أمريكا و"إسرائيل" ومخطط "الشرق الأوسط الجديد"

بقلم: محمد حسن الجبوري

الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" وفي ضوء التحالف الإستراتيجي بينهما للسيطرة الكاملة على المنطقة العربية واحتلالها واستعمارها من جديد بما في ذلك السيطرة على مقدراتها البشرية ‏والاقتصادية والجغرافية، إنما هو حقيقة لا مجال للشك فيها، فالولايات المتحدة الأمريكية تخطط "لمشروع الشرق الأوسط الجديد" وتدفع بقوتها السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى المنطقة العربية ‏لاحتلالها بحجة حمل راية الحرية والديمقراطية وتخليص شعوب المنطقة من الأنظمة الديكتاتورية لتمكين الكيان الصهيوني من السيطرة على المنطقة، وليس غزو العراق واحتلاله إلا الخطوة الأولى ‏والمرحلة الأولى في المخطط الأميركي المتعدد المراحل للسيطرة على الوطن العربي وتقطيع أوصاله واحتلاله من جديد، وبعد أن انكسرت وتعثرت الخطوة الأولى وللتخفيف من ‏الخسائر الأمريكية المتصاعدة في العراق بفضل ضربات المقاومة العراقية، ولصرف الأنظار عنها ‏أوعزت الإدارة الأمريكية "لإسرائيل" بشن الحرب على لبنان وقد امتثلت "إسرائيل" لذلك وقامت بتنفيذها بطريقة وحشية اتخذت أسلوب الإبادة الحقيقية وقامت بمذابح بشرية كبيرة على الأرض اللبنانية ‏كان قد خطط لها مسبقاً في دوائر البنتاغون والمؤسسة العسكرية الصهيونية، إنها فعلا حرب قذرة ‏أقدمت عليها "إسرائيل" بدفع وتشجيع الإدارة الأمريكية.

إن الإدارة الأمريكية و"إسرائيل" متفقتان على إبادة المقاومة واحتلال لبنان وصولاً إلى احتواء ‏الأرض العربية بمقدراتها البشرية والاقتصادية بعد أن تمكنت أميركا من احتلال العراق لتصبح ‏الأرض العربية كلها محاصرة، فالقوات "الإسرائيلية" تحاصر لبنان بآلتها العسكرية بحراً وجواً وبراً ‏وتغزو ترابه الوطني في الجنوب، والعراق تحتله القوات الأمريكية وتسيطر على ثرواته الطبيعية ‏والبشرية، كذلك قواتها وقواعدها المنتشرة في العديد من الأقطار العربية في الخليج وغيره من ‏الأقطار المجاورة، وكأن الاستعمار قد عاد من جديد للسيطرة على الوطن العربي ونهب ثرواته ‏وخيراته وقمع الجماهير العربية والتهيئة لتطويعها وفق رغبات "إسرائيل" والعودة بالوطن العربي إلى ‏عهود الاستعمار والعبودية المنقرضة.

أميركا لم تمارس ضغطاً على "إسرائيل" بل قامت بتغطية عدوانها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ‏فقد أقامت جسوراً جوية لإمداد "إسرائيل" بالعتاد والسلاح، كل ذلك يأتي ضمن الخطة الأمريكية - "‏الإسرائيلية" الهادفة للسيطرة على مقدرات العرب وتفتيت الوطن العربي وتجزئته وإقامة دويلات ‏متناحرة على الأسس الطائفية والعرقية لإنجاز "مشروع الشرق الأوسط الجديد" الذي بشرت به ‏كوندوليزا رايس ورئيسها جورج بوش، من ذلك نستدل على أن الغزو "الإسرائيلي" للبنان يحظى بتأييد ‏الإدارة الأمريكية بهدف زيادة رقعة الاحتلال "الإسرائيلي" وتحقيق المزيد من التوسع والتمدد على ‏الأرض اللبنانية والقضاء على المقاومة اللبنانية العنيدة الرافضة للمشاريع الصهيونية والأمريكية ‏والمناهضة "لشرق أوسطهم الجديد" الذي سوف تحكمه وتتحكم به "اسرائيل".

لقد طالت طائرات الحرب "الإسرائيلية" المجمعات السكنية، البيوت والمنشئات المدنية والطرق ‏والجسور والمطارات وحتى المزارع والحقول والمجمعات التجارية ومختلف المواقع على كل ‏الأرض اللبنانية شمالاً وجنوباً لتوقع أكبر الخسائر والأضرار بالقطر اللبناني وشعبه الصامد المجاهد ‏ومقاومته البطلة.

إن الولايات المتحدة وبريطانيا تشنان حربا قذرة مستمرة ضد ‏العرب والمسلمين بأهداف سياسية واقتصادية معروفة تحت غطاء محاربة الإرهاب بأساليب لا ‏قانونية ولا مشروعة ولا أخلاقية اللهم إلا قانون القوة والغطرسة الإمبريالية الأمريكية المنفردة، ‏ولأن حرب "إسرائيل" موجهة عملياً لقتل المدنيين الآمنين من أبناء الشعب اللبناني والمقاومين الأبطال ‏المجاهدين في جنوب لبنان وتدمير الممتلكات العامة والخاصة فإن المعتدين القتلة قد استخدموا ‏أساليب الأكاذيب والمخادعات والتضليل للتستر على جرائمهم الوحشية.. ومن بين الأكاذيب ‏المفضوحة التي روجها الإعلام الصهيوني على نطاق واسع الإدعاء بأنهم ينفذون قرار مجلس الأمن ‏الرقم 1559 والشرعية الدولية القاضي بتجريد "حزب الله" من السلاح، ومن هذا المنطلق فإن ‏طائراتهم المعتدية تطلق الصواريخ والقنابل على مقاتلي "حزب الله" وتحصيناته ومنشآته وتجمعاته، ‏وردا على إطلاق صواريخه على شمال "إسرائيل"، لقد تساقطت الأكاذيب والمخادعات بعد أيام قليلة ‏من العدوان ولم تستطع حجب الحقائق، وما جرى في الميدان أوضح ذلك للمراقبين ووسائل الأعلام ‏والرأي العام العالمي فالجميع بات يعرف تلك الحقائق فالعدوان "الإسرائيلي" على لبنان كان مخططاً له ‏قبل أسر الجنديين "الإسرائيليين" بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية وهذه الحقيقة دلت عليها تصرفات ‏الإدارتين الأمريكية والبريطانية من خلال المماطلة في إصدار قرار لوقف العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، ناهيك عن عجز مجلس الأمن والأمم المتحدة بالرغم من اتساع وتنامي المطالبة الدولية بوقف ‏العدوان الذي استمر شهراً كاملاً، ومع افتضاح الأكاذيب والمزاعم "الإسرائيلية" والأمريكية ‏والبريطانية أصبح العالم كله يعرف أن عدوان "إسرائيل" على لبنان إنما يمثل عدواناً سافراً وحرباً ‏قذرة في كل المقاييس.. حيث تخرق الطائرات "الإسرائيلية" حرمة الأجواء اللبنانية وتوجه صواريخها ‏وقنابلها على الأحياء السكنية وتهدم البيوت على ساكنيها وتقتل النساء والأطفال الأبرياء.. ثم تصدر ‏عن الإدارة الأمريكية الكذبة المتكررة المفضوحة بأن من حق "إسرائيل" أن تدافع عن حدودها وأمن ‏مواطنيها وأن تبعد خطر صواريخ "حزب الله"، ولأن لبنان كان يتعرض للعدوان "الإسرائيلي" السافر ‏والمستمر دوما وعبر أكثر من نصف قرن تستثمر فيه "اسرائيل" علاقتها الوثيقة مع الإدارة الأمريكية ‏والغرب عموما، فأن مقاومة الشعب اللبناني للعدوان وبكل الوسائل المتاحة هو حق سيادي مشروع ‏يكفله ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ويحظى بمساندة ودعم كل الشعب العربي في جميع ‏أقطاره.

بعد شهر من العدوان وتوقف إطلاق النار بين المقاومة و"إسرائيل" وفق القرار الصادر من مجلس ‏الأمن الرقم 1701 فقد استطاع لبنان بمقاومته الباسلة وتضحياته وتدبير وحكمة حكومته من احتواء ‏الأهداف السياسية والعسكرية والنفسية للعدوان وتجريده من أية انتصارات مزعومة وتحويله إلى ‏عبء ثقيل ومكلف على أصحابه سياسيا ومعنويا وماديا.. لقد انتصر لبنان وانتصرت المقاومة ‏اللبنانية الشجاعة ولكي تبقى وتتعزز الوحدة الوطنية اللبنانية فأن الإرادة الوطنية اللبنانية مطلوب ‏منها أن تستقر على مواصلة الحوار الوطني اللبناني والالتزام بالثوابت الوطنية والتصدي لمروجي ‏الفتن لتفويت الفرصة على من يريدون تفتيت الجهد الوطني والنيل من الوحدة الوطنية لشعب لبنان ‏وصولاً لقبر "مشروع الشرق الأوسط الجديد" في لبنان كما قبر في العراق.