البحيرات الثلاث التي حركت المقاومة اللبنانية مياهها الراكدة

معن بشور - لبنان

بين الانجازات الميدانية والسياسية والإعلامية المتعددة التي نجح المقاومون اللبنانيون في تحقيقها انجاز لم تسلّط الأضواء عليه رغم انه يتكرر أمامنا في مشاهد تلفزيونية كل يوم.

فهذا الانجاز هو قدرة هذه المقاومة على تحريك المياه الراكدة في بحيرات ثلاث كادت تتحول إلى مستنقعات آسنة تتحرك فيها كل أنواع الجراثيم.

البحيرة الأولى هي البحيرة العربية حيث كنا نواجه قبل الأسابيع الثلاثة الماضية بأسئلة من نوع: أين عروبتكم هذه؟ أين جماهير أمتكم التي تخاطبونها أو تخطبون فيها؟ أين القومية العربية التي كنتم تتغنون بها؟ أين رجالها، أين رموزها، أين أحزابها وحركاتها؟.

ولقد كتبت مقالات، وصدرت كتب، وخرجت أبحاث ودراسات في بلادنا وفي مراكز الأبحاث الأمريكية خصوصاً والغربية عموماً، تنعي العروبة، وتعلن موت القومية العربية، بعد كل نكسة أو نكبة تحل بالعرب، إلى درجة أنني تساءلت في إحدى المحاضرات: إذا كانت العروبة قد ماتت بالفعل، فلماذا هذا الإصرار الموسمي (كل عقد على الأقل) على نعيها.

بعد صمود المقاومة في لبنان و"مفاجأتها" المتواصلة التي أذهلت الصديق قبل العدو، حصل ما يشبه النهوض الجماهيري على امتداد الأمة العربية، من موريتانيا إلى عمان، تهتف للبنان ومقاومته، و"لحزب الله" ولقائده، فيما وقفت الدوائر الصهيونية والأمريكية، وربما الرسمية العربية، التي خططت للحرب مذهولة أمام هذه الحماسة العربية لحزب ظنوا انه بسبب علاقته "بالفرس" بات معزولاً بين العرب، خاصة بعد الملاحظات المعروفة على الدور الايراني في العراق.

فهذه الهبّة الشعبية العربية هي تأكيد على عروبة الأمة وعلى وحدة نضالها، بل مؤشر على سلامة البوصلة القومية التي توجه الأمة، فتميّز بين التناقض الرئيسي وبين التعارضات الثانوية والهامشية، فتخضعها هذه دائماً لصالح التفرغ لمواجهة العدو الرئيسي للأمة.

ولم تكن مجرد صدفة أن ترتفع بين ملايين المتظاهرين في مصر واليمن ولبنان والبحرين وتونس وغيرها صور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، فمشاعر الأمة إزاء العدوان الثلاثي على مصر قبل نصف قرن ما زالت هي ذاتها المشاعر إزاء العدوان الثلاثي – وربما أكثر – ضد لبنان.

ويذكر المؤرخون المعاصرون أن جريدة "اللوموند" الفرنسية، كتبت يوم تأميم قناة السويس في مثل هذه الأيام قبل خمسين عاماً أنه إذا أردت أن تعرف "حدود القومية العربية" فما عليك سوى أن ترى خارطة الطريق التي تجاوبت مع دعوة "مؤتمر التضامن القومي" إلى الإضراب التضامني العام مع مصر، ويومها للتذكير كان رئيس مؤتمر التضامن يومها الزعيم اللبناني الراحل حميد فرنجية.

ويكفي اليوم أن تتجول في شوارع عواصم الوطن العربي ومدنها وقراها حين يعلن عن بث كلمة للسيد حسن نصر الله، لتجدها خالية من المارة تقريباً، ولتجد الجموع مسمّرة أمام شاشات التلفزة، تماماً كما كانت تتجمع قبل نصف قرن لتستمع إلى خطب جمال عبد الناصر.

لقد حرك صمود لبنان المياه في البحيرة العربية الراكدة والتي كانت مليئة بجراثيم التفتت الاقليمي والكياني والطائفي والعرقي والمذهبي الناخرة في الجسم العربي، وبدا ان شلال الدماء المنهمر اليوم في لبنان كفيل بتطهير هذه البحيرة وإعادتها إلى صفائها ونقائها وبهائها.

أما البحيرة الثانية فهي البحيرة الإسلامية التي يشكل العرب طبعاً جزءاً رئيسياً منها، فقد نجح الصمود اللبناني أيضاً في تخليصها من سموم العصبيات الطائفية المذهبيات و"الفرقية" التي عملت واشنطن، باقتراحات صهيونية، وبجهود رسمية عربية وإسلامية، على تغذيتها وشحنها بكل أنواع "المقويات" الفتنوية الواسعة الانتشار هذه الأيام عبر وسائل إعلام وأجهزة مخابرات وفتاوى سلطانية.

فالفتنة بين السنة والشيعة هي البند الأول في جدول أعمال أعداء الأمة، وقد وصلت ذروة نجاح خطة التفتيت هذه في العراق حيث بدأت التقارير تكشف عن دور مباشر لمخابرات الاحتلال وأعوانه في تغذيتها والتخطيط لها، وتجنيد العناصر المنفذة لها.

لقد ظن العاملون في "مطبخ العدوان" أن الأمور بين السنة والشيعة قد وصلت إلى درجة من السوء تسمح لهم باستفراد "حزب الله" "الشيعي" وعزله عن جماهير الأكثرية الإسلامية التي تنتمي إلى "أهل السنة".

وإذ بهم يفاجأون مرة أخرى، فيجدون المسيرات تتحرك في كل ديار الإسلام من اندونيسيا والفيليبين إلى غرب أفريقيا، ويرون صور السيد حسن نصر الله ترفع في باحة مسجد الأزهر، ويستمعون إلى مرجعيات إسلامية من الوزن الثقيل، ومن كل التيارات الإسلامية، المعتدل منها والمتطرف، تقول كلاماً واضحاً وحاسماً في دعم "حزب الله" وقائده، وفي رفض كل دعوى "فتنوية" تدعو إلى الإيقاع بين المسلمين.

لا بل أن الإدارة الأمريكية التي كانت تتطلع لان ترى "الحرب المذهبية" داخل العراق تنتقل إلى لبنان وسائر العالم الإسلامي، وجدت أن المعركة الدائرة في لبنان، وهي امتداد لمعركة مماثلة في فلسطين، باتت تسهم في تعزيز الوحدة داخل العراق ذاته حيث رأينا مسيرات مليونية يقودها التيار الصدري ضد العدوان الصهيوني والدعم الأمريكي له، فيما مساجد الفلوجة ومثيلاتها في العراق كانت تدعو للمجاهدين في لبنان، ويصدر حزب مطارد كالبعث بياناً صريحاً يدعم فيه "حزب الله" رغم كل الخلافات السابقة، ووجدنا هيئة علماء المسلمين والتيار القومي العربي ومعها فصائل المقاومة الإسلامية تعلن مواقف واضحة وحاسمة إلى جانب المقاومة منذ اليوم الأول لهذه الحرب.

ولقد علّق مراقب ثاقب على هذه الظاهرة بالقول: لقد أمضت الحكومة البريطانية والإدارة الأمريكية عقوداً طويلة، وتحديداً منذ بداية القرن الماضي، في العزف على وتر الصراع بين السنة والشيعة، وقد ظن خبراء الدولتين أنهم قد نجحوا في مخططاتهم مع وصول جيوشهم الى بغداد، غير ان غباء اولمرت وبوش في لبنان قد اسقط خلال اسابيع مخططات الفتنة المذهبية هذه وأكد على وحدة المسلمين.

ولا شك ان استهداف المقاومة الفلسطينية وفي مقدمها "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في الوقت ذاته الذي تم فيه استهداف المقاومة اللبنانية و"حزب الله"، قد لعب دوراً بارزاً في التأكيد لكل عربي ولكل مسلمي العالم أن الصهاينة وحلفاءهم لا يستهدفون مذهباً معيناً أو فريقاً دون غيره بل يستهدف الأمة جمعاء من خلال استهدافهم للبنان وفلسطين.

بقيت البحيرة الثالثة، وهي البحيرة العالمية التي أصابها الركود منذ إحساس العديد من القوى المعادية للهيمنة الاستعمارية بالإحباط بعد فشلها مع منع الحرب على العراق واحتلاله فيما بعد.

إذا أضفنا إلى هذا الإحباط النفوذ الصهيوني الهائل في التأثير عبر وسائل الإعلام الكبرى الخاضعة لهذا النفوذ، وعبر الانتشار الواسع لعناصر الحركة الصهيونية في العديد من الأحزاب والحركات الرئيسية في بلدان الغرب والقادرة دوماً على استغلال "عقدة الذنب" الناجمة عن جرائم هتلر النازي ضد اليهود لتصوير كل عداء للصهيونية بأنه عداء للسامية، نستطيع أن ندرك صعوبات التحرك الشعبي الغربي ضد كل ما يتصل بإدانة جرائم "اسرائيل" وعدوانها.

وحين نتذكر الحملة العالمية التي تقودها واشنطن ضد ما تسميه "الإرهاب" وهو الاسم الآخر للمقاومة، بل الوجه الآخر للإسلام، والسعي المتواصل "لشيطنة" كل حركات المقاومة لاسيّما "حزب الله" (أي تصويرها كشياطين معادية للإنسانية)، والإجراءات المتصاعدة ضد هذا الحزب، وضد القناة الفضائية التي تعبّر عنه أي فضائية "المنار"، فنستطيع أن نفهم أيضاً مدى التقارب الواسع بين واشنطن وعواصم الاتحاد الأوروبي وفي مقدمها فرنسا وألمانيا بعد أن استسلمت حكوماتهما لواشنطن بعد حرب العراق عام 2003، ناهيك عن بريطانيا صاحبة "وعد بلفور" الشهير وكل تداعياته، والتي يصّر رئيس حكومتها على إبقائها مجرد "ذيل" للوحش الأمريكي الهائم على وجهه في هذا العالم بحثاً عن طريدة جديدة كل يوم.

إذن المسرح العالمي كان جاهزاً لاستقبال هذه الحرب، ولتوفير الغطاء الدولي لها، وهو ما تجلّى خلال الأيام الأولى للعدوان.

ولكن صمود المقاومة الأسطوري، والرد الصهيوني على هذا الصمود بتوسيع نطاق مجازره الدموية بحق اللبنانيين (لاسيّما في مجزرة قانا الثانية، ومجزرة القاع التي أجهزت على العشرات من العماّل الزراعيين السوريين العاملين في توضيب صناديق الخضار والفاكهة للمستهلكين اللبنانيين، والمجازر اليومية المستمرة ضد قرى الجنوب)، حرّك المياه الراكدة في البحيرة العالمية، فتحركت الجموع في شوارع مدريد وباريس وروما وبرلين ناهيك عن مسيرة المليون في لندن، وأظهرت استطلاعات الرأي تراجع شعبية الكيان الصهيوني، بل "وتحميله مسؤولية تعريض امن العالم واستقراره للخطر" وبدأت بعض الحكومات في الانسحاب التدريجي من سياسة الدعم الكامل للعدوان (وهو ما ظهر في اجتماع روما الشهير)، وخرجت تصريحات جريئة من بعض المسؤولين الأوروبيين، وبدا أن لبنان مسيّج بحالة من التعاطف العالمي قلّ نظيره، ولم تستطع تل أبيب ان تحرك مسيرة واحدة في عاصمة أوروبية تحمل شعارات التأييد "لدفاعها عن النفس"، بعد أن عرف عنها تحكمها القوي القديم بالرأي العام العالمي.

في ظل هذا التحرك الشعبي الهادر عربياً وإسلامياً وعالمياً، بات واضحاً عمق التلازم بين العروبة والإسلام والإنسانية، ومدى التلاقي بينهم حول القضايا العادلة، وهو تلازم يتطلب تطويراً عميقاً لآلياته ووسائله وصيغ التعبير عنه وبشكل آخر الارتقاء بخطابنا وممارساتنا إلى المستوى الذي يحمي هذا التلازم ويصونه، فنحرر هذا الخطاب والممارسة من كل شبهة عنصرية أو طائفية أو تعصبية، وهو الأمر الذي نجح في تحقيقه "حزب الله" بخطابه الوحدوي والعقلاني والإنساني وبممارساته الشفافة التي تقوم على احترام القيم والمبادئ الإنسانية، بل احترام العقل بالدرجة الأولى على نحو يلغي أي تناقض مفتعل بين اعتماد العقل وبين الإيمان العميق.