الحرب من أمريكا وعليها
د. عصام نعمان *
لعل ابرز حقائق الحرب على لبنان وأكثرها خطورة أن الولايات المتحدة الأميركية تقف وراءها، وأن (إسرائيل) تشنها بالوكالة عنها وإن كانت لها مصلحة وازنة فيها.
أميركا خططت لهذه الحرب في سياق مخططها الرامي إلى إقامــة (الشرق الأوسط الكبير) الذي أطلقت عليه أخيراً وزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس مصطلـح (الشرق الأوسط الجديد).
أميركا حرّضت (إسرائيل) على شن هذه الحرب، واختارت لها التوقيت المناسب، وأعطتها ضوءاً اخضر واستعجلت إشعالها، وحالت دون صدور قرار في مجلس الأمن لوقف النار، وحثّت (إسرائيل) على تكثيف هجماتها، البرية والجوية والبحرية، لتحقيق نتائج سريعة وملموسة في مدة وجيزة، وأجازت لها ضرب البنية التحتية للبنان للضغط على حكومته وشعبه، وغطّت مجازر (إسرائيل) الوحشية ضد المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ.
أكثر من ذلك: أميركا، بلسان رئيسها جورج بوش، برّرت الحرب بأنها فصل من فصول الحرب الشاملة على الإرهاب. بل بالغ بوش في تبرير الحرب بوصفها جزءا من الحرب ضد "الإسلام الراديكالي". لهذا السبب اعتبر الرئيس الأميركي (إسرائيل)، في حومة هذه الحرب، أنها تمارس "حق الدفاع عن النفس"، ولم يجامل لبنان والعرب، شأن بعض المسؤولين الأوروبيين القائلين إن (إسرائيل) أفرطت في استعمال القوة ضد لبنان، وان الضرر الذي أصابه بسبب هذا الإفراط غير متناسب مع "الخطأ" الذي "ارتكبته" المقاومة اللبنانية باحتجاز جنديين (إسرائيليين) في 12/7/2006، بالعكس، بوش ساند (إسرائيل) علانيةً في سياسة الإفراط هذه بمنحها مجموعة من القنابل الذكية الموجهة بالليزر التي تزن الواحدة منها 2 طن من المتفجرات غير الذكية.
أخيرا وليس آخراً، أميركا تقف وراء مشروع القرار الذي صاغته فرنسا ليصار إلى إقراره في مجلس الأمن، وهو مترع بمكافآت متعـددة (لإسرائيل) ليس أقلها تحميل لبنان والمقاومة مسؤولية التسبب باندلاع الحرب وبالخسائر البشرية والمادية التي نجمت عنها، وبالدعوة إلى وقف العمليات العدائية (وليس وقف النار) من دون إلزام (إسرائيل) بالانسحاب من الرقعة الحدودية الضيقة التي تتواجد فيها قواتها، وبالعمل على إنشاء قوة دولية ضاربة بموجب "الفصل السابع" من ميثاق الأمم المتحدة بغية تجريد "حزب الله" من السلاح، وبتجاهل مطلب لبنان الداعي لإزاحة (إسرائيل) من منطقة شبعا اللبنانية ووضعها تحت وصاية الأمم المتحدة إلى حين الفراغ من عملية ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا.
باختصار، الولايات المتحدة هي من خطط للحرب وأوعز (لإسرائيل) بإشعالها وتوسيـع رقعتها، وإلحاق اكبر أضرار ممكنـة بلبنان، بشراً وشجراً وحجراً، والحؤول دون وقفها والحرص على مكافـأة (إسرائيل) في سياقها، ومحاولة منحها نصراً عسكرياً وسياسياً أمام جمهورها لم تتمكن قط من إحرازه في الميدان رغم مرور نحو شهـرٍ على إشعالها.
أميركا، إذاً، هي العدو الرئيس، فهل أدرك العرب هذه الحقيقة أم أنهم ما زالوا يخدعون أنفسهم بأن (إسرائيل) هي العدو الرئيس وان أميركا إنما تمارس في المنطقة سياسةً أملتها عليها (إسرائيل)؟
إن الجواب عن هذا السؤال المفتاحي أمر بـالغ الدلالة والأهمية لسببين : الأول، ضرورة أن يعرف العرب من هو العـدو الرئيس والحقيقي والفاعل، والثاني، ضرورة أن يكون العدو الحقيقي هو محور الجهد العربي المضاد في الصراع، فلا يبقى بمأمن من عدائهم المشروع، ولا يستمر في استثمار مواردهم الطبيعية، وفي طليعتها النفط، وفي التنعّم بخيراتهم بدعوى انه صديق وحليف.
الحرب تنطلق علينا من أميركا بواسطة (إسرائيل)، فلا أقل من أن ندرك مصدر الشر ونردّ عليه، أصلاً وفصلاً.
لا سبيل بعد اليوم إلى أن نغشّ أنفسنا بالقول إن أميركا صديق وحليف، وأن مصلحتنـا هي في التعامل معها من أجل تخفيف دعمها (لإسرائيل)، أو حتى – يا للسخافة! – لتحمي بعضنا من (إسرائيل). أميركا عدو، لا يخفي صفته ودوره في الضغط علينا، بكل الوسائل المتاحـة، من أجل إستتباعنا، أو تحييد بعضنا في صراعه مع بعضنا الآخر، أو محاربتنا سياسيا وعسكريا بالوكالة عبر (إسرائيل) كما يحدث في لبنان، أو بالنيابة بواسطة فئات حاكمة ترتضي أن تلعب هذا الدور، أو بالأصالة مباشرةً كما يحدث في العراق.
أميركا لا تخفي حربها علينا بالأشكال الثلاثة المار ذكرها. بل هي تعلن بلسان رئيسها في خطبة "حال الإتحاد" أواخر شهر كانون الثاني / يناير الماضي، وفـي منتجعه الصيفي في ولاية تكساس مطلع الشهر الجاري، أنها تخوض الحرب ضد "الإسلام الراديكالي"، أي ضد المسلمين المعادين لأميركا، وهل بقي مسلم واحد في عالمنا العربي والإسلامي لا يكره أميركا أو لا يرغب في محاربتها؟
أميركا في حرب على الإسلام والمسلمين في كل مكان، فلا سبيل إلى إنكار هذه الحقيقة الساطعة، أو تجاهلها، أو الدوران حولها.
عندما يعلن جورج بوش أنه "رئيس حرب" وأنه في حرب على الإسلام كما يراه ويفهمه، أي على الإسلام والمسلمين المعادين لأميركا، فلا يبقى في وسع أحد إلا أن يختار واحداً من موقفين: الاستسلام لها أو النهوض إلى مقاومتها.
للإستسلام أشكال متعددة لا جدوى من تعدادها إذ تعبّر عن نفسها بمختلف أوجه حياتنا السياسية المعاصرة. أما مقاومة اميركا فلها أوجه عدّة أبرزها ثلاثة : رفض سياستها وعدم المشاركة في مناهج تنفيذها، ومقاطعتها سياسيا وإقتصاديا، والإنخراط الى محاربتها ميدانيا وعسكريا بكل الوسائل المتاحة.
الحرب على أميركا في أوجهها الثلاثة المار ذكرها ليست أمراً فوق العقل. انه أمر معقول وممكن ومجرّب ومثمر وله سوابق ناجحة. الكوريون والفيتناميون والكوبيون والصوماليون واللبنانيون – نعم، اللبنانيون في أثناء الحرب الصهيونية عليه العام 1982 – حاربوا الأميركيين وتغلبوا عليهم أو اكرهوهم على مغادرة بلادهم. والأفغان والعراقيون يحاربونهم الآن وسوف يكرهونهم على مغادرة بلادهم عاجلاً أو آجلاً.
يجب إغتنام الفرصة التي أتاحتها لنا كل من (إسرائيل) مباشرةً، وأميركا مداورةً، بشنهما الحرب على لبنان. فلنهبّ إلى الدفاع عن أنفسنا وسط هذا الجو العدائي الكاسح ضد أميركا و(إسرائيل) في القارة العربية والعالم الإسلامي، ولنحاربهما كلٌ بقدر ما يستطيع ويطيق، أقلّه برفض المشاركة في تنفيذ أغراض سياساتهما المعادية لحقوقنا ومصالحنا، بل لمجرد وجودنا الإنساني.
إن عدم اعتماد هذا الخيار بأيٍّ من أوجهه الثلاثة يضع عمليا معظم الأنظمة العربية في صدام مع شعوبها، بل ربما يؤدي، في بعض الأقطار كلبنان مثلا، إلى حرب أهلية، خصوصا إذا ما تجرأت الحكومة اللبنانية على تنفيذ قرار لمجلس الأمن لا توافق عليه المقاومة ولا الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني التي باتت في موقع العداء الصريح والمتفجر ضد أميركا وصنيعتها (إسرائيل).
أعقلوا وتوكلوا يا أولي الألباب.
* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي من لبنان