قراءة أولية لنتائج انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية

سعد داود قرياقوس

في تجربة المقاومة الوطنية اللبنانية وصمودها البطولي، وما حققته من انتصار كبير على قوات العدو الصهيوني الكثير من العناصر الايجابية التي لا يمكن إلا الإشادة بها وتقييمها بشكل يتناسب مع سخاء المقاومين وشجاعتهم.

أهم معطيات هذه التجربة تكمن في أنها أضافت إلى انتصارات رجال المقاومة العراقية انتصارا عربيا جديدا، وعضدت صمود شعبنا في فلسطين، أنها وبكل بساطة قدمت للأمة العربية الضلع الثالث لمثلث المقاومة العربية، وخلقت مناخا يمكن استثماره لقيام وحدة المقاومة العربية كنواة لبناء المجتمع العربي الحر الموحد.

لنركن جانبا القلق المشروع الذي أبداه المتحفظون على قرار مجلس الأمن (1701)، الذي تضمنت فقراته عناصر خطرة، أهمها التغاضي عن مطالب لبنانية مشروعة، وفرضها شروطا مجحفة على الشعب اللبناني ومقاومته، ولندع جانبا الخسائر المادية والبشرية الكبيرة الناجمة عن العدوان الصهيوني على شعبنا في لبنان. ولنبتعد قليلا عن ضوضاء السفسطائيين ولغطهم حول "تراجع" قيادة "حزب الله" وتخليها عن خيار المقاومة، وقبولها في قرار مجلس الأمن!، ولنتجاوز نظريات تحجيم انتصار المقاومة اللبنانية، ونصرف النظر عن تلك التي بالغت في تقدير حجم تأثير المقاومة اللبنانية، وقدمت انجازاتها كمقدمة لانهيار الإمبريالية العالمية وبداية تآكل أطر النظام الرأسمالي!.

لندع النقاط أعلاه وغيرها مع أهميتها جانبا، ولنتوقف أمام النتائج السياسية والعسكرية لصمود المقاومة العربية في جنوب لبنان، ونجاحها في دحر العدوان الأمريكي- الصهيوني، دون التقليل من إمكانيات التحالف الأمريكي – الصهيوني، وقدرته على مصادرة النصر في المراحل اللاحقة، والثأر لهزيمته سواء عن طريق استخدام القوة العسكرية، أو من خلال آليات قرار مجلس الأمن الأخير، أو إصدار قرارات لاحقة مكملة للقرار الأخير.

قد يكون من التسرع والعجالة تقديم تحليل شامل لتبعات المنازلة الأخيرة مع العدو الصهيوني ونتائجها السياسية، إلا أن تثبيت بعض الحقائق تبقى عملية ضرورية في هذه المرحلة. ما يهمنا في هذه المساهمة، هو التركيز على النتائج المباشرة للمنازلة، وأهمها صدور قرار مجلس الأمن (1701) دون الدخول في تفاصيل بنود القرار المذكور وفقراته على الرغم من أهميتها القصوى. في هذا الصدد يمكن تثبيت الملاحظات التالية:

أولا: دوافع صدور القرار الأخير تختلف كليا عن تلك التي أوجبت صدور قرارات مجلس الأمن السابقة المتعلقة بالنزاع العربي الصهيوني، فالقرار لم يصدر لتثبيت استحقاق سياسي "اسرائيلي" ناجم عن انتصار عسكري خاطف، بل على العكس من ذلك تماما. فالقرار على الرغم من ثغراته جاء ليوفر غطاء سياسيا "للحكومة الاسرائيلية"، واعتراف واضح في فشل العدو الصهيوني في تحقيق أهدافه العسكرية المعلنة، وتحديد السيطرة العسكرية على جنوب لبنان و تصفية قواعد المقاومة ونزع سلاحها، وخلق منطقة عازلة خالية من السلاح توفر للكيان الصهيوني متطلبات الأمن، وتتيح له الاستمرار في إرهاب الشعب الفلسطيني ومصادرة الحق العربي. يضاف إلى ذلك أن خسائر العدو جراء المعارك الأخيرة تجاوزت كل خسائر حروبه السابقة، على الصعيدين العسكري والاقتصادي.

ثانيا: صدور القرار عكس تراجعا أمريكيا– "اسرائيليا" واضحا عن الموقف الأولي المتعنت الذي اتخذته الإدارة الأمريكية و"الحكومة الاسرائيلية". فمنذ الساعات الأولى للعدوان تبلور موقف "أمريكي – "اسرائيلي" متعنت ورافض لأي مبادرة تقود إلى وقف إطلاق النار. تصريحات أركان الإدارة الأمريكية في الأيام الأولى للصراع عكست رفضا لا لبس فيه لفكرة وقف إطلاق النار قبل مرور أسابيع وأشهر، وقبل سيطرة "القوات الاسرائيلية" على الأراضي اللبنانية جنوب الليطاني. ووضعت الإدارة الأمريكية ثوابت أساسية منها، استحالة التفاوض مع "حزب الله" لكونه حزبا مصنفا من قبل الإدارة كحزب "إرهابي"، ومدرج في قائمة الحركات الإرهابية، واستحالة العودة إلى الوضع السائد قبل الثاني عشر من تموز، واستحالة الوصول إلى ترتيبات إيقاف العمليات قبل حسم وتصفية "حزب الله". فأصرت الإدارة على تحقيق ما أطلقت عليه "الحل الشامل" وربطت بين الحرب العدوانية الراهنة وبين حرب "بوش الثاني" على الإرهاب، وغالت وزيرة الخارجية الأمريكية في سذاجتها المعهودة، فطرحت بان من مخاض المعارك الجارية سيولد "شرق أوسطها الجديد"!. صمود المقاتلين والتفاف الشعب اللبناني الواسع حول قيادة المقاومة أجبر الإدارة الأمريكية على التراجع مرحليا على أقل تقدير عن تلك الثوابت. فنصوص القرار (1701) تتعامل مع "حزب الله" كطرف أساس لتنفيذ القرار وإنجاحه بشكل واضح ومباشر الأمر الذي يشكل تراجعا أمريكيا عن تحريم التعامل مع "حزب الله". هذا التراجع لم يأت كخيار حرا للإدارة الأمريكية، بل نتيجة لمأزقها ومأزق حلفائها جراء صمود مقاتلي المقاومة اللبنانية كما أسلفنا.

ثالثا: أنها المعركة الأولى التي حرمت نتائجها "الحكومة الاسرائيلية" من التمتع بنشوة النصر على العرب!، ولم تتح لها فرصة تحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية. الفشل العسكري والسياسي للعدو الصهيوني وضع "الحكومة الاسرائيلية" في حالة ارتباك لم تألفها من قبل، وهنالك أكثر من مؤشر على أن لنتائج هذه المعركة تبعات مستقبلية خطيرة على الصراع السياسي الداخلي، وعلى مستقبل حكومة "اولمرت"، فالمطالبات في إرسال الحكومة الحالية إلى المقصلة بدأت تحتل أعمدة "الصحف الاسرائيلية" حتى قبل الوصول إلى قرار وقف إطلاق النار.

رابعا: لا جدال في أن صدور هذا القرار بالرغم من ثغراته جاء نتيجة مباشرة لتمسك المقاومة اللبنانية في خيار الصمود والمقاومة العسكرية، ورفضها الانصياع للمطالب "الاسرائيلية"، وثمرة لدعم وإسناد شعب لبنان وقواه السياسية لمواقف قيادة المقاومة، وجهود فصائلها. موقف أغلبية شعبنا في لبنان العروبة المساند لمقاومته لعب دورا حاسما في توفير مستلزمات الصمود والنصر. انتصار المقاومة يشكل انتصار لشعب لبنان والأمة العربية.

خامسا: من البديهي أن تقود النتائج المشرفة للمقاومة الوطنية اللبنانية إلى زيادة الرصيد الوطني لـ"حزب الله" وقيادته، إلا أنها من جانب آخر تضع الحزب أمام تحديات جديدة يتطلب تجاوزها إدخال تغييرات جذرية على مفردات الخطاب السياسي للحزب. تحقيق هذا التغيير يفرض على قيادة الحزب مراجعة مواقفها السابقة من العديد من القضايا الوطنية والقومية في ضوء الدعم الكبير الذي قدمه الشعب العربي لفعاليتها، ولاسيما تقييمها الخاطئ لهوية المقاومة الوطنية العراقية وشرعيتها. كما أن عليها إدراك حقيقة أن الشعب العربي يمثل العمق الاستراتيجي الوحيد لها، وأن المرجعية العربية تشكل الضمانة الوحيدة لديمومة المقاومة الوطنية اللبنانية ونجاحها في تحقيق أهدافها الوطنية.

سادسا: من المسلم به أن نتائج المعركة الأخيرة عززت جدوى خيار المقاومة المسلحة والسياسية، وبرهنت على إمكانية تحقيق النصر إذا ما توفرت مستلزماته الأساسية وأهمها، توفر الإرادة والعزيمة الثابتة، الإيمان بعدالة القضية، وتوفر قرار سياسي صادق في مقاومته. لقد برهنت معارك الشرف في فلسطين والعراق ولبنان، ولاسيما نجاح المقاومة العراقية في تعطيل مشروع احتلال العراق، وإلحاق الخسائر العسكرية في القوة الكونية الأعظم، على أن خيار المقاومة هو الخيار الوحيد القادر على الدفاع عن حقوق الأمة وكرامتها. وأن سياسات الخنوع والاستسلام لم تؤدي سوى إلى المزيد من الكوارث السياسية والاجتماعية. انتصار المقاومين اللبنانيين وإفشالهم لمخطط احتلال الجنوب اللبناني خلق بؤرة مقاومة فعالة أخرى، وزاد من حجم المأزق الأمريكي في المنطقة، وخلق أبعادا سياسية جديدة في معادلة الصراع العربي - الصهيوني "الاسرائيلي"، أهم هذه الأبعاد يتمثل في تجديد ثقة الشعب العربي في خيار المقاومة، وتقريب موعد إعلان وفاة سياسة التطبيع، وهزيمة خيار الاستسلام والهزيمة.