كي نحمي انتصارنا

منير درويش

بعد أكثر من شهر على العدوان "الإسرائيلي" على لبنان والدمار الذي خلفه، كانت النتيجة أن المقاومة خرجت منتصرة وانهزمت "إسرائيل"، تلك حقيقة يعترف بها العالم وعلينا ألا نغفلها. لقد صدر عن مجلس الأمن وبعد شهر من العدوان ومماطلة الولايات المتحدة القرار (1701) الذي يوصي بوقف العمليات الحربية وبغض النظر عن الملاحظات العديدة على القرار المذكور فهو لا يمكن أن يكون إلا صيغة توافقية تلعب القوى الكبرى دورا في صياغته على ضوء مصالحها ومؤيديها ومع ذلك جاء القرار في وقت الحسم، لقد فرضت المقاومة وصمودها مدعومة بفعاليات الشعب اللبناني وشعوب الأمة العربية والإسلامية وقائع على الأرض لم يكن للأطراف في المجلس تجاهلها وكبدت "إسرائيل" خسائر عسكرية ومادية ومعنوية لم تعرفها من قبل. فـ"إسرائيل" التي نظرت لمعاركها مع العرب وكأنها مجرد مناورات عسكرية تجريها لوحدها لم تضع في حسابها أنها ستواجه بمقاومة تصمد في وجهها وتوقف تقدمها وتطال مدنها بل وتضعها في دائرة الخوف والقلق على مصير سكانها وتأثير ذلك على الهجرة إليها أو الهجرة المعاكسة منها أو الدعم المادي الذي كانت تحصل عليه لتبقى قوية، لا بد أنها كانت تتوقع أن تعيد يوم الخامس من حزيران عام 1967 عندما هزمت العرب في معركة حاسمة لم تستمر أكثر من ستة أيام.

لكن هناك حقائق أخرى يعيدنا إليها هذا الصمود والتوقف عندها والتي تجاهلها الإعلام المساند "لإسرائيل" وصدقها العرب وتروج بأن العربي لا يقاتل وأنه خائف ومتردد لكن التاريخ يبين، أن العرب لم يبخلوا في تضحياتهم يوما ولم يقصروا في مواجهة الاعتداءات "الإسرائيلية" والدفاع عن حقوقنا إلا أن الظروف التي أحاطت بهم حولت هذه المواجهات إلى خسائر فادحة أحيانا فمنذ حرب 1948 خاضت الجيوش العربية ومعها جيش من المتطوعين في المقاومة معارك بطولية ضد العدو الصهيوني وقدموا تضحيات هامة لا يمكن إغفالها.

وإذا كانت بعض التحليلات قد أرجعت الخسائر العربية إلى الوعي الفكري والسياسي والتأخر الإيديولوجي وبعضها وصفهم بأنهم أهل خيمة لا أصحاب أرض وأوطان إلا أنها تتجاهل البون الشاسع بين تضحيات هذه الشعوب وموقف الأنظمة التي عملت لمصلحتها على حساب مصلحة الأمة. لقد دخلت الجيوش العربية ومعها أفواج من المقاومة الوطنية من مختلف الدول العربية حرب 1948 دون تهيئة وتدريب، وكانت الأنظمة تنظر إلى هذه الحرب إما من زاوية رفع العطب كي لا تتهم بالتخاذل أو لتحقيق مكاسب سياسية ومالية، ومع ذلك لا أحد يتجاهل الصمود والتضحيات التي قدمتها هذه الجيوش ومعها المقاومة خلال تلك المعارك، صمود الجيش المصري والسوري والأردني، رغم طبيعة الأسلحة والتوجهات السياسية، ولا أحد يتجاهل مقاومة الشعب المصري بقيادة عبد الناصر، وتضحياته وانتصاره السياسي والعسكري ضد العدوان الثلاثي وهو لم يكن قد استرد أنفاسه بعد معركة فلسطين وإسقاط السلطة الملكية، وخوضه معركة الاستقلال وتأميم القناة، أو تضحيات الشعب الجزائري من أجل استقلاله بعد 130 عاما على الاستعمار وتقديمه مليون شهيد في هذه المعركة. كما لا يمكن تجاهل بطولات الجيوش في مصر وسورية في حرب تشرين عام 1973 التي اخترقت تحصينات العدو في خط بارليف والجولان ببطولات نادرة وأجبرت الأنظمة على وضع طاقات الأمة لصالح المعركة، وكادت أن تحقق إزالة ظافرة للآثار عدوان حزيران 1967 لولا الدور الذي لعبته الإدارة الأمريكية في الأمم المتحدة بإصدارها قرار وقف الحرب في أيامها الأولى على غير ما فعلت خلال العدوان الأخير على لبنان، وعسكريا عبر أكبر جسر جوي لنقل أحدث ما في ترسانتها من أسلحة إلى "إسرائيل"، و دور السادات في اللعب على نتائج هذه الحرب وتحويلها من حرب تحرير إلى حرب تحريك، وإخضاعها للمساومات الدبلوماسية.

كما لا ننكر صمود أهلنا في الجولان المحتل الذين رفضوا الهوية "الإسرائيلية" وتمسكوا بهويتهم الوطنية رغم كل الضغوط والإرهاب الذي مورس عليهم. ولا أحد يتجاهل الدور البطولي للمقاومة الفلسطينية واللبنانية عام 1982 في مواجهة العدوان "الإسرائيلي" في بيروت والجنوب والتي خرج منها مهزوما ومذعورا، ثم انتفاضة الشعب الفلسطيني الباسلة والمستمرة منذ عام 1987 والتي تواجه العدوانية "الإسرائيلية" بصدورها وإرادتها. لقد واجه الشعب في العراق الحصار الأمريكي الظالم عليه منذ عام 1991 بإرادة صلبة، لم يشتكي أو يتذمر وهو يواجه الآن بمقاومته الباسلة وبطولاته النادرة أقوى الجيوش في العالم وأضخم ترسانة من الأسلحة، وفوق كل ذلك لقد رفض الشعب العربي في كل أقطاره تطبيع العلاقات مع العدو ولم تستطيع الولايات المتحدة و"إسرائيل" أو النظام الرسمي العربي فرض هذا التطبيع رغم مرور عقود من الزمن على قيام "إسرائيل" واتفاقيات التسوية.

نحن لا نتنكر للخسائر والانكسارات بل والهزائم التي منيت بها امتنا في هذه المواجهات سياسية كانت أم عسكرية ومادية، لكنها بقيت متمسكة بإرادة المقاومة التي توجهتا المواجهة البطولية الأخيرة مع العدو. وتجسدت هذه الإرادة في الثقافة والأدب والفنون التي أنتجتها هذه المواجهات لكنه في الجانب الآخر كانت بعض من ثقافتنا وإعلامنا وسياساتنا تزرع فينا روح الهزيمة تحت حجة الواقعية بدلا من روح المقاومة وثقافة المقاومة.

إن عرض هذه الوقائع والعودة إليها الآن يجعلنا نفخر بأمتنا وبطولاتها، وإذا كانت بعض التحليلات المتداولة ترى أن الولايات المتحدة عندما رفضت وقف العدوان في أسبوعه الأول وبقيت مستمرة على هذا الرفض حتى الأخير وهي تشهد الخسائر التي مني بها الجيش "الإسرائيلي" عسكريا ومعنويا بعد أن فشل في تحقيق أهدافه رغم الدمار والانتقام البشع الذي خلفه، إنما كانت تريد تحجيم القوة "الإسرائيلية" في المنطقة بعد أن أصبح دورها هامشيا مع موجود القوات الأمريكية على أرض الواقع وبشكل مباشر. هذه التحليلات تبدو ساذجة في ظل العلاقة التاريخية التي ربطت بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة و"إسرائيل" بسبب آليات ضغط "اللوبي اليهودي" التي تمارس على هذه الإدارات والمستندة إلى المصالح المتبادلة، دعم "إسرائيل" مقابل المصلحة الخاصة أو مصلحة الحزب، حتى لو تعارضت أحيانا مع المصلحة العامة للولايات المتحدة، ولكن لهذا الموقف احتمالات يمكن أن تدخل في الحسبان منها مثلا، أن "الشرق الأوسط الجديد" الذي تبنته الإدارة الأمريكية للمرة الثانية بعد "الشرق الأوسط الكبير" يبدو حتى الآن مجرد حزورة كما وصفه أحد المحللين لانعدامه إلى أفق جغرافي وسياسي أو اقتصادي معين، وأن هذا الشرق وفق المنظور الأمريكي لن يبرق له أمل إلا في ظل موازين متعادلة للقوى في المنطقة بعد أن جربت وسائل القوة. علينا ألا نخفي امتعاض الرؤساء الأمريكيين الذين دخلوا البيت الأبيض وساندوا بلا حدود المصالح "الإسرائيلية" تحت الضغط الصهيوني لكنهم أبدوا استياءهم من هذا الضغط بعد أن خرجوا من الرئاسة وعبروا عن شعورهم هذا في سلسلة المذكرات التي كتبها بعضهم وتحدثوا فيها عن حجم هذا الضغط وهذه ازدواجية غير محمودة أو مبررة بالطبع لأن مثل هذه المواقف إذا كانت قد خدمت مصالح هؤلاء ومن يحيط بهم فقد أضرت بمصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد وهذا ما يبدو الآن في علاقاتها المتوترة مع بقية شعوب العالم وهي التي تطرح على المواطن الأمريكي سؤالا يتردد في أوساطه وهو (لماذا يكرهوننا)؟

وإذا كانت بعض التحليلات أيضا ترى في إطالة العدوان محاولة لجر إيران إليها بهدف النيل منها كما فعلت مع العراق فإن المأزق الذي تعيشه قوات الاحتلال والمقاومة التي تلقاها في العراق الذي لا يتجاوز عدد سكانه العرب 20 مليون وهي تحاول مع إيران إيجاد مخرج لها من هذا المأزق في هذا البلد سيكون كارثيا بالنسبة لها فيما لو تورطت مع الشعب الإيراني الذي يزيد تعداده عن 70 مليون نسمة ويسير خلف قيادته إذا تعرض لمثل هذا العدوان، لذلك فإن مقاومة الاحتلال في العراق وانخراط جميع الفئات فيها هي مصلحة تهم جميع أبناء المنطقة.

لقد خلق العدوان الأخير مأزقا كبيرا لكل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" بسبب صمود المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة "حزب الله"، لكن إدارة المعركة السياسية بعد الحرب أصعب من إدارة المعركة العسكرية والمحافظة على الانتصار أصعب من تحقيقه وسينظر الأعداء لهذا الانتصار بكثير من الريبة والقلق ويعملون عل إجهاض نتائجه وزعزعة الثقة بين إطرافه كلما استطاعوا ذلك لذلك لا بد أن يكون لدينا مشروعا سياسيا وثقافيا واجتماعيا يربط بين هذه الأطراف ويعزز صمودها، علينا أولا أن نثق بطاقات أمتنا وإمكانيات شعبنا، وكي نحافظ عل المكاسب التي تحققت بحيث يصبح العدوان على لبنان آخر الحروب التي تتجرأ أن تشنها إسرائيل على العرب أو يمكن القول أن العرب يمكن لهم أن يصبحوا في مواقع تمكنهم من بناء قوتهم الذاتية بعد أن تحرروا من عقدة الخوف واختبروا من جديد قدراتهم وأصبحوا يملكون زمام الإرادة في تحرير أرضهم وبناء مستقبلهم.

وكي نغلق جميع الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها العدو بتأثيره على تماسك الجبهة الداخلية التي كانت من ابرز عوامل الصمود وأن لا تتحول هذه المكاسب إلى وسائل لتحريك أوضاعا سياسية عالقة، لا بد من وجود تيار فكري سياسي قادر على الربط بين جميع مكونات الأمة دينية كانت أم طائفية أو عرقية، ويعتبر التيار القومي العربي بعد إعادة تقويمه وصياغته على أسس ديمقراطية وإنسانية التيار المناسب لمثل هذا الربط إذ أنه العقدة التي تجمع كل المكونات والألوان في طيف واحد تتحاور وتتجاذب وتتفاعل في داخله ولكنها لا تتقاتل، فهو الوحيد القادر على تجاوز كل الخلافات الفكرية والمذهبية، وهو الذي يمكن أن يحقق الانسجام والتفاعل بين الديانات والطوائف على أرض الوطن العربي دون المساس بحقيقة أن الحضارة العربية الإسلامية التي ساهم جميع أفراد الأمة في بنائها هي المحور الرئيس في توجه هذا التيار، ويمكن أن نذكر في هذا الخصوص أن البرنامج النظري الذي صاغته لجنة قومية باسم المشروع النظري للتيار القومي العربي في أوائل عام 2006 يشكل أساسا مناسبا يمكن أن يؤطر ألوان التيار القومي ويبعثه من جديد بعدما أصابه من انتكاسات على يد التجارب المحققة ليصبح تيارا منافسا على الساحة السياسية العربية، إن تفاعل المقاومة الوطنية القومية والإسلامية سيشكل عامل قوة قادرة على لعب دور كبير في مستقبل الأمة، كما أن التجمعات القومية، المؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي – الإسلامي ومؤتمر الأحزاب العربية والمؤسسات المدنية والتيارات القومية مدعوة الآن لتلعب دورا متميزا في المرحلة القادمة للحفاظ على هذا النصر وذلك على صعيد تجديد الوعي نحو ثقافة المقاومة وتعزيز روح المقاومة وتأطير هذه الثقافة كي لا تسقط أسيرة السياسات العربية المترددة، علينا أن ندرك أنه لولا الوضع الديمقراطي الذي تميز به لبنان لما استطاع أن يصبح بلد الصمود ضد العدوان ومشاريعه. ولما استطاعت المقاومة أن تنمو وتترعرع فيه منذ عام 1982 عندما انطلقت مجموعاتها الأولى لمواجهة احتلال الجنوب وبيروت وتكللت بالتحرير رغم التركيبة المجتمعية اللبنانية التي لم يختلف أغلبها على حق المقاومة، وهذه تجربة يجب على الشعوب العربية أن تضعها في حسابها وهي تبني مشروعها التحرري كما أن الجاليات العربية والإسلامية المنتشرة في العالم وخاصة في الولايات المتحدة والتي يفوق عددها وتماسكها الجالية اليهودية لكنها بحاجة لأن تعطي قضايا الوطن والأمة الأهمية التي تستحقها، يجب أن تصبح أكثر فاعلية في هذا المجال.

لقلد وقفت شعوب العالم برمتها ضد العدوان "الإسرائيلي" وهي تشهد على همجيته ووحشيته متجاوزة مواقف حكوماتها علينا أن نستثمر هذه المواقف لصالحنا بكل ما نستطيع، إن فلسفة التاريخ تثبت أنها مع الشعوب القوية التي تدافع عن مصالحها وقد اسقط صمود لبنان ومقاومته مقولة نخبته (قوة لبنان في ضعفه) وبرزت مكانها مقولة (إن قوة لبنان في مقاومته).