لكي تنتصر المقاومة

مروان حبش/ عضو قيادة قطرية ووزير سوري سابق

لا يمكن التعويل على مجلس الأمن، أو الظن بأنه سيتخذ قرارات من شأنها استعادة الحق العربي المغتصب، وهو إن أقر مثل ذلك فسيبقى هذا القرار عصيا على التنفيذ، وتتأكد هذه الحقيقة أكثر، منذ زوال المعسكر الاشتراكي، وإن صيغ القرارات التي تطرح، حاليا، على ذلك المجلس حول العدوان الصهيوني على لبنان تؤكد ذلك.

إن المقاومة الإسلامية في لبنان بنضالها المشرف وبدماء شهدائها الزكية، أجبرت الصهاينة بالانسحاب من جنوب لبنان، و ها هي تتصدى منذ 12 تموز بكل اقتدار لكل محاولات جيش الصهاينة في التغلغل داخل التراب الوطني، و تنزل به، وللمرة الأولى منذ إعلان كيانه داخل فلسطين المحتلة 1948، الضربات الموجعة.

إن أي قبول بوقف إطلاق النار، سيكون خطأ استراتيجيا فادحا، وسيفقد المقاومة ما حققته من انتصارات، وسيستفيد منه الكيان الصهيوني سياسيا وعسكريا وسيكون في مصلحته للتأسيس لعدوان جديد. وسيكون أكثر فداحة من الخطأ الذي وقعت به قيادة الحزب في حرب حزيران 1967 حينما وافقت على وقف إطلاق النار رغم اعتراض بعض أعضائها، وكان أحد أهم الأسباب التي أسست، بالتالي، إلى صراع وتناقض داخل المؤسسة الحزبية، وتباين في الرؤية حول طبيعة الحرب الواجب سلوكها لاستعادة الجولان، قاد إلى اتخاذ قرار في "المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي 1970" بتغيير قيادة الجيش وردت عليه بانقلاب تشرين الثاني 1970، إن التدمير الوحشي والمجازر التي يرتكبها العدو الصهيوني في لبنان، هي توكيد لثقافته المبنية على ازدراء الآخر ووجوب إبادته، وهو نفس الجذر الذي تأسست عليه الثقافة الأمريكية، وتبلورت بشكل واضح في تدمير العراق وفي المذابح التي يقوم بها جنود الاحتلال، وهي في ازدياد في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، والمسيرة من قبل المحافظين الجدد - وجلهم من الصهاينة - الذين يدفعون نحو الإفراط باستعمال القوة لفرض السيطرة الأمريكية على العالم، ووجدوا في جورج بوش الإبن ضالتهم، وهو الذي تشرب مما ورد في كتاب (وادي الرؤى) لأحد أجداده جورج بوش 1796 - 1859، الذي يدعو فيه إلى (إحياء رميم إسرائيل وتدمير العرب والمسلمين).

إن الحرب الشعبية أكدت أنها الطريق الوحيدة الواجب سلوكها من قبل الشعوب المستضعفة لاستعادة حريتها وإنجاز تحررها، ولقد تبنى حزب البعث هذا الخيار، إذ ورد في مذكرة لقيادة الحزب القومية بتاريخ 31/12/1961، حول قضية فلسطين، وجهتها إلى مؤتمر وزراء الخارجية المنعقد في بغداد "إن إبعاد جماهير الشعب عن قضاياها الأساسية يفقد هذه القضايا الوعي والكفاءات والقوة الضرورية لانتصارها، ويحول دون بناء مجتمع ديمقراطي شعبي قوي قادر على مواجهة خطر "إسرائيل" وتحمل مسؤولية تحرير فلسطين وتصفية الاستعمار.

"إن حزب البعث العربي الاشتراكي يطالب مؤتمركم باتخاذ قرارات تلزم جميع الحكومات العربية،

بإطلاق الحريات لأبناء فلسطين المقيمين في جميع الأقطار العربية لتنظيم صفوفهم في جبهة تحرير فلسطين، وتقديم كافة المساعدات المادية والقانونية التي تكفل لهذه الجبهة ممارسة عملها النضالي، واعتبارها ذات اختصاص مباشر في جميع الشؤون المتعلقة بقضية فلسطين".

كما رأى حزب البعث العربي الاشتراكي، في مؤتمره "القومي التاسع"، أيلول 1969 "أن الزمن ليس في صالح العرب على الإطلاق وأن في كل يوم يمر تزداد فيه قوة "اسرائيل" العسكرية والاقتصادية.... لابد لنا إذن من طرح البدء بالمعركة وبالطبع فإن مثل هذا الطرح يتطلب تحديدا لطبيعة المعركة وأسلوبها وأدواتها، ولقد أثبتت تجارب الشعوب المناضلة ضد الاستعمار أن الطريق الوحيدة للوقوف في وجه القوى العاتية هي حرب التحرير الشعبية ولا بد لهذه الحرب أن تتخذ شكلا معينا ينسجم مع الواقع العربي ومقوماته ومعطياته على أن يحلل ذلك بنظرة ثورية تكشف الإمكانيات الحقيقية وتتصور مستقبل تطورها..."

إن الحرب في لبنان، كما هي الحرب في فلسطين، وقبلها تدنيس تراب العراق من المحتل الأمريكي، وقبلها.. وقبلها.. وفي كل المعارك، تأكد أن النظام العربي في واد والجماهير في واد آخر، وتأكد ما كان حزب البعث قد أقره في مؤتمره القومي التاسع بـ: أن سياسة التضامن العربي ووحدة الصف العربي هي سياسة ضد منطق النضال العربي وقادت إلى الارتباط بالمصالح الإمبريالية وكرست قيادة الأنظمة الرجعية للنظام العربي الرسمي وضربت الحركات والقوى التقدمية والنضالية، وأجهضت نضال الجماهير العربية..

وأن وحدة الصف العربي، الذي هو هدف مؤتمرات القمة، يجب أن يأتي عبر وحدة الهدف، أي أن القوى والأنظمة العربية التقدمية، هي التي يجب أن تفرض منطقها في مؤتمرات القمة، ولو كان الأمر كذلك، لما كان على سياسة المؤتمرات من غبار، لكن الذي يحدث هو العكس، أي أن وحدة الصف تجيء على حساب وحدة الهدف.

إذن لم تكن حرب التحرير الشعبية اختراعا ابتكره حزب البعث العربي الاشتراكي، ولا إلغاء للجيش النظامي بل طريقا لتقويته، ولا طرحا طفوليا، كما استحلى بعض من يسمون أنفسهم بالمثقفين أو أولئك الذين يرددون ما يسمعون كـ "الببغاوات" أو أولئك الذين يبدلون مواقفهم كما تبدل الألبسة وفق الموديل الدارج، أن ينعتوا حاملي فكرتها، ويقصدون بذلك "قادة 23 شباط"، وهي رؤية لقيادة البعث قبل شباط كما ورد في المذكرة المنوه عنها أعلاه.

لم تكن الحرب الشعبية جديدة على العرب، بل خاضها الشعب في الجزائر وفي جنوب اليمن وبها تحرر القطران، كما أن شعب فلسطين الذي تعتبر ثورته أطول ثورة في التاريخ - رغم النكسات والانتصارات - ما زال يخوض غمارها منذ 1928 وحتى الآن.

ليس الآن مجال مناقشة صواب قرار قيادة "حزب الله" بأسر جنود صهاينة لاسترجاع أسرى لبنان، أو فيما إذا كان هذا العمل موحى به من الخارج لإحباط استحقاق ما، بل الواجب يدفع كل المخلصين لمقاومة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية وقوى الاستكبار الأخرى، للبحث عن سبل استمرار المقاومة لتتسع وتشمل كل الساحة العربية.

إن التحليل العقلاني يعفينا من تجربة الصواب والخطأ، وينتهي بنا إلى أن سر انتصار المقاومة يكمن في استمرارها كحرب طويلة الأمد، ويرتب علينا البحث عن العوامل التي توفر لها الاستمرارية.

1 - تمتين لحمة الوحدة الوطنية: إن التفاف الشارع اللبناني خاصة، والشارع العربي بشكل عام - الآن - حول المقاومة اللبنانية يجب استغلاله لتقويتها، وهذا يوجب على قيادة "المقاومة الإسلامية" دعوة كل لبناني للانخراط في صفوف المقاومة، بدءا من القيادة وحتى المقاتلين في جبهة القتال، ومثل هذه الدعوة ستزيد اللحمة الوطنية، كما أن هذه الدعوة يجب أن توجه أيضا لكل عربي ومسلم ولكل شرفاء العالم.

2 - وحدة النضال ضد العدو الواحد: إن الاحتلال الأمريكي للعراق وتدمير بناه التحتية، وارتكابه المجازر اليومية، ومخططاته التي يدفع بها لحرب أهلية، مذهبية، هي ذات الأهداف والممارسات الصهيونية في فلسطين ولبنان، ولا يجوز أن يغيب عن ذهننا أن كل حروب أمريكا في المنطقة تصب في صالح الكيان الصهيوني، وكل حروب الكيان الصهيوني تصب في صالح مصالح الولايات المتحدة، أي أن العدوان واحد ومصالح المعتدين واحدة، وهذا ما توضح في العراق المحتل حيث يرتع "الموساد" الصهيوني جنبا إلى جنب مع جيش الاحتلال، ويقوم بتصفية الكادر العلمي العراقي وقتل ضباط الجيش وزرع الفتن بين أوساط الشعب.

إن المعركة في لبنان وفي العراق هي ضد عدو واحد، وهذا يوجب على "قادة المقاومة الإسلامية" في لبنان، وبما لهم من احترام وتقدير، مناشدة المرجعيات الدينية في العراق لإصدار فتاوى لقتال المحتل الأمريكي، وبمثل ذلك تتحقق الوحدة الوطنية وتبوء مخططات أمريكا والصهاينة بالفشل.

3 - وعلى الأنظمة العربية الداعمة للمقاومة، أن تعتبر المقاومة خيارها الاستراتيجي، وهذا يوجب عليها إعادة الاعتبار إلى ثقافة المقاومة ونشرها وبناء اقتصادها وفق هذا الخيار الاستراتيجي.

 4 - وعلى الأنظمة والمنظمات في العالم، التي رفعت شعار محاربة قوى الاستكبار وفي مقدمتها الولايات المتحدة،أن تثبت مصداقيتها وتوعز لأتباعها وأنصارها بمقاومة تلك القوى وضرب مصالحها.

إن سينعكس ذلك على الشارع العربي وسيعود الاعتبار لمنطق حرب التحرير الشعبية والبؤر الثورية في كل الساحة العربية، كطريق وحيدة لاستعادة الحق العربي المغتصب، والوحدة الوطنية والنهضة العربية، وللتحرر والحرية والديمقراطية والوحدة، ولفرض السلام العربي، وإفشال كل المشاريع والخرائط التي يرسمها الغير لوطننا العربي.

وأيضا، سينهزم منطق الانهزاميين الذين تساوت عندهم مقولات الواقعية والعقلانية والاعتدال بالقبول باغتصاب الحق العربي وخيار الصفر الاستعماري.