الضمير الحي، الضمير النائم.. والضمير المأجور..!!!
محمد ح. الحاج - سورية
يتحسس الجسم الحي كل فعل، ويكون له رد فعل، ويتميز الإنسان بأنه كائن حي، وعاقل فوق ذلك، يتحسس الأفعال ويكون له رد فعل عليها يوازيها، أو يزيد عنها، ومركز محاكمة سوية الأفعال عند الإنسان هو الضمير، فإذا كان حياً، - في حالة الإنسان العادي، غير المنحرف – يكون هذا الضمير أشبه بالميزان الذي تتخذ منه المحاكم شعاراً للعدالة، الضمير هو مركز الرقابة بعد أن تنقل له باقي الحواس تفاصيل الفعل، بالصوت والصورة، وكثيراً ما يتمكن الضمير الحي من إصدار الحكم الصحيح ولو افتقد لأحد عنصري الأساس الذي يكمل أحدهما الآخر، فبناء على الصورة، لوحدها، أو الصوت لوحده يمكن لهذا الضمير أن يكون فاعلاً، وهنا يحضرني موقف صديق أصم، لكنه بصير، بعد أن رأى هول المجازر – أو على الأقل الجزء الذي وصل منها إلى بؤرة الضوء وتمكن الناس من رؤيته، فلقد تجاوزت انفعالاته حدود المألوف، لدرجة أن بكاءه بصوت مرتفع استغرق دقائق طويلة، كان خلالها يجمع قبضتيه يضرب بهما ركبتيه، وأحياناً رأسه وهو يتميز غيظاً ويتمتم بتعابير مبهمة تحمل في طياتها كل معاني الحنق والحقد على عدو لا يعرف للشفقة ولا الإنسانية من معنى، كما الذين يدعمون هذا العدو.
عندما أعلنت بعض محطات التلفزة أن الرئيس الفنزويلي شافيز قال باحتمال قطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني بسبب حربه على لبنان وممارسات قواته اللا أخلاقية، هلل الغالبية استحساناً، بعد أن هتفوا له يوم أعلن عن سحب سفيره من تل أبيب، لكنها فرصة مناسبة ليقارنوا بينه وبين قادة عرب لم يجرؤ أي منهم على استدعاء سفير الكيان الصهيوني لإبلاغه احتجاجاً ولو شكليا على ما يقوم به كيانه من انتهاك لسيادة دولة عربية عضو في جامعة عربية (ميتة) وعضو في معاهدة دفاع عربي مشترك (برسم التجميد عملاً باتفاقيات إسطبل داوود)، لكنهم قالوا فقط (أي هؤلاء الأغلبية من شعبنا) إن المسألة... مسألة ضمير، شافيز يمتلك المقدرة على التفاعل مع ضميره الحي، ويعبر عن مشاعر شعبه، إذ أنه، لا شافيز، ولا الشعب الذي وقف إلى جانبه بوجه التآمر الأمريكي المتغطرس يقبل بإعطاء حاسة الضمير إجازة قسرية، أو دواء منوماً، أو أن يؤجر هذا الضمير كما يؤجر البعض مبنى لسفارة، أو يؤجر سفيراً.. حتى، ومقابل الإيجار يسمح للمستأجر بممارسة الدعارة والعهر والتجسس دون حساب لكرامة أو شرف المأجور.
النوم بطبيعة الحال، موت مؤقت، النائم أقرب إلى الميت منه ما عدا أنه يتنفس ويمكن له أن يصحو بعد إشباع حاجته إلى النوم، الضمير النائم، أيضاً أقرب إلى الموت، لكن صحوته صعبة وعزيزة، وقد تكون نادرة، طالما استمر حقن المادة التي تدفعه إلى النوم، ضمائر بعض الحكام العرب نائمة بطريقة تنم عن موت سريري لا أمل باستيقاظها منه، الضمائر إياها تعاني أحد أمرين، إما الإرهاب الخارجي المتسلط عليها كالسيف، وإما الخوف النابع من الداخل لأسباب عديدة، بعضها – وهو الأهم - بسبب عدم ارتكاز هذه الضمائر والشخصيات الحاضنة لها إلى أي سند أو دعم شعبي حقيقي، أو أن دوافع الخوف نابعة من غريزة البقاء والحفاظ على المغانم، ليس البقاء على قيد الحياة، وإنما البقاء على كرسي الحكم، أغلب هذه الكراسي مصنوع في دول الخارج ومزود بعجلات سريعة الحركة، مكابحها بأيد غريبة تهدد بإطلاقها عند أول صحوة للضمير، هذه حال الكثير من الحكام العرب الذين يدركون بالدليل الثابت أن لا قاعدة ارتكاز شعبي لهم، وأن نهاية حياتهم وقف على صحوة ضمائرهم، فإن صحا الضمير انتهت الحياة، ليس بمعناها الحرفي، وإنما بمعناها المجازي، الحياة السياسية، القيادية – الزعامة – حيث يتزحلق الكرسي سريعاً بعد أن يسقطوا عنه، الضمير النائم أكثر أمناً وسلامة لهؤلاء، ولأنه نائم شبه ميت، لا يصدر عن هؤلاء إلا ردود فعل تتسم بالانهزامية والذرائعية والبحث عن مبررات للصمت وتبرير المواقف التي تشي بنوم الضمير أو موته... السريري.
الإيجار والاستئجار مفهومان قائمان منذ الأزل، فمن تأجير الأرض الزراعية إلى المساكن، والمستودعات وغيرها، وينظم هذه العمليات أنواع كثيرة من العقود يحكمها الاجتهاد وتبت في خلافاتها المحاكم المختصة. هل سمع أحدنا بتأجير الضمير..؟ الحقيقة ليس هناك ما هو معلن بهذا الخصوص، لكن بعض الاتفاقات الدولية، خصوصاً بين القوى العظمى، أو من تظله تحت جناحيها، وبين قوى من عالمنا الثالث المتخلف تخرج عن المألوف، وتجافي المنطق، من مثل ذلك أن مثل هذه الاتفاقيات ما هو قائم بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، ففي المجال التمثيلي – الدبلوماسي، أو القنصلي لا تستطيع أي من هذه الدول اتخاذ قرار بتخفيض هذا التمثيل، أو تجميده، مثل عملية سحب السفراء إلا بموافقة مسبقة وبالتنسيق مع جهات أخرى ترعى الكيان الصهيوني وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وفي حين سارع أصحاب الضمير الحي، إلى اتخاذ إجراء متعارف عليه (سحب السفراء)، احتجاجاً على الممارسات الصهيونية، وصحا ضمير بعض النيام، ليستهجن، أو يدين، أو يرفض الممارسات الصهيونية، لم يستطع أصحاب الضمائر المرتهنة - إيجاراً – أن يستدعوا سفير الكيان الصهيوني - هو مندوب سام بطبيعة الحال - لإبلاغه احتجاجاً شديد اللهجة، أو التهديد بتجميد العلاقات الدبلوماسية، لا قطعها، على الأقل، ولأن حاسة الضمير المستأجر يمكن أن تتكيف حسب طلب المستأجر، أو الذي قام بعملية الرهن، فقد أنحى هؤلاء باللائمة على الطرف المستضعف، صاحب الحق، تحت ذريعة الوقت غير المناسب، أو "المغامرة" وكأن العملية السلمية تسير في طريقها الصحيح وأن أصحاب الحقوق قاب قوسين أو أدنى من استرجاع حقوقهم..! أو أن العدو يحترم القرارات الدولية وأن الأرض المحتلة ستعود غداً..!! - الحقيقة أن مطلب استمرار الصمت لا يعطي أكثر من انطباع وحيد بضرورة مضي الوقت، حيث يموت جيل الكبار، وينسى البعض، وتنقرض المطالبة لانعدام ارتباط الجيل الجديد بالأرض بسبب إبعاده عنها، والكثير من السلوكيات التي تصب في هذا المجرى يمارسها الساسة والحكام على أمل أن تتكرم صاحبة الكلمة الفصل والتي أعطوا لها 99,99 % من أوراق اللعبة، بحل يفرج كربتهم، وأما من يبادر خارج المخطط الموضوع فهو المغامر، وهو "المخرب" وفي القاموس الجديد "إرهابي" ولا ندري أي مصطلح جديد في قاموس الإمبراطورية الأمريكو – صهيونية يمكن أن تطلقه على الجماعات أو الشعوب التي ترفض عصر الهيمنة والإذلال والإخضاع ووجود الاحتلال والقواعد.
أصحاب الضمائر المستأجرة – المرتهنة، لا يستطيعون فكاكاً، ولا نقض العقود التي أبرموها مع الطرف الآخر، فالقضية ليست تأجير عقار يمكن أن تنظر في أمر الخلاف حوله محكمة مختصة، حتى ولو كانت دولية، الحكم تم إبرامه منذ لحظة توقيع العقد إذ أن النكول يعني وضع نهاية قد لا تكون سارة للطرف الأول صاحب المأجور، وقد تكون مرعبة، تضع حداً لوجوده، نهائياً، إذاً ما الذي ننتظره من أصحاب الضمائر المرتهنة – المأجورة... تعرفونهم بالتأكيد.
إذا كنا قد تحدثنا عن أنواع ثلاثة من الضمائر، أوليس هناك فئة تعيش بلا ضمير بالمطلق بحيث لا تشارك في المراقبة، أو المحاكمة، أو إصدار أحكام في مثل مواضيع خرق حقوق الإنسان، أو ارتكاب جرائم بحق الإنسانية.. أو جرائم حرب ؟؟ - بلى، إنها حكومة الظل العالمية غير المنظورة، غير المكشوفة، وجهها الصهيوني فقط هو الذي يعرفه العالم بكل بشاعته، (بوش وبلير النموذج الأكثر وضوحاً) ولطالما آمنت هذه الحكومة العالمية بتفوقها من حيث الخلق، والاستئثار بالإله، وانعدام إنسانية الصنوف الأخرى من البشر، فإنها لا تملك أي ضمير تجاه هؤلاء، ليس لدى الصهيونية ما يؤرقها تجاه آلاف الجثث البريئة تحت الأنقاض، سواء كان هؤلاء من الأطفال – وهم الأغلبية بطبيعة الحال – أو من النساء والشيوخ، الأهم أن لا يبقى من بناء أو مرفق قائم، فالصهيونية تكره أن يكون " لأشباه البشر، من وجهة نظر ابن ميمون" - أي مأوى، أو ملك، أو حتى شجر، وهذه ثقافة متداولة ومعروفة، فكيف بنا نطالب بأن يكون لمثل هكذا منظومة، ضمير أو أخلاق، وكلاهما مفقود لا يمكن المحاسبة على انعدام وجوده طالما افتقر العالم إلى الوسيلة الرادعة، أو الأداة القادرة على المحاسبة، بوجود دولة وحيدة القرن تملك وحدها حق النقض الــ (فيتو) حيث يضيع الميزان، وتسقط العدالة، ويصبح من الضروري العودة لاستذكار بيت مأثور لشاعر أدرك الحقيقة قبل زمن بعيد مع بعض التعديل:
قتل امرئ "متوحش" في غابة جريمة لا تغتفر / وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر.
يسجل التاريخ اليوم صفحة ناصعة لما تحققه بطولات المقاومة الوطنية من نصر يتكفل بإيقاظ الروح الوطنية والقومية في الأمة الراقدة، كما يسجل صفحات بيضاء أخرى لأبناء الأمة في تعاضدهم، وتكاتفهم، وتلاحمهم في إسناد ودعم هذه المقاومة، يقابل ذلك صفحات سوداء لمواقف التخاذل، والتردد، بل يسجل مسارعة البعض لدعم العدو وتحريضه على المتابعة، والتعهد له بالتعويض عن خسائره فيما لو أنجز "هزيمة " المقاومة والأفضل أن يبيدها كلياً...! هل من عاقل يصدق هذا الأمر... نعم، صدقوه فقد اعترف به العدو بنفسه.