رسالة مفتوحة إلى السيد حسن نصر الله
تدمير لبنان وفلسطين لا يُعوَّض بتبادل الأسرى فقط
بل بضمان تحرير شبعا والجولان وإزالة جدار الفصل
د. عصام نعمان *
السلام عليك، أيها السيد، في الحرب والسلم.
سلام الله ورحمته والبركات.
سلام عليك وعلى إخوتك المجاهدين، كتبوا بدمائهم ويكتبون تاريخاً جديداً للبنان وفلسطين والأمة.
سلام عليك في زمن الحرب يلقيه الأحرار في نفوسهم، التائقون إلى زمن السلم مع الخبز والكرامة، والحرية مع الشورى والديمقراطية، والتنمية مع العدالة ، والإنتاج مع الإبداع.
يبثك الأحرار سلامهم، أيها السيـد، ويلفتونك والأمة إلى مفارقة العصر: أن يعلن رئيس حكومـة الكيان الصهيوني العنصري بالفم الملآن ومن دون أن يرفّ جفن له أو يتلعثمَ لسان، أن ما فعله ويفعله بلبنان إن هو إلاّ ردّ على احتجاز إثنين من جنوده، وأن الغاية المرتجاة من شن الحرب وقتل الإنسان وتدمير العمران هي استعادة الأسيرين.
رجلان في مقابل لبنان!
أجل، أسيران (إسرائيليان) مقابل لبنان كله، بشراً وحجرا، زرعاً وضرعاً. فقد أودت آلة الحرب الصهيونية لغاية الآن بحياة نحو 900 ضحية، بينهم نحو 50 من مجاهدي المقاومة، وجرحت وأعاقت أكثر من 3200 جلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ، ودمرت أو كادت كامل بنية لبنان التحتـية من جسور وطرقات، ومرافق ومرافئ، ومستشفيات ومدارس، ومصانع ومزارع، وشرّدت نحو مليون من السكان.
إذا كـان لأسيرين إثنين في تقدير ايهود اولمرت وزمرته الحاكمة كل هذه القيمة والاعتبار، فأيُّ قيمةٍ واعتبار يقتضي أن نعطيهما نحن للمئات من شهدائنا وجرحانا وأسرانا؟ هل يجوز أن يكون للإنسان عندنا، لاسيما الطفل البريء، قيمة أدنى من قيمة الإنسان في الكيان العنصري؟ بل هل يجوز لنا أن نتهاون في حق شعبنا وعمراننا وحاضرنا ومستقبلنا فنرضى بوقف المقاومـة على شروط العدو بعد كل هذه المجازر والخسائر والفواجع؟
أعلَمُ يا سماحة السيد أنك ملتزمٌ حقوق الإنسان وحقوق الشعوب التزامك المقاومة والحرية والتحرير، وأنك لا تتهاون ولن تتهاون في تحصيل حقوق شعب لبنان وشعب فلسطين وحقوق الأمة بعد كل محنة.
أعلنْ، إذاً، أيها السيد، باسم المقاومة في لبنان، وباسم المقاومة في فلسطين بالتنسيق مع الناطق باسمها الأخ خالد مشعل، بل أعلنْ باسم العرب والمسلمين الأحرار تحت كل كوكب، قراراً حاسماً مدوّياً بأن تبادل الأسرى في هذه الآونة العصيبة، وبعد التدمير الهائل الذي لَحِق بالبشر والشجر والحجر في لبنان وفلسطين، لا يكفي ولا يعوِّض وحده الخسائر والأضرار والآلام المعنوية والمادية التي تكبدناها وعانيناها جميعا طوال نصف قرن.
قل للعالم أجمع، أيها السيد، باسم القيم العليا لكل الأديان، باسم حقوق الإنسان، باسم ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي الإنساني، أن المقاومة في لبنان وفلسطين لن تتوقف ولن تبادل أسراها الثلاثة بالأسرى العرب لدى العدو إلا لقاء الوفاء، بعد وقفٍ غير مشروط لإطلاق النار، بحقوقٍ ثلاثة غير قابلة للتصرف:
أولا: التطبيق الحرفي وفق برنامج يُتفق عليه في مجلس الأمن الدولـي،
وإلاّ في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لجميع قرارات المنظمة الدولية المتعلقة بفلسطين ولبنان وسوريا، وفي مقدمها عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وانسحاب (إسرائيل) من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة إلى خطوط وقف إطلاق النار كما كانت عليه في 4/6/1967 بما يكفل تحرير منطقة شبعا اللبنانية ومنطقة الجولان السورية وبالتالي تفعيل اتفاقيات الهدنة ذات الصلة.
ثانيا: التطبيق الحرفي والفوري لقرار محكمة العدل الدولية القاضي باعتبار (جدار الفصل المقام داخل أراضي الضفة الغربية المحتلة غير شرعي وبالتالي مستوجباً الهدم بغية إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل إقامتـه).
ثالثا: اتخاذ قرار في مجلس الأمن الدولي يقضي:
(أ) بتأليف لجنة تحقيق دولية من قضاة ومحققين تابعين لمحكمة العدل الدولية مهمتها التحقيق في جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها القوات المسلحة (الإسرائيلية) في لبنان وفلسطين، ووضع تقرير مفصل بها ورفعه إلى مجلس الأمن الدولي ليصار، بعد مناقشته، إلى اعتماده وإحالة المتهمين بموجبه إلى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة لمحاكمتهم وتوقيع العقوبات الملائمة بحقهم.
(ب) تأليف لجنة تحقيق وتخمين دولية من قضاة ومحققين وخبراء تابعين لجهاز محكمة العدل الدولية مهمتها معاينة ومسح وتخمين الأضرار اللاحقة بالبنية التحتية ومختلف المنشآت المدنية في لبنان وفلسطين جرّاء الحرب (الإسرائيلية) عليهما، وتقدير التعويضات المستحقة عنها، وإحالة تقريرها إلى محكمة العدل الدولية لإصدار الحكم أو الأحكام الملزمة للمعتدي وللمتسبب بالخسائر والأضرار.
قد يقول قائل، يا سماحة السيد، أن ما ندعو إليه ونطالب به ضرب من الخيال في واقع موازين القوى الراهن. أنت تعلم بالتأكيد وآخرون بالاستدلال والتخمين أن ما قامت المقاومة الشعبية وتقوم به في كلٍ من لبنان وفلسطين والعراق قد أحدث خللاً في موازين القوى المتصارعة لصالح القوى الحية في الأمة، وأن آثاره سوف تتبدى في المستقبل القريب، وفي مقدّمها نزوع الشعوب إلى حزم أمرها وتحرير إرادتها واعتزامها السير في طريق التغيّر والتحرر والترقّي، ومواجهة أعدائها من قوى خارجية مهيمنة وقوى داخلية طيّعة ومتواطئة معها. ومع ذلك، فإن ما يحدوك ويحدونا إلى اتخاذ هذا الموقف والمناداة بهذه المطالب المحقة إيمانٌ عميق بحقوق الأمة غير القابلة للتصرف، وتجديد لا مواربة فيه لالتزام العمل من أجل تحصيلها بكل الوسائل المشروعة، وأن إعلان ذلك كله في هذه الآونة هو تعهد لا رجوع عنه بالتزام المقاومة والكفاح في سبيلها أياً كانت التسويات التي قد تتوصل إليها الحكومات المعنية مع (إسرائيل).
أعلنْ، أيها السيد، هذا الموقف التاريخي بنقاطه الثلاث، احتساباً والتزاما، وأترك للحكومات المعنية فرصةً لتتبناه اختياراً أو لتعتذر عن ذلك اضطراراً، متذرعةً - على الأرجح - بدعوى مفادها أنه سبق لك أن أعلنت الغاية من احتجاز الأسرى (الإسرائيليين) وهي مبادلتهم بأسرى لبنانيين وعرب في قبضة (إسرائيل).
لتعتذرْ الحكومات، إذا كان في وسعها أن تتحمل مسؤولية عدم التجاوب مع موقفك التاريخي الحافظ حقوق الأمة غير القابلة للتصرف.
لتبادِلْ الحكومات الأسـرى (الإسرائيليين) بأسـرى لبنانييـن وعــرب، ولتحصّـلْ الحد الأقصى، إذا أمكن، من الحقوق المترتبة على العدو، وقد سبقت الإشارة إليها. أما القوى الحية في الأمة، وأنت قدوتها وعلى رأسها، فإن صراعها مع العدو يبقى هكذا مستمراً ومتجدداً، والكفاح من أجل تحصيل الحقوق غير القابلة للتصرّف يبقى حيّاً وحاراً، والالتزام بالمقاومة والجهاد يبقى عميقاً وملزماً ومحفّزاً. إنه تعاقدٌ طوعي مع التاريخ لإعادة صنع التاريخ. إنه تعهدٌ صادق بإحياء عملية السلام والتفاوض في شأن قضاياها بحسب شروطنا وعلى أساس قرارات الأمم المتحدة ومواثيق حقوق الإنسان وليس وفق إملاءات أعدائنا.
سلام عليك، أيها السيد، في الحرب والسلم.
سلام عليك وعلى إخوتك المجاهدين، يكتبون بدمائهم تاريخاً جديداً مجيداً للبنان وفلسطين وللأمة بقوةٍ وهمّة.
* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي من لبنان