حقاً.. إنه لبنان الكبير فعــلاً..!

محمد ح. الحاج - سورية

في عشرينات القرن الماضي، وبعد أن ورثت دول أوروبا التركة العثمانية، ارتأت فرنسا وطبقاً لمصالحها في المنطقة، وتدعيماً لنفوذها في أوساط محددة أن تعلن عن إقامة دولة لبنان، لاحقاً وبعد سنوات من القرار الأول، قامت السلطة الفرنسية بضم أقضية خمسة من الأراضي السورية للدولة التي أرادتها على جبل لبنان، وأطلقت بعد ذلك تسمية لبنان الكبير على التشكيل النهائي للكيان الجديد.

ليس مهماً مناقشة الخطأ والصواب في هذا العمل، لكنه عمل تفتيتي وتجزيئي لشعب واحد، فلا العرقية مختلفة، ولا المفاهيم مختلفة، ولا اللغة ولا أي من الأقانيم التي تسهم في تكامل الأمة، ومن خلال نظرة سريعة وتدقيق بسيط نجد أن العائلات، ليس على جانبي سوريا الحالية ولبنان، بل على ساحة بلاد الشام كلها، هي منتشرة ومترابطة وتتزاوج وتستمر علاقاتها حتى مع الأجزاء المقتطعة من هذه البلاد والتي جاد بها الفرنسيون على الأتراك، أو جاد بها البريطانيون على العجم، ومع ذلك هناك من يصر في لبنان، أو الأردن على القول أنه يشكل دولة، بل وربما أمة متكاملة رغم مجافاة هذا المنطق للتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع الإنساني، مع ذلك يستمر الوضع تحت ضغوط الدول الكبرى، تحقيقاً لأطماعها في ثروات هذه الأمة ومنعاً لقيامتها التي تضمن وقوفها نداً لأمم أخرى، أغلبها طامع، ويستمر صمت الشعب الواحد في هذه الكيانات ولأسباب أكثرها غير صالح للنقاش في هذه العجالة.

بعد الجلاء الفرنسي عن المنطقة، كما شقيقه البريطاني، قام لبنان على صيغة توافقية مبنية على تقاسم المنافع بين الطوائف، والعائلات السياسية التي دانت بتبعية واضحة لفرنسا باعتبارها الأم التي من رحمها ولد الكيان، واستمر على تلك الحال سنوات طويلة تخللها تجاذبات بين التوجه الوطني القومي - بشقيه السوري والعروبي-، وتوجه مناقض يؤمن بأن ارتباط لبنان الأساس يجب أن يكون بالغرب "المتحضر"، كما طرح هذا الفريق مقولة أن قوة لبنان في ضعفه...! تلك التجاذبات كان بعضها عنيفاً كما في الأعوام 1958 و1975، وتبادل الأطراف الاتهامات، وكل يرمي باللائمة على غيره، وإذ كانت نتيجة أحداث العام 1958 توافق على أن لا غالب ولا مغلوب، فإن أحداث العام 1975 لم تنته ذيولها حتى اليوم حيث انغمست في تفاصيلها دول كثيرة، ومنها غربية – أوروبية، وأمريكا إضافة لكيان العدو الصهيوني إذ كان من أحد مسبباتها التغطية على ما يجري من عمليات لإخراج مصر من معادلة الصراع، وإنهاء المقاومة الفلسطينية، وتحقيق صلح مع الأردن، وتطويع سوريا، وبالتالي تجيير النتائج لمصلحة العدو، ومصالح الغرب، وهذا ما لم يتحقق.

الكيان الصهيوني، وبدفع وتشجيع من حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ولاستعجال تحقيق أهدافه في لبنان والمنطقة قام باجتياحه الأكبر (1982) فوصل إلى عاصمة لبنان، حيث دخلها وأقام فيها حكماً موالياً لم يصمد طويلاً حيث طار رأس هذا الحكم، وانطلقت شرارة المقاومة لتعلن بدء عملية طرد العدو ورموزه، ولم يطل الأمر حتى بدأ الصراخ: لا تطلقوا النار فنحن خارجون..! يومها ابتدأت ولادة لبنان الفعلية.

من صلب المعاناة، ومن نزف الجراح، خرج إلى النور جنين المقاومة، وليداً معافى، لم يطل زمن نضجه وبلوغه، فامتشق حسامه وبدأ يذيق العدو الرابض على أرض جنوبه كل جديد من صنوف الضرب والطعن والمبارزة، ما دفع بهذا العدو الجبان إلى الهرب تحت جنح الظلام، حاملاً معه حقداً يعتمل في صدره أكبر من جبال الجنوب الأبية، فكان ينفث سموم حقده كلما لاحت له سانحة، وكان يتلقى عليها الرد المناسب، هروب العام 2000 كان مشهوداً، وبه تعملق جبار المقاومة، واستحق لبنان أن يقال عنه كبيراً بحق، وليس من باب التفكه والتندر.

دول الغرب المنافقة، الممالئة للعدو الصهيوني لم تشأ أن تتحقق العدالة، وساءها أن ينهزم رمز من الرموز التي عملت على خلقه في المنطقة ليكون الحارس الأمين على مصالحها، والكابح لتوجهات شعب المنطقة الوحدوية، فكانت لعبة الاحتيال اللاأخلاقية، حيث ساهم بعض هذه الدول بخداع المقاومة – خداع لبنان – ولم يتم إطلاق سراح أسرى المقاومة الوطنية اللبنانية، خصوصاً عميد هؤلاء الأسرى سمير القنطار،وزميله البطل يحيى سكاف، وكان وعد قائد المقاومة الذي لم يخش الإعلان عن خطته وتصميمه الكامل على تنفيذ هذه الخطة، ليس تعبيراً عن عدم خشيته لهذا العدو وردود أفعاله فحسب، وإنما تأكيداً على ثقته بالنفس، وثقته بالرجال الذين سيقومون بالتنفيذ، ولكن، ربما لم يأخذ بعض أهل الغرب هذا التصميم على محمل الجدية الكافية، أو أنهم كانوا مخدوعين بقوة الحليف – الصنيعة وقياداته في تل أبيب، ولم ينفع كل ذلك، والنتيجة أن الوعد الصادق تحقق، والجنود الصهاينة أصبحوا في قبضة المقاومة التي أعلنت أنها لا تبغ التصعيد، وإنما تحقيق مبادلة عادلة، تدخل في باب التعامل الإنساني، لكن الصلف والغرور الصهيونيين، لم يتركا باباً للإنسانية لتنفذ منه، فكان الحقد الوحشي والتدمير البالغ القسوة لبنية دولة صغيرة – عملاقة، صغيرة بحجمها، بجيشها، بقدراتها العسكرية، لكنها عملاقة بمقاومتها، بإيمانها، بتصميم قيادة هذه المقاومة، وكان الرد الذي لم يألفه هذا العدو على مدى أكثر من نصف قرن، وبدأ الصراخ يعلو، وتسارعت الأحداث، وإذ لم تكتمل فرحة بوش وبلير وعميلهما أولمرت بتحقيق أي نصر بعد انقضاء أسبوعين، بدأ البحث عن مخرج غير مذل، يستر ماء الوجه، وبدأ الجميع يحثون قادة الجيش لتحقيق ولو نصر شكلي – وهمي، وهذا ما عجزوا عنه، فكان قرار مجلس الأمن الرمادي – المنحاز - الذي يعطي الانطباع بأنه نصر سياسي صهيوني – أمريكي، في حين تجسدت الحقيقة - هزيمة بأجلى صورها، أقـر بها كبار قادة الجيش الصهيوني – الحاليين، والسابقين وعلى رأسهم شاوول موفاز وزير الحرب السابق، نصر أحرزته المقاومة بعد صمود أسطوري دام ثلاثة وثلاثين يوماً، لم يستطع العدو إنجاز ما تعود على إنجازه في أيام معدودة، وفي حين احتل هذا الجيش أراض لثلاث دول مجاورة، وهزم جيوشها، في خمسة أيام، وارتاح في اليوم السادس - ولم يخسر بعضاً مما خسره في يوم واحد من معركة العزة والكرامة على أرض كل لبنان، وليسجل هذا البلد بالدم، بكل التصميم والفخار، أنه الدولة العربية الأعظم – الأقوى - إنه لبنان الكبير.

لبنان الكبير بمقاومته البطولية، وبدعم أمته.

لبنان الكبير بإيمان أبنائه بحقهم في الحياة ووقفة العز التي لا بديل عنها.

لبنان الكبير برئيسه حامل قيم الوطنية التي لا تتزعزع، وبكرامته التي لا يقبل التنازل عنها أمام كل التهديدات والتحديات، وهي مثل وقيم يتحلى بها ضباط الجيش الوطني اللبناني ورتبائه وأفراده الذين لا يمكن الشك، مجرد الشك بوطنيتهم واستعدادهم الدائم للذود عن هذا الوطن الجميل.

لبنان الكبير بإنجازاته، وعلى رأسها تحقيق هذا النصر العظيم، الذي أعاد لأبناء الأمة أمل التحرير بعد أن أشرقت شمسه، وأسقط قناع الخوف والمذلة التي ألبستها لهم قيادات منهم، ومن عالمهم العربي المحيط، لبنان الذي أنجز وجهاً ناصعاً لحقيقة جديدة هي: أن هذا العدو قابل للهزيمة في كل لحظة تتوفر فيها الإرادة والقيادة الصالحة، ولو وقف العالم، كل العالم إلى جانب باطله، وها مقابل أطنانه من القنابل والصواريخ الذكية و..."الغبية الأمريكية" تلقى بضع مئات من الصواريخ تحمل كيلو غرامات من المتفجرات زلزلت أركان عرشه الوهمي، ودفعت بقطعانه إلى الجحور أياماً وليال، وبعضهم لم يتحمل... فبادر إلى المغادرة والفرار بعيداً وهو يردد في سره:... (ألف أم تبكي ولا... أمي).

هنيئاً لبنان الكبير، وهنيئاً قادة مقاومة لبنان، وأفرادها، هنيئاً شعب لبنان الصامد من جنوبه وحتى شماله.... حقاً... هو لبنان الكبير فعلاً.