فلسطين والمستقبل العربي

مروان حبش/ عضو قيادة قطرية ووزير سوري سابق

قال الكاتب الفرنسي كريستين سالمون، بعد زيارة له لفلسطين مع وفد البرلمان العالمي للكتاب "لم أكن أعرف أن على طفل أن يبحث عن دفاتره وحاجياته بين أنقاض منزله".

وأقول أنا، بأن علينا وعي حقيقة العلاقة بين فلسطين والمستقبل العربي حتى لا يأتي اليوم الذي يبحث فيه كل أطفال العرب عن دفاترهم وحاجياتهم بين أنقاض منازلهم كما هو، الآن، حال أطفال فلسطين والعراق ولبنان.

منذ أكثر من نصف قرن ونيف، تقوم في فلسطين محاولة لانتزاع الأرض من سكانها العرب بدأت اختلاساً خفياً ثم تحولت إلى اغتصاب بالقوة، إنها محاولة الحركة الصهيونية الاستيلاء على الأرض خالية من الشعب العربي وتوطين بشر آخرين مكانهم.

في سنة 1948 استطاعت الحركة الصهيونية أن تقيم على أرض فلسطين دولة باسم "إسرائيل" اعترفت بها أغلبية دول العالم وقُبلت عضواً في منظمة الأمم المتحدة، ورفضت الدول العربية الاعتراف بها، واشتبكت معها في جولات عسكرية، وقد عاصرت تلك المشكلة ثلاثة أجيال عربية تتابعت عليها النظم السياسية والاجتماعية المختلفة، وتغيرت من حولها الظروف الدولية، وفي كل جيل وتحت كل نظام ومع كل ظرف دولي، طُرحت للمشكلة عشرات التفسيرات وقُدمَتْ لها عشرات الحلول، وبذلت في حلها عشرات المحاولات، وكل ذلك لم يزد المشكلة إلا حدةً، وكادت غاية كل تلك الأحداث والاجتهادات إخفاء الإجابة ٍٍالصحيحة عن الأسئلة المطروحة: ما هي حقيقة المشكلة؟

بعد حرب 1967 ازداد الأمر تعقيداً، وجذب الصراع على ساحته أفرداً وجماعات ودولاً، وبذلك أصبحت القوى النشيطة في العالم أطرافاً ذات نشاط في الصراع الذي تثيره المشكلة الفلسطينية، وهكذا أصبح الصراع المثار دائراً بين أطراف عديدة وعلى مضامين متعددة من أجل غايات متباينة، ولم يعد أحد يذكر حتى ذرائع القتال في حزيران1967 رغم أن الأيام والوثائق التي أفرج عنها "الكيان الصهيوني" قد عرت ما كان مستوراً وكشفت نوايا كل الأطراف فبانت حتى لأقصر الناس نظراً، الأعماق الحقيقية للصراع العربي الصهيوني، وبان بأنه ليس صراعاً حول أمن "الكيان الصهيوني" المستضعف" في مواجهة "البغي" العربي المتفوق عدةً وعدداً ولا هو كذلك صراع حول الملاحة في خليج العقبة، ولا هو أيضاً صراع حول أسلوب الحياة في الأرض العربية، بل هو صراع يدور حول الوجود والمصير، الوجود العربي ومصيره، والوجود الصهيوني ومصيره، وأيضاً، الوجود الاستعماري ومصيره في الوطن العربي.

إن الصراع الذي تثيره المشكلة الفلسطينية، ذو أثر حاسم في مصير كثير من القوى والمصالح والنظم وأنه عندما تحل المشكلة لن يكون المستقبل العربي مجرد امتداد لما سبق، بل سيكون مستقبلاً مختلفاً نوعياً في قواه وفي نظمه وفي غاياته. ومن هنا أصبح المستقبل العربي كله موضوعاً يدور من أجل الصراع بين القوى المشتبكة حول مستقبل فلسطين. وأصبحت كل قوة تدفع بالصراع ذاته إلى الاتجاهات التي تعتقد أنها تنتهي إلى ما تريد في الوطن العربي، وليست "الحلول ووجهات النظر والمبادرات" التي تعددت طروحاتها منذ 1967 إلا الصيغ النظرية لا لمستقبل فلسطين بل لمستقبل الأمة العربية، وهي تُطرح على الجماهير العربية لا بقصد تعريفها بالحقيقة، بل للاتجاه بها إلى غايات معينة.

في غمار هذا كله يصبح من المهم أن نعرف حقيقة مشكلة فلسطين، وأن نظل واعين تلك الحقيقة، وأن لا نسمح لأحد بأن يضللنا، وأن ندرك تماماً أن المشكلات في وطننا العربي لها حلولها الموضوعية التي يحددها وجودنا القومي ذاته.

إن فلسطين جزء من الوطن العربي، وسكانها جزء من الأمة العربية، وبالتالي فإن محاولة طرد الشعب العربي واغتصاب الأرض العربية لتوطين بشر مستوردين هو اعتداء على الوجود القومي للأمة العربية، وأن هذا العدوان يجب رده دون أي تلكؤ، كما أن في هذا الاعتداء انتقاص من المجتمع العربي يجب استكماله، وفسخ لعلاقة تاريخية بين جزء من الشعب العربي وأرضه يجب إزالته ليعود الشعب إلى أرضه وتعود الأرض إلى شعبها، وهذا يؤكد أن حق الشعب العربي في استكمال وجود أمته باسترداد فلسطين محدد بالوجود القومي العربي، وأن هذه الحقيقة لا تتأثر ولا تتغير بمواقف القوى الأخرى معتدية كانت أو حليفة أو صديقة وإن كانت هذه المواقف لها أثرها فقط على أسلوب الحل.

إن مشكلة فلسطين كما، ذكرت، هي مشكلة أرض عربية مغتصبة، وإن وعي هذه الحقيقة يخلصنا من شباك التضليل التي تزعم أن مشكلة اغتصاب الأرض العربية في فلسطين قد حُلت منذ أن اعترف المجتمع الدولي بما يُسمى (دولة إسرائيل) وقبلها عضواً في منظمة الأمم المتحدة وأن المشكلة منذ ذلك الحين قد أصبحت مشكلة "سلام" بين الدول المتجاورة كما أن المقولة التي يهمس بها بعض الانهزاميين العرب بأننا يجب أن نكون واقعيين ما دامت دول كثيرة قد اعترفت بوجود "الكيان الصهيوني" ولن تسمح بزواله وأن هذا الكيان قد وجد ليبقى، وينسى هؤلاء الانهزاميون بأن ذلك "الاعتراف" لم يحل مشكلة فلسطين أرضاً وشعباً وها هي ما زالت قائمة، وأن الصهاينة قبل غيرهم يعرفون ذلك ويكررون مجازرهم منذ عام 1948 ويتشبثون بالأرض التي احتلوها بعد حرب 1967 من أجل الاعتراف العربي بوجودهم ومن أجل فرض هذا الاعتراف بالقوة على الأمة العربية.

إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تتغير حقيقة مشكلة فلسطين فيما لو اعترفت إحدى الدول العربية أو الدول العربية مجتمعة أو الشعب العربي الفلسطيني ممثلاً بدولة أو بدون دولة، بذلك الكيان؟. أبداً، كل ذلك لن يغير حقيقة المشكلة لأن المميز الأساسي للأمة هو عنصر الأرض وأن الأرض العربية كلها خاصة بالشعب العربي وأن اشتراك الشعب العربي في الوطن العربي هو مشاركة تاريخية بين الأجيال المتعاقبة وهذا يعني أنه ليس من حق الشعب العربي كله، ولو كان ممثلاً في دولة واحدة أن يتنازل عن أرض فلسطين أو يقبل الوجود الصهيوني بدوره الوظيفي،على الأرض المغتصبة لأنه بذلك يتصرف فيما لا يملكه وحده بل يتصرف بملك مشترك بينه وبين الأجيال العربية القادمة.، كما لا يحق لأي جزء من الشعب العربي ولو كان شعب فلسطين أن يتنازل عن الأرض أو يقبل بالوجود الصهيوني لنفس الأسباب التي تفرض نفسها وهي الملكية المشتركة للأرض العربية بين الأجيال القادمة، كما أن دولة الوحدة الموعودة لا تكتمل وجوداً ما دامت أرض فلسطين مغتصبة ولو حصل أن اعترفت دول العرب الحالية بـ"الكيان الصهيوني" فإن هذا لن يفعل شيئاً أكثر من إلزام هذه الدول بالتعامل معه "كدولة" ولكن مشكلة الأرض المغتصبة والشعب اللاجئ في الشتات ستبقى قائمة وستتحمل أجيال الأمة العربية تصحيح ما فرط به جيل سبقها وأن الأجيال القادمة غير ملزمة بما فعلته أنظمة عربية سابقة وهذا يوضح أن مشكلة فلسطين لن تحل باعتراف بـ"دولة" الكيان الصهيوني يأتي من أي جانب عربي لأنها مشكلة أرض مغتصبة وملكيتها للأجيال العربية ولا يحق لأحد التصرف بها أو التفريط فيها أو التنازل عنها، ومشكلة كيان أنشئ ليؤدي دزرا وظيفيا في المنطقة العربية، وهذه الحقيقة توضح لنا أمرين:

الأمر الأول:

هو الزعم بأن العدوان الصهيوني موجه ضد دولة عربية أو بضعة دول عربية وبالتالي تكون المشكلة قائمة بين الكيان الصهيوني وبين تلك الدولة أو الدول.

صحيح أن الصهيونية المعتدية عندما استولت على الأرض العربية في فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني وكذلك عندما قامت بعدوانها في أعوام 1956، 1967، 1982، 2006، ومرات عديدة بينهم، اصطدمت بالدول العربية وبالشعب العربي الموجود على الأرض المعتدى عليها ولكن يجب أن ندرك بوضوح أن كل عدوان على جزء من الشعب العربي، وأن كل مشكلة في أي جزء من الوطن العربي، هي بالتالي مشكلة قومية تخص العرب جميعاً ولذلك فإن "الكيان الصهيوني" يستهدف وجودنا القومي ويوظف كل طاقاته لمنع تحرر الشعب العربي ولعرقلة تقدمه وتنميته وتحقيق دولته الواحدة ومن هذه الحقيقة لا نستغرب ما نلاحظه من أن مشكلة فلسطين تزداد حدة، والعدوان الصهيوني يزداد شراسة كلما تحققت في الوطن العربي خطوة تنموية أو تحررية لأن "الكيان الصهيوني" يدرك أن في ذلك بداية حفر القبر الذي سيُدفن فيه وإلا لما هَمَّهُ بكثير أو قليل تنمية وتحرر أي قطر عربي ولما بلغ فيه حد العدوان لتدمير أية تنمية جادة في الوطن العربي.

الأمر الثاني:

هو الزعم بأن مشكلة فلسطين خاصة بشعب فلسطين وأن هذا الشعب هو الذي طُرد وهو الذي ما يزال مشرداً بدون أرض وبدون هوية وهو الذي سيعود إلى الأرض عندما تسترد وهي مشكلته الخاصة.

إن وحدة الوجود القومي تعني اختصاص الشعب بالوطن وهذا لا يتناقض ولا يلغي من إقامة جزء من الشعب على جزء من أرض الوطن وإن عودة اللاجئين إلى أرضهم حين تحريرها ليس مجرد استرداد لمزارع ومصانع ومعامل إنها أكثر من ذلك عمقاً، إنها الممارسة الفعلية التي تجسد وحدة الوجود القومي وهذا يبين أن مشكلة فلسطين ليست مشكلة خاصة بالشعب العربي الفلسطيني، ولا يجوز أن نسمح لشعارات مثل "عدم التدخل بشؤون شعب فلسطين، أو الحقوق القومية لشعب فلسطين، أو التحالف مع شعب فلسطين"... إلى آخر تلك الشعارات أن تصبح حقائق نبني على أساسها مواقفنا النضالية لأن ذلك يؤدي بنا إلى منزلق "الإقليمية" المميت، الإقليمية الهاربة من الصراع من أجل تحقيق وجودنا القومي والمتطلعة إلى الإفلات من مشكلة لا تعتبرها مشكلتها وتكون حصيلتها: "أن اذهب يا شعب فلسطين وقاتل وحدك وها نحن هنا متفرجون، أو "أن اذهب يا شعب فلسطين واسترد أرضك كما تشاء واقبل "بدولة فلسطينية" يكون مجرد قيامها اعترافاً حياً بـ"دولة" الكيان الصهيوني التي ستكون مهيمنة حتماً على كل شؤون "الدولة الفلسطينية".

إن الحركة الصهيونية جاءت باليهود وبمساعدة الدول الأوروبية إلى أرض فلسطين ليغتصبوا أرضاً عربية ويقيموا دولةً حارسة على المصالح الاستعمارية تحول دون أن تحقق الأمة العربية كل ما هي قادرة عليه من تطور اجتماعي وستمنع قوانين التطور من أن تبلغ أقصى فعاليتها وبكل ما هو متاح في الوطن العربي من إمكانيات بشرية ومادية.

إن فلسطين جزء من الوطن العربي ولا يجوز أن نسترد جزءاً منها مقايضة على جزء آخر ومن المهم أن ندرك بأكبر قدر من اليقين بأن حل مشكلة فلسطين هو في استرداد الأرض المغتصبة من قبضة الصهيونية وإعادتها إلى شعبها العربي كما من المهم أيضاً أن ندرك بأنه لو بقيت للصهيونية دولة في تل أبيب، وحدها، فإن الصراع لن ينتهي لأن كل ذرة تراب من الأرض العربية هي ملك للشعب العربي ولا بد من استردادها، ولقد ورد في المشروع النظري للتيار القومي العربي (أنه دون حل لقضية شعب فلسطين وما تولد عنها، فإن الاستقرار والأمن والسلام والتنمية في الشرق العربي من المستحيلات، ولما كانت "إسرائيل" واقعة استعمارية عنصرية، فإن الحل التاريخي والمنطقي والدائم لقضية فلسطين هو زوال هذا الكيان العنصري بوصفه تهديدا للأمة، وذا وظيفة لمنع وحدتها وتقدمها، وزوال هذا الكيان بوصفه دولة عنصرية بامتياز، وهذا حل معقول تاريخياً ومعقول واقعياً.

وبالتالي، فإن التيار القومي العربي ينظر إلى جميع التسويات التي تمت مع هذا الكيان على أنها باطلة، كما أنه ينظر إلى الصراع مع الكيان العنصري الصهيوني على أنه صراع تاريخي لن ينتهي إلا بانتهاء هذه الدولة الغريبة، ومن هنا فإن الحل القومي لمسألة الأمة والحل الديمقراطي لمسألة الحكم والحل القومي لقضية فلسطين في ترابط مطلق).

إن القومية لا تقبل الاستقلال الإقليمي كوطن نهائي، لأي قطر عن جسم أمته العربية ولا تقبل إلا دولتها القومية الواحدة هذه الدولة التي تعترف بحق المواطنة للجميع، وبالإقامة لمن يريد - بغض النظر عن عرقه أو ديانته، والضرورة تقتضي التوضيح بأن زوال الكيان الصهيوني لا يعني أبدا طرد السكان اليهود- أن يقيم في رحابها، وأن كل عربي يتحمل مسؤولية الكفاح، وبحزم، حتى لا تصبح أية دولة عربية حسب التقسيم الاستعماري دولة تبحث عن مصالحها الخاصة، فقط، وتتحول إلى آلية منظمة للحفاظ على سلطة هدفها حماية مصالح النافذين فيها، فقط.، وتنطلق في سياستها من مصطلحات كالمنظور الواقعي والفاعل الرشيد حسب فهم المجتمعات التي حققت دولها القومية لهذه المصطلحات، بل يجب أن تفهم الواقعية والترشيد من خلال ظروف التجزئة واغتصاب الأرض التي فرضها الاستعمار على وطننا العربي، ومن خلال هذا الفهم نعي أن واقعيتنا تفرض علينا النضال من أجل تحقيق دولتنا القومية - القائمة على الانتماء والمصلحة ووفق صيغ موضوعية - التي من خلالها ننجز تحرراً وتطوراً.

وأخيراً، ندرك أنه عندما يتعرض الشعب العربي، كله أو بعضه، للإبادة أو للطرد من أرضه وعندما يتعرض الوطن العربي، كله أو بعضه، للغزو الاستيطاني أي عندما تقوم مؤامرة لفصل (الشعب) عن (الوطن) لا نكون بصدد خطر يتهدد بعض أبناء الشعب العربي يمكن تعويضهم عنه أرضاً بأرض، ولا بصدد خطر يتهدد جزءاً من الوطن العربي يمكن الاستغناء عنه أو المساومة عليه، بل نكون بصدد خطر يتهدد الوجود القومي ذاته.

وهكذا فإن أول ضوابط الحركة القومية إلى المستقبل تكون في استرداد الأرض العربية المغتصبة للشعب العربي ليكمل ما انتقص من وجود الأمة العربية وهو حل لمشكلة وجود المجتمع العربي ذاته، حل ينطلق من موقف قومي تتسق صلابته وإنسانيته مع انتمائنا إلى أمة عريقة.

إن بطولات شعبنا في فلسطين ودماء الشهداء الطاهرة، وإن تحرك الشعب العربي في كل الأرض العربية وفي بلاد الاغتراب مؤيداً لنضال عرب فلسطين وطالباً من الأنظمة العربية اتخاذ المواقف القومية الصحيحة لمساندة النضال الفلسطيني، وواقفاً، بحزم، ضد كل المتواطئين داخلياً وخارجياً مع الكيان الصهيوني، إن في تلك البطولات والنشاطات، الدليل الأكيد على أن ما يريده الشعب العربي من أنظمة الحكم في الأقطار العربية ومن الدولة الفلسطينية - التي يعتبرها بعض الفلسطينيين ضرورة سياسية بقدر ما هي ضرورة بسيكولوجية - هو أن تبقى هذه الدول أداة لثورة شعبية هدفها تحقيق الدولة / الأمة، لا أن تكون دولاً تبحث كل واحدة منها عن مصالحها القطرية فقط.

إن المناضلين العرب في فلسطين الذين يضحون بأرواحهم من أجل استرداد هذا الجزء المغتصب من الوطن، لا يضحون رغبة في امتلاك مزيد من الأرض، بل لأنها أرضهم، وأن اغتصابها من قبل الصهاينة قيد على مقدرة العرب على التقدم والتحرر، بينما استردادها سيحقق للعرب مستقبلهم ومكانتهم، وعبر دولتهم القومية، في المجتمع الدولي.