فلنقرأ جيدا ما جرى....

وإلا.. فإلى دورات محو الأمية السياسية

معن بشور – لبنان

16/8/2006

غالب الظن أن المرحلة التي بدأت مع الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 نيسان 2003 قد انتهت مع الانتصار اللبناني في 14 آب 2006.

لقد أرادت واشنطن، ومعها حلفاؤها وأدواتها، من خلال احتلال العراق أن تدخل المنطقة العربية والإسلامية بأسرها في العصر الإمبراطوري الأمريكي، حيث لا قرار إلا القرار الأمريكي، ولا سيد إلا السيد الأمريكي، ولا نفوذ إلا النفوذ الأمريكي، وبالطبع حين نتحدث عن السياسة الأمريكية فأن العدو الصهيوني هو في القلب منها توجيها وتأثيراً.

ولم يكن الجنود الأمريكيون، ومعهم أدواتهم والمتعاونون معهم، هم وحدهم حماة هذا العصر الإمبراطوري الأمريكي ومشروعه "الشرق أوسطي الكبير"، بل كانت هناك منظومات سياسية وفكرية وثقافية وتربوبة وإعلامية واقتصادية على امتداد المنطقة تتناغم مع هذا المشروع تروج له، وتهاجم مقاوميه، "تشيطن" أعداءه (أي تصورهم كشياطين)، مستخدمة دون شك شعارات "براقة كالحرية" و "حقوق الإنسان" ومستفيدة إلى ابعد الحدود من نقمة الجماهير على واقع القهر والفقر والعوز الذي تعيشه، ومن حلف الاستبداد والفساد الذي يمسك بخناقها.

وظن كثيرون أن هذا "الواقع الأمريكي" الجديد بات قدراُ لا يمكن مواجهته، وان مواقع المقاومة والممانعة في الأمة من كابول إلى طهران وبغداد ودمشق وبيروت وصولا إلى فلسطين، ستسقط تباعاً إذ لا مكان لهذه المواقع في ظل النظام الأمريكي العالمي الجديد... وبالتالي بدأ كثيرون يتكيفون مع هذا الواقع، ويهاجمون من يرفض أن "يتكيف".

لكن الرياح لم تجر كما تشتهي سفن واشنطن وتل أبيب ومن لف لفهما، فالمقاومة بدأت من حيث بدأ هؤلاء في مشروعهما للسيطرة، فلم تربك المقاومة العراقية الاحتلال الأمريكي وحده، بل أربكت مشروعه في المنطقة كلها ، وأربكت خصوصاً دعاويه "الفكرية والسياسية" حين سقطت شعاراته في الحرية وحقوق الإنسان في وحول المجازر المتنقلة على امتداد العراق، وفي مستنقع معسكرات التعذيب الوحشي وأقبيته في أبي غريب وملاجئ الداخلية وغيرها وغيرها..

حاول أصحاب هذا المشروع "استنهاضه" بقوة دفع أخرى من خلال القرار الدولي 1559 في مثل هذه الأيام قبل عامين، والذي قال عنه أغلبية اللبنانيون يومذاك أنه مشروع فتنة ستراق على جانبيه دماء كثيرة، فالقرار "عنوانه" لبنان ومقاومته، لكن "مفاعيله" تشمل أيضاً الفلسطينيين وحقهم في الدفاع عن أنفسهم وفي النضال من أجل العودة إلى بلادهم، وتشمل أيضاً سوريا التي تجرأ رئيسها على رفض الإذعان لقائمة المطالب التي قدمها إليها في أيار/مايو 2003 وزير خارجية أمريكا كولن باول ممثل الإدارة الأمريكية التي ظنت أنه إذا سقطت بغداد بالحرب والعدوان، فدمشق ستسقط بالسياسة والتهديد.

ولما اكتشف "السيد" الأمريكي أن لبنان استوعب الصدمة الأولى الناجمة عن مفاعيل 1559، وان اللبنانيين ذكروا بان هناك قرارات دولية لم ينفذها العدو الصهيوني، جاء زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليعطي الصدمة الأولى دفعة جديدة، وجرى ما جرى من انسحاب للقوات السورية ومن محاولة الانتقال بلبنان من موقع إلى أخر حيث ظن كثيرون أن عهد "القناصل" و"المندوبين الساميين" قد عاد إلى لبنان.

ورغم بشاعة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وبشاعة استغلالها فيما بعد للانحطاط بالخطاب السياسي إلى أدنى المستويات، نجح الوطنيون اللبنانيون وفي مقدمهم "سيد المقاومة" في استيعاب الصدمة الجديدة، وفي محاصرة أجواء الفتنة المصاحبة لها، والتي لم يخف أصحابها رغبتهم أو مخططهم لكي يصبح لبنان عراقاً ثانياً، تغطي أحداثه الدامية الفشل الأمريكي في العراق، وتستكمل "فتنته" المذهبية" تلك "الفتنة" التي يسهر المحتل على رعايتها وتغذيتها في بلاد الرافدين، بل تشكل آلام مخاضه "ولادة شرق أوسط جديد"، بعد أن شكل احتلال بغداد مناسبة لإعلان "الشرق الأوسط الكبير".

وإلى جانب خط الهجوم على العراق ولبنان وسوريا، كان يجري خط هجوم مواز في فلسطين أيضاً فجرى أولاً "التخلص" من رئيسها ورمز نضالها أبي عمار، كما وعد شارون حين أعاد اجتياح مدن الضفة الغربية وحاصر الرئيس الفلسطيني في المقاطعة في ربيع 2002 وبعد ساعات من إعلان المبادرة العربية في قمة بيروت.

لم تختلف عناوين ذاك الهجوم في فلسطين، عن بقية دول المنطقة، فالاحتلال هناك أيضاً يغذي الفتنة، والفتنة مهمتها أن تطيل أمد الاحتلال، أما الانتفاضة والمقاومة فلا مكان لهما في ظل المشاريع الهادفة إلى تصفية قضية فلسطين.

ولكن الشعب الفلسطيني العظيم استوعب الهجوم الجديد، فحول "الورقة الديمقراطية" من شعار أمريكي بوجه المقاومة إلى آليات تشرع نهجها وخطها، واسقط ورقة الاقتتال عبر التمسك بالوحدة وصونها بالحكمة، وانتقل عبر عملية "الوهم المتبدد" المجيدة في قطاع غزة إلى الهجوم الاستراتيجي فيما ظن كثيرون انه يعيش حالات من الانكفاء والتراجع.

هنا أدرك أصحاب المخطط الصهيو – أمريكي أنه في وجه المقاومة، المتمردة والمتنامية على موازين القوى الحالي في المنطقة، لا بد من استخدام المزيد من القوة في فلسطين، وإشعال الحرب في لبنان، وكان شهر تموز بأكمله (مع أيام من حزيران وأخرى من آب) شاهدا على تلك العربدة الصهيونية في غزة ولبنان التي كان "نجاحها" الوحيد إضافة كمية جديدة من المجازر في سجلها الإرهابي، وإضافة أعداد كبيرة من الشهداء في "انجازاتها" الإجرامية.

وجاء الانتصار اللبناني المدويّ ليفتح صفحة جديدة في الصراع... نأمل أن يقرأها الجميع بدقة...

فلا املاءات أمريكية بعد اليوم... ولا اشتراطات صهيونية بعد اليوم... فلقد دخلنا عصر الشعب المؤمن المقاوم المقتدر... الذي سيصنع النصر في بغداد بسلاحي الوحدة والمقاومة، وفي فلسطين بالسلاحين معا، وفي لبنان سيصون الشعب نصره ويطوره بالوحدة والمقاومة جناحي كل انتصار.

ومن لم يقرأ هذه الحقائق الجديدة.. وهذه المتغيرات الجديدة التي تلف العالم كله من أمريكا اللاتينية، حيث شافيز ومواقفه الرائعة، إلى أقاصي آسيا حيث طوت واشنطن تهديداتها ضد كوريا الشمالية، بل من داخل المجتمع الأمريكي إلى عمق الوجدان الأوروبي، يحتاج مع الأسف، إلى الالتحاق بإحدى دورات محو الأمية السياسية.