المشهد الفلسطيني... بين الخيارات الواضحة... والمراهنات الخاسرة

بقلم: خالد عبد المجيد *

يواجه الشعب الفلسطيني وضعاً مقلقاً في المرحلة القادمة. رغم الانعكاسات الإيجابية التي أنعشت قوى المقاومة والصمود والممانعة، ومنها قوى المقاومة الفلسطينية بعد الانتصار الكبير الذي حققه "حزب الله" في لبنان وهذا القلق نابع بالدرجة الأولى من محاولات العدو الصهيوني المستمرة في إخضاع شعبنا وقواه. من خلال استمرار العدوان والجرائم والاغتيالات والحصار والإجراءات التي تهدف إلى مزيد من الإرباك بالأوضاع الفلسطينية وخاصة بعد اعتقال العديد من أعضاء الحكومة الفلسطينية ورئيس وأعضاء المجلس التشريعي بهدف إفشال حكومة حماس التي ترفض الرضوخ للإملاءات الأمريكية – الصهيونية وتتمسك بحقوق شعبنا.

ويترافق مع هذه السياسة الصهيونية سياسات عربية ومحلية فلسطينية تخدم بشكل مباشر أو غير مباشر سياسات الاحتلال والشروط الأمريكية وللأسف فإن ما شهدناه خلال الأشهر السابقة يوضح أن هناك استعدادات عند هذه الأطراف لتلبية الشروط المطلوبة أمريكيا وصهيونياً تحت مبررات وذرائع كثيرة وهي تعمل وتساعد في استمرار الحصار على الشعب الفلسطيني وتساهم في تعميق الأزمات السياسية والمالية والاقتصادية بهدف الوصول لإخضاع كل القوى لبرنامجها المعروف المتساوق مع الشروط المطروحة رغم معرفتها الكاملة بأنه لا يوجد لدى "إسرائيل" أي توجه حقيقي لما يسمى بعملية سلام بل هناك تصور صهيوني مدعوم أمريكياً ومطلوب من الجميع الرضوخ إليه.

في ظل هذه الصورة المقلقة يعيش شعبنا وضعاً مأساوياً في الحصار الجاري المفروض "إسرائيلياً" وأمريكياً ومن بعض الأطراف العربية والمحلية في إطار زيادة الضغط لإخضاع الحالة الفلسطينية إلى ما يريدون ومنها وفي مقدمتها قطع الطريق على قوى المقاومة الفلسطينية من توظيف النصر الذي حققه "حزب الله" على العدو باتجاه إنعاش الوضع الفلسطيني واستمرار العمل في المقاومة وإرباك الاحتلال وعدم توفير الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي له.

واليوم ونحن نواجه هذه التطورات الكبيرة أمام خياران لا ثالث لهما، فإما التمسك بحقوقنا وبخيار المقاومة والضغط على الاحتلال لإجباره على الإقرار بالحقوق الفلسطينية الواردة في برنامج الإجماع الفلسطيني وإما الخضوع للإملاءات والشروط المطروحة أمريكياً وصهيونياً والعودة إلى أوهام الحلول والتسويات التي داسها العدو بدباباته وجرائمه في الضفة وغزة.

وفي ظل هذه الخيارات الصعبة بدأنا نلمس سياسات ومراهنات على عملية سلام وتسوية في الوهم، خاصة بعد أن أثبتت الأحداث والحرب العدوانية على لبنان عقم هذه المراهنات التي عادت بنتيجة عجزها إلى طرح المبادرات العربية والمحلية والتحرك الدولي في ظل استمرار الحرب العدوانية على شعبنا.

إن المرحلة الراهنة تتطلب وحدة موقف وطني فلسطيني جاد يستند إلى ما تم التوافق حوله بعيداً عن المناورات السابقة والسياسات التي تعطي طبعة لأمريكا و"لإسرائيل" وبعض العرب وطبعة أخرى للوضع الفلسطيني. نعم أننا بحاجة لحكومة وحدة وطنية حقيقية مع قناعتنا أنه لا زالت هناك عصي في دواليب هذا التوجه نتيجة اشتراطات البعض المنطلقة من رؤيا سياسية تتناغم مع ما هو مطلوب أمريكياً – وعربياً على الأقل بالاتجاه الذي يهدف إلى المراهنة على أوهام سياسية بعيدة عن الواقع والضغط لوقف المقاومة والتسليم بما بطلبه وسطاء أمريكا و"إسرائيل" من العرب المستعربة الذين لا هم لهم إلا إرضاء السياسة الأمريكية – والمحافظة على الوضع القائم في ظل حالة من التفاعلات في الوضع العربي بعد الانتصار الذي حققه "حزب الله".

أضف إلى ذلك سياسة فلسطينية من قبل البعض تسعى لترويض الوضع الفلسطيني للشروط المطلوبة وتجاوز ما جرى في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة. وإذا كانت اليوم حريصة على الحوار والتواصل فإنها تهدف من وراء ذلك استمرار المماطلة والتسويف كسباً للوقت وانتظاراً لنتائج الضغوطات الدولية والعربية مستغلة الإجراءات التي تقوم بها "إسرائيل" لتعطى مفاعيلها حيث يعتقد أصحاب هذا الاتجاه أنها ستؤتي أكلها وتسقط الحكومة الحالية (حكومة حماس). وهم الذين يهولون الأمور ويساهمون في تعميق الأزمات على الحكومة الحالية وخاصة في المجال الذي يتعلق برواتب الموظفين والوضع الاقتصادي لشعبنا في الوقت الذي يعرف الجميع حقيقة هذه الأزمات ومن يدفع بتعميقها لدفع الرأي العام إلى تحرك لإسقاط الحكومة وإفشالها وهم الذين يصرفون الملايين ويسرقون قوت الشعب، لكن لدى هذه القيادات قلق وتخوف كبير بأن الأمور ستنقلب رأساً على عقب إذا عادت قوى المقاومة للمربع الأول. وحتى لا نواجه أزمات جديدة و يستمر القلق الذي يسود الأوساط الفلسطينية نتيجة هذه السياسات، لا بد من التوجه إلى حوار جاد ووضع آليات سريعة لاتفاق على حكومة وحدة وطنية حقيقية  تستند لبرنامج الوفاق الوطني وتحدد خيارات واضحة بعيدا عن الاشتراطات الأمريكية – "الإسرائيلية" التي يدفع البعض للرضوخ إليها. وإلى حوار سريع لإعادة بناء (م. ت. ف.) ووضع الآليات لعقد المجلس الوطني الفلسطيني بأسرع وقت على قاعدة انتخابات تمثيلية لكل تجمعات شعبنا، وعدم الاستمرار في خطف المنظمة من قبل اتجاه سياسي لا يريد إحياء (م. ت. ف.) ولا إعادة بناء مؤسساتها لأن ذلك بنظره خط أحمر أمريكي – إسرائيلي – عربي .فهل ترتفع راية التحرر من الخوف والقلق والمراهنة على أوهام خاسرة جديدة ونسعى إلى توجه حقيقي للوحدة الوطنية الحقيقية التي تبنى بالمؤسسات وبالتوافق والتعددية بعيداً ع الانفراد والتفرد.

* الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

دمشق في 27/8/2006