتلة كلها الذي أقيمت عليها الدولة الصهيونية عام 1948م والذي احتلته هذه الدولة 1967م وبرزت منظمتا (حماس والجهاد الإسلامي) في هذا الإطار ثم لحقت بهما (فتح) بتنظيمها الجهادي (كتائب شهداء الأقصى) وأصبحت العمليات الاستشهادية التي ينفذها شباب وفتيان وشابات وفتيات بتفجير أنفسهم بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة في قلب تجمعات العدو العسكرية والاستيطانية هي الاستراتيجية والتكتيك في مواجهة آلة الحرب الصهيونية المتفوقة والمتقدمة تكنولوجياًً، والعرقية والصهيونية الدينية أيديولوجياً.

لقد ظلت الأيديولوجية السياسية القومية العربية تجاه القضية الفلسطينية علمانية سياسية، وثقافة المواجهة مع العدو الصهيوني أيضاً علمانية، لم تعتمد الأيديولوجية الدينية الإسلامية التي ظلت حاضرة في أعماق هذه الثقافة.

وجاء التحول الكبير بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وانفراد الولايات المتحدة وحلفائها الصهاينة بقيادة العالم، وإعلانهم الحرب على العروبة والإسلام كثقافة، وتصنيف منظمات المقاومة الفلسطينية والعربية منظمات إرهابية تهدد السلم العالمي. وشنت الإمبراطورية الأمريكية الحرب على أفغانستان وعلى العراق تحت هذا الشعار مع أن في العراق نظام علماني، وإن كان قد تحول نحو الإسلام خلال الحرب مع إيران. إن الحرب المعلنة على المقاومة العربية والإسلامية في فلسطين والعراق وفي لبنان من قبل النظام العالمي الجديد الذي تقوده الإمبريالية الأمريكية وحليفتها الصهيونية العالمية المسيطرة على الثقافة الرأسمالية العولمية، التي تنتجها مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية في الغرب الرأسمالي التي يهيمن عليها المحافظون الجدد، هي حرب شاملة، حرب استئصال وإبادة. حرب عالمية تتبنى استراتيجية الأرض المحروقة وإشاعة الفوضى وتدمير الأنساق الحية في الثقافة العربية والإسلامية التي تتصدى لثقافة الإمبراطورية الجديدة ودينها التكنولوجي- الرأسمالي، ومثلها الأعلى القوة، والهيمنة الشاملة وإعادة صياغة الوطن العربي وفق تصورات ورؤى توراتية وأساطير ملفقة لتاريخ قديم وحديث. وتغيير الثقافة السياسية القومية: ثقافة الوحدة والحرية والتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية التي تأسست كثقافة للنهضة العربية، إلى ثقافة الإمبريالية والهيمنة الصهيونية ثقافة التفتيت والتجزئة والتفكيك والعدمية القومية والروحية التي لا تقدس غير القوة والسلطة: سلطة المال والمعرفة والتكنولوجيات والمعلومات وحيازة أسرار العلم والاقتصاد لتوظيفها لخدمة أهدافها الشريرة لاستعباد الآخرين والهيمنة على مصائرهم.

على المقاومة أن تدرك أن حربها ضد هذا العدو طويلة الأمد، ولذلك يجب أن تتجنب المعارك الفاصلة، والهزائم الكبيرة وأن يكون تكتيكها إحراز انتصارات مرحلية ولو كانت جزئية والتشبث بها والتقدم منها والبناء عليها. وبما أنها تواجه عدواً يتحكم بالعلم والمال والتكنولوجيات الحديثة والمتطورة والقوة العسكرية غير المسبوقة، والهيمنة السياسية على العالم والفضاء الخارجي، فإن ثقافتها يجب أن تكون ثقافة المستقبل والحياة وثقافة التقدم والتطور، ثقافة الحرية والديموقراطية إلى جانب ثقافة الالتزام الفكري والعقائدي بحق الأمم بتقرير مصيرها، وثقافة الإنسان الحر المواطن في دولة تجسد القيم الخالدة للمساواة والعدالة والحرية، وتعتمد بناء الشخصية الإنسانية للفرد كعضوية فاعلة ومسئولة كي يكون شريكاً في بناء حياته وتقرير مصيره، ومن أجل أن تستطيع مواصلة الكفاح الطويل للوصول إلى مرحلة توازن القوى مع هذا الوحش المدجج بالحديد والنار، وبكل أدوات التدمير والتغريب والتضييع والمتاهات التي يسحق بها الأمم وثقافتها وتاريخها ويفرض عليها صراعاً غير متكافئ في كل مجالات حياتها لإخضاعها أو إبادتها، إنها لا يمكنها إحراز النصر باهظ التكاليف إلا بوحدة الشعب والمجتمع وتحالف القوى السياسية والاجتماعية وفق ميثاق قومي ووطني يمثل مصالح الأكثرية ويجسد تطلعاتها.

إن المقاومة فعل مجتمعي تضطلع به نخب سياسية وفكرية ومقاتلة، ولذلك فالقادة التاريخيون لحروب الشعب طويلة الأمد، وقادة الثورات الخالدة في تاريخ البشرية، كانوا رواد ثقافة جديدة وأفكار وأيديولوجيات توحيدية، تدعو للمساواة والعدالة، وإشراك جميع الطبقات الوطنية في هذه العملية التاريخية التي تعيد صياغة العلاقات داخل الأمة، وإزالة التناقضات في صفوف الشعوب، من أجل بناء جديد تعمده التضحيات المشتركة، بالنفوس والأموال والمعاناة، والتضامن والتساند.

في هذه البؤر المقاومة الثلاث في المشرق العربي لا يمكن الفصل بين مسرح العمليات في كل منها، فالأعداء يحملون نفس الهوية، وهم الحلف الأمريكي- الصهيوني الذي يقود الغزو والعدوان ويريد تفكيك الوطن والأمة، ولذلك فإن الموقف الاستراتيجي والتكتيكي واحد في الساحات الثلاث.

فلا يمكن أن تكون المقاومة  لتحرير العراق من الاحتلال الأمريكي إرهاباً، فتنأى المقاومة في لبنان أو في فلسطين بنفسها عنها تحت شعارات مضللة ولغايات سياسية خاصة. وتسكت عن المتحالفين والمتعاونين مع الغزاة الذين يعتبرونهم محررين، ويشنون الحرب على المقاومين تحت الشعار الإمبريالي بأنهم إرهابيون. وهذا الصدع الخطير سيخلط الأوراق بين جبهة الأصدقاء وجبهة الأعداء ما سيؤدي إلى الفشل، المقاومة توحد ولا تفرق، وتعرف وتحدد خصومها، ومن هم حلفاؤها، وهذا درس يجب أن يظل ثابتاً في عقيدة المقاومة.

حرب الإبادة على المقاومة الإسلامية والوطنية في فلسطين منذ فوز (حركة حماس) بالانتخابات الفلسطينية في كانون الثاني من عام 2006م وتشكيلها الحكومة الفلسطينية، بقتل وتصفية المقاومين وهدم البيوت بقنابل الطائرات على العائلات الآمنة وقتل الأطفال والنساء والشيوخ في غزة ورفح والمخيمات الفلسطينية وتدمير البني الخدمية – الطرقات والكهرباء والمياه والمدارس.....- وتحويل المدن إلى خرائب والحقول المزروعة إلى أرض جرداء مقفرة من نباتاتها، واعتقال الآلاف من الشباب والكهول والفتيان. تبرهن على طبيعة استراتيجية العدو الصهيوني الجديدة لتنفيذ الحلول من جانب واحد، بما يخدم تصورات وأوهام الصهاينة حول تصفية القضية الفلسطينية، تؤيدهم طغمة المحافظين الجدد والمسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتهافت النظام العربي الإقليمي، وعجزه عن المواجهة وسكوته، بل تشجيعه الضمني للخلاص من قضية فلسطين، ومن ثورات شعبها التي لم تهدا منذ عشرينات القرن الماضي.

وفي هذا السياق تأتي الحرب التي أشعلها الصهاينة في لبنان في 12 تموز 2006 بعد أن أسر "حزب الله" جنديين صهيونيين لمبادلتهما بالأسرى العرب واللبنانيين والفلسطينيين في سجون الاحتلال. والتي تكرر استراتيجية حرب الأمريكان لاحتلال العراق واستراتيجية تدمير الثورة الفلسطينية والأرض الفلسطينية، بواسطة الطيران الحربي والصواريخ والمدفعية والحوامات، وتدمير البني التحتية والخدمية وتهجير السكان، وزرع الفوضى من أجل إعادة الإعمار كما يتوهمون لبناء "شرق أوسط جديد" كما قالت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في أول زيارة لها بعد نشوب هذه الحرب، وكما يروج يهودا أولمرت رئيس الوزراء الصهيوني بـ"الوجه الجديد لشرق أوسط" مغاير بعد هذه الحرب والقضاء على المقاومة و"حزب الله" في لبنان.

لقد استوعب "حزب الله" كحركة مقاومة التجربة التاريخية للمقاومة ضد العدو الصهيوني في لبنان وفلسطين، وكان أنضج تجربة مقاومة عربية تكتيكاً وتنظيماً وأساليب قتال حتى الآن من كل حركات المقاومة السابقة واستطاع الصمود ومقارعة المعتدين الصهاينة حتى أجبرهم على الخروج من الجنوب اللبناني المحتل في عام 2000م فيما يشبه الهزيمة لأول مرة في تاريخ الصراع العربي والفلسطيني الصهيوني. وهو اليوم يخوض حرب مقاومة متميزة بأداء بطولي لمقاوميه في الميدان وشجاعة وتصدي لقوات العدو المتفوق بالعدد والعتاد والتكنولوجيات العسكرية الحديثة، وبذلك ضمن استمرار المعركة والتماس مع العدو موقعاً به أفدح الخسائر بالرجال والعتاد، واستخدام منظومة صواريخ الكاتيوشا متوسطة المدى للرد على العدو بإطلاقها على تجمعاته الاستيطانية في عمق الأرض المحتلة وإيقاع الخسائر في صفوف المستوطنين. مما يجعل ذلك العدو الذي اعتاد الحروب السريعة والحسم في ميدان المعركة في أيام قلائل، يترنح ويعجز عن تحقيق نصر سريع توهمه في بدء القتال، وبذلك فرض عليه شروط حرب الغوار وأخضعه لتكتيكه ومنازلته في حرب طويلة الأمد، ولكن الظروف السياسية العربية والدولية مع استخدام العدو لاستراتيجية التدمير المنهجي للمدن والقرى والبنية التحتية والخدمية وتهجير السكان، تفرض على المقاومة أعباءً وضغوطاُ لوقف إطلاق النار، وعليها ألا تتجاهلها، بل أن تتعامل معها بمنتهى الجدية، وتتخذ مجال المناورة الواسع كي تجمع من حولها جبهة عريضة من الأصدقاء والمؤيدين، وأن تتكلم بخطاب عقلاني شفاف يكشف حقائق الموقف العسكري والسياسي بلا تلوينات أيديولوجية مخاتلة، كي يظل الأمل بالنصر ماثلاً بلا مبالغات، والثقة بالمقاومة راسخة، مع التركيز على ما هو ملموس وممكن الإنجاز، بانتظار التحولات الجذرية في النظام العربي نحو المقاومة واستراتيجية الكفاح المسلح مع العدو على طريق التحرر والوحدة والنهضة.