قصة قصيرة

يحدث في مملكة الأرانب

بقلم: إسلام شمس الدين - مصر

خلع الأرنب الصغير عباءة الحظيرة، وانسلخ من فرائه الأبيض الناعم، بعد أن سئم "عِشْرة" الأرانب، وملَّ مهانة عيشها.. سار على الطريق المتاخم للنهر ساعاتٍ طويلة، كان الطريق قاحلاً وعرًا، أعياه السير دون وجهة؛ فاستظلَّ بشجرة أرزٍ وفرد رجليه على الشاطئ، بينما الهدهد فوق الشجرة يراقبه في سكون، مرَّت دقائق والأرنب الصغير يتأمل انسياب الماء محمَّلاً بالأزهار الطافية، ويسترق السمع لهدير جريانه كأنه وشوشات ليلية، رفع بصره نحوَ الحافَّة الأخرى.

الأرانب الكبيرة تحذِّره دائمًا من مقاربة النهر، لكنه لا يستطيع كبْح جماح خياله لاستكشاف ما وراء تلك الحافة، فيما تتهامس الأرانب الصغيرة بأن هناك تقبع حقول الجزر التي سمعوا عنها، لكنَّ أحدًا لم يفكر يوماً في الوصول إليها، فرد الهدهد جناحيه العريضين وهبط بالقرب من الأرنب الصغير، الذي كان يشكو ألمًا في رقبته وكتفيه؛ جرَّاء مشْيته غير المتوازنة طوال ساعات النهار، بلَّل الهدهد منقارَه الدقيق بقطرات من الماء قبل أن يسأله: لم لا تسير كبقية سكان الغابة منتصب القامة مرفوع الرأس؟ اندهش الأرنب للسؤال: لم أفكر في هذا من قبل، فالأرانب كلها تسير هكذا، هزَّ الهدهد قنزعته، وقطب ما بين عينيه: لا عجب إذن أن تكون هذه الحظيرة منبت أوجاعك، كان عليك أن ترحل عنها قبل أن تتفشى بها العلل.

سأله مسترشدًا: ولكن إلى أين أذهب؟ هتف الهدهد محرِّضًا: لم لا ترحل إلى حقول الجزر التي حدثك عنها جدك العجوز؟! ألم تكن ملكًا للأرانب تنعم فيها بالحرية والعزة والأمان؟! ارتسمت الحيرة والتردد على وجهه الشاحب، لم يفهم معنى "الحرية" و"العزة" و"الأمان"، لكن في لهجة الهدهد ما يشير إلى كونها أشياء طيبة، راقت الفكرة له، داعبت حلمًا راوده كثيرًا، انطلق صوب الحقول، تسبقه آماله في ارتياد تلك "الحرية" التي لم يسافر إليها أحدٌ من أقرانه.. نسائم الغروب تفوح محمَّلةً برائحة الحقول الطازجة، فتقوده إلى غايته، تسلل في خفة ورشاقة إلى حيث كان يقطن أجداده، كان الذئب هناك يفرك جلده في التراب، متلذِّذًا بنداوته، وقد استطالت مخالبه، وبرزت أنيابه الحادة، ولمعت عيناه الذهبيتان.

سَرَت قشعريرة من رهبةٍ في أطراف الأرنب الصغير، فهمَّ بالرجوع إلى الضفة الأخرى، لولا أن تذكر حكايات جده العجوز عما اقترفه الذئب في حق شعب الأرانب، وكيف هاجم صغارها ليلاً، فبقَر بطونها، وسلخ جلودها، وأكل لحومها، وأطعم الدُّودَ أحشاءَها، قبل أن يحرق حظائرها ليبني فوق رمادها جحورًا متراصةً تكفي قطعان الذئاب المتدفقة من وديان شتى، وكيف أن الثعلب المخادع والأسد المتغطرس وجوقته من حيوانات الغابة الطَيِّعة كانت تتضاحك مستهزئةً لفرار الأرانب مذعورةً وقد التهمت النيران فراءَها الأبيض حتى تشيطت جلودها!!

تغيَّر لون الأرنب الصغير، سَرَت في عروقه فورة الغضب، وثَبَ في غيظٍ فاعتلى ظهر الذئب، صفعَه بقوة على قفاه، حتى انغرست أنفه في الوحل، توعَّده بالجحيم إن لم يرحل فورًا.. تركه غارقًا في ذهوله، وعرج إلى جحر الثعلب المختبئ في أطراف الحقول، كان يُعرف بخشيته من النار، فأشعل عشبةً كبيرةً، وألقى بها على باب الجحر، ثم انسلَّ فأمسك بذيله ولفه حول وسطه، وأنذره ثبورًا إن عاود المراوغة وإتباع حيله الدنيئة للتسلل إلى حظائر الأرانب المسالمة، أدرك أنه قد تورَّط في مغامرته، وعليه أن يكملها حتى النهاية، فإنهم إن يقدروا عليه فهو هالكٌ لا محالةَ، ربط جأشًا واستجمع شجاعته وقصد عرين الأسد فوق الربوة المرتفعة المشرفة على الحقول، وجدَه مستلقيًا على ظهره جرَّاء تخمة أصابته بعد عشاءٍ حافلٍ بما لذَّ من لحوم حيوانات الغابة، تسلَّق لبدته، انتزع في قسوة بضعة شعيرات، زعق في أذنيه بأن لحوم الأرانب لن تكون على مائدته بعد اليوم، هدأت نفسه، وسكن روعه، فرجع في تؤدة وثقة من حيث أتى.

أفاق الذئب من صدمته، بدا الأمر له وكأنه كابوسٌ أسود داهمه من حيث لم يتوقَّع، أسرع من فوره إلى الأسد، مرَّ في طريقه بالثعلب ليصطحبه إلى ملك الغابة، علمت الحيواناتُ بما فعله الأرنب الصغير فلحقت بهما منزعجةً، هدَّأ الأسد من روعها؛ طمأنها قائلاً: لا داعيَ للانزعاج، فصديقنا الذئب الطيِّب سيتولَّى أمرَ هذا الأرنب الأحمق، وسأكافئه حينها بالمزيد من لحوم تلك الأرانب الغبية.

قضى الذئب نهاره يتنقل من جحر إلى جحر، ومن حظيرة إلى حظيرة، حوَّل الحقول إلى خِربَةٍ مشقوقة، هدم الأعشاش، وأحرق شجيرات الجزر، بحثًا عن ذلك الأرنب المتطاول، حتى أعياه التخريب فرجع إلى جُحره يتأجَّج من الحنق، في الليلة التالية كرر الأرنب الصغير مغامرته، تسلَّل إلى الحقول فوجد الذئب نائمًا وقد أغلق عينٌا وفتح أخرى، التفَّ من خلفه وصفعَه بقوة على قفاه حتى انغرست أنفه في الوحل، شدَّ أذنَه صائحًا فيه: ألم آمرْك أن تغادر الحقول أيها الأبله؟! زاد انزعاج حيوانات الغابة، فقد خَشِيَت أن تُحرَم التنعم بلحوم الأرانب.. اغتاظ الأسد من تمادي هذا الأرنب المغرور، فأرسل إلى "مجلس الأرانب" مطالبًا إيَّاها بردعه، وإلا نالها ما لا تطيق.

اجتمع المجلس في "الحظيرة الكبيرة" للنظر فيما اقترفه الأرنب الصغير، كان الهلع يَغشى الوجوهَ تخوُّفًا من نتائج تلك المغامرة الهوجاء، تنازعت الأرانب الكبيرة الأمرَ بينها، وتشعَّبت آراؤها: قال واحدٌ منها: لقد أقدم على مغامرة غير محسوبة، فوضعنا في مأزق لن ننجو منه، وقال آخر: ما كان له أن يؤلِّب حيوانات الغابة ويستفزَّها ضدنا، فالأرانب شيمتها الوداعة.

أبدى واحد منها دهشته لتجرُّؤ الأرنب الصغير على خرق قوانين الغابة دون مشورة، فيما أدان آخر عدم احترامه للمعاهدات الموثقة بين الأرانب والأصدقاء من حيوانات الغابة، قال موبِّخًا فَعْلته: لقد التزمت الحيواناتُ بعدم الاعتداء على شعبنا ما دمنا نتنازل لها عن حقول الجزر، ونقدِّم لها جلودنا للتدفئة في ليالي الشتاء، ونطهو لحومنا بأنفسنا بعد تنظيفها جيدًا حتى لا يصيبَها تَلبُّك معويٌّ، لكن الأرنب الصغير ضرب عرض الحائط بتلك المعاهدات وأظهرنا في صورة مَن يحنثون بالعهود.

حارت الأرانب الكبيرة في أمرها، فليس بإمكانها الخروج عن طاعة الأسد، لكنها أعجز من أن تفعل شيئًا، اقترح أدهاها الانتظارَ حتى تفلح الحيوانات في اقتناص الأرنب الصغير، فتريحها من عناء المبادرة بالتحرك، لاقى الاقتراحُ قبولاً لدى الجميع، فقرَّر المجلسُ عدمَ الخروج من الحظيرة الكبيرة ومواصلة التشاور.

في الليلة الثالثة عاود الأرنبُ الصغيرُ تكرار مغامرته "غير المحسوبة"، تسلَّل ثانيةً إلى حيث الذئب الذي بدا متحفِّزًا للقنص، انسلَّ من خلفه، عقَدَ بين رجليه بحبل طويل، ثم ربط الطرف الآخر بالسياج المحيط بالحقول، شلَّ حركته، داس برجليه الصغيرتين على بطنه، وأخذ يقلِّم له أظافره على مهَل، فلما انتهى صفعه بقوة على قفاه حتى انغرست أنفُه في الوحل، شدَّ أذنه وصاح فيه موبِّخًا: أيها الأبله، لقد أنذرتُك أكثر من مرة لئن عدتَّ لتنْدمنَّ، ولكنك غبيٌّ لا تفهم، وعليك أن تتجرَّع ثمار غبائك.

في الصباح كان مجلس الغابة منعقدًا في عرين الأسد الذي برقت أساريره في انتظار أن يدخل عليه الذئب الطيب بفراء ذلك الأرنب المغرور، تناول فطوره في نشاط، ولم ينسَ الإغداق على جلسائه بما تبقَّى من طعامه؛ ابتهاجًا بالحدث المنتظر.. تأخر الذئب كثيرًا، تسرَّب القلق إلى نفس الأسد، فأمر القرد أن يذهب لاستعجاله بالحضور، عاد القرد مهرولاً، ينعي حال الذئب بعد أن ربطه الأرنب الصغير طوال الليل.. استشاط الأسد غضبًا، أمَرَ الحيوانات أن تسارع لنجدته وحل وثاقه.

دخل الذئب منكسرًا، منكّس الرأس، خاضع الجبين، وقد ضُربت عليه الذلة وتعفَّر خدُّه بالتراب، أحسَّ الأسد بأن هذا الأرنب التافه قد هتَك هيبتَه وأذيالَه، وأنه قد يحفِّز بقية الحيوانات المستكينة فتتجرَّأ على عرشه، أمر أتباعه أن يخرجوا فورًا لملاحقته وألا يعودوا إلا برأسه الصغير ليأكلها أمام جميع الحيوانات عظةً وعبرةً لها.

مر خمسة وثلاثون يومًا وما زال "الأرنب الصغير" يكرر مغامرته في كل ليلة، وما زالت حيوانات الغابة تلهث دون جدوى للإمساك به، وما زالت "الأرانب الكبيرة" حبيسةَ "الحظيرة الكبيرة" للتشاور في أمر هذا الأرنب الأهوج الذي ورَّطها فيما لا تحسن مزاولته، وما زال شعب الأرانب التائق لتذوق طعم "الحرية" و"العزة" اللتَين نهل منهما الأرنب الصغير يحتشد خارج أسوار حقوله المغتصبة، مكتفيًا بإطلاق الصيحات ورفع اللافتات التي تطالب عصابة الأسد والذئب بالرحيل.

اجتمعت سلالات الأرانب في الحظيرة الواسعة، أزعجها دوام اعتداء حيوانات الغابة عليها، وتحقير شأنها واستصغار قدرها، عقدت أمرَها على التحرُّر من هوانها، وارتقاء صهوة العزة والشرف.. تعالت الأصوات حماسةً، مُحدثةً جلبةً كبيرةً: لن نكون جبناء بعد اليوم.. لن نرضى بعد اليوم ضيمًا أو ذلاًّ أو هوانًا أو مهانةً.. لن نصبح بعد اليوم مضرب المثل في الجبن والمهابة.. لن نسمح لبقية حيوانات الغابة أن تسلخ جلودنا أو تتنعم بلحومنا.. لن نفرِّط في حقول الخس والجزر للغرباء يستبيحون خيراتها دوننا.. لن نسلِّم أمرَنا لسفهائنا.. لن نقبل أن يحكمنا عجائز الأرانب وأراذلها ولن يكون فينا أو منا أو بيننا منقادون أو خاضعون، ولا متآمرون أو خونة أو عملاء، ولا حمقى ولا سفهاء.

صفقت الأرانب طويلاً، أطلقت صيحات الحماسة ابتهاجًا بتلك الروح التي سَرَت في عروقها.. اعتدل حكيم الأرانب متهيِّئًا للكلام، أجْمَلَ عباراتِها في جُملة واحدة: باختصار يا أصدقاء.. لن نرضى بعد الآن أن نشبَّه بالعرب!!!